بروفايل

المنصوري والقلم

بقلم: هاجر متولي، سامية مصطفى

كانتا جالستين ترتشفان القهوة معًا ويتحدثن عن الأدباء المصريين لتستوقف إحداهن الأُخرى بجملةٍ شيقة  “الرجل الذي هدم الحاجز بين الكاتب والقارئ” ألا تعرفيه؟ لتهز الأُخرى رأسها نفيًا وتشرع بسؤالٍ لها من هو؟

فتجيب: إنه الفيلسوف والصحفي الشهير، الذي عانق فكره السماء والأرض، والزمان والمكان، واستطاع بفلسفته أن ينفرد بأسلوبِه السهل الممتنع الذي ميزه عن الكثير، فعبارتِه لم تكن فلسفية صعبة، بل معانيه فلسفية، يستطيع بها أن يصف أعمق شعور بلينٍ تام، فنجده يصفها في كتاباته قائلًا: “إن كل فلسفة لا تقاوم الجوع في العالم، لا تساوي وزنها ورقًا”.

انه أنيس منصور، ذاك الطفل الذي نشأ وتربى في المنصورة، المحب للقراءة منذ طفولته، ولم يكُن يعلم أنها تلك هي بدايته الأدبية، التي بدأت بالقرآن.

استكمل دراسته في مدينة المنصورة حيث كان الأول على طلبة فرقته حينها، وكان ذلك استكمالًا لتفوقه في صغره، حيث اشتهر بالنباهة والتفكير المنطقي السليم.

ظل أنيس منصور لفترة لا هم له إلا شراء الكتب، حتى ألتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وكان من أصغر المترددين على بيت العقاد حين ذاك.

يحضر الصالون الأدبي للعقاد منذ الأربعينات حتى وفاة العقاد، وأسكتمل قراءته في الفلسفة الذي تفوق فيها، وبعد تخرجه عمل مدرسًا للفلسفة الحديثة، ولشغفه وحبه للكتابة والقراءة بدأ بالعمل بالصحافة أيضًا في جريدة الأساس، وروز يوسف، والأهرام، وغيرهم.

فاز منصور بلقب الشخصية الفكرية العربية، كما حصل على الدكتوراة الفخرية من جامعة المنصورة، وجائزة كتاب الأدب العالمي، وغيرها الكثير.

أجاد أنيس عدة لغات، وكان صاحب قلم ماهر ومدرب، يعرف كيف يختار ألفاظه، وله أسلوب خاص به، يجعل للمعاني شيئًا ملموسًا يراه القارئ، يحاول فيها أن يثبت أن الفلسفة لم تكن غرفة مظلمة كما يراه الجميع.

كتب منصور في جريدة الأهرام المقال اليومي الأكثر قراءة “مواقف” ويكتب أيضًا في صحيفة الشرق الأوسط. وترأّس تحرير العديد من المجلات منها: الجيل، هي، آخر ساعة، أكتوبر، العروة الوثقى، مايو، كاريكاتير، الكاتب.

ورغم عمله بالكثير من الصحف والمجلات، لم يبتعد عن الأدب والفلسفة والفكر، حتى دخوله إلى عالم السياسة كان يقاومه، لكن هزيمة ١٩٦٧م هي التي جعلت منه كاتبًا سياسيًا أيضًا. 

ونقلت مقالاته التي كان يكتبها قديماً إلى صحيفة آخر لحظة 

ومن أشهر أقواله:

  • ما دمت لا تقدر احدًا، فكيف تغضب لأن أحدًا لا يقدرك؟
  • لا تغلق الباب الذي بينك وبين الناس، فقد تعود إليه.
  • المرأة الفاضلة صندوق مجوهرات يكشف كل يوم عن جوهرة جديدة.
  • سوف يبقي الفشل مرًا إذا لم تبتلعه

فقد رأى أننا حاربنا عدوًا لا نعرفه، وحاربنا عدوًا يعرفنا تمامًا، فكان لنا الهزيمة وله النصر، فاتخذ شعار (اعرف عدوك) وبدأ الكتابة في السياسة، ومنها: العاقل يستفيد من أعدائه، أما الغبي فلا يستفيد من أصدقائه.

وكان الدرس القاسي الذي تعلمه أنيس من السياسة، عندما كتب مقال (حمار الشيخ عبد السلام) فقد عاقبه الرئيس جمال عبد الناصر بالفصل من عمله، فحرم من الكتابة والتأليف، وأيضًا من الراتب لمدة عام كامل، ووصف ذلك في كلماته قائلًا: “في وقت الشدة فقط، تعرف من هم أحبابك، ومن هم حثالة اختيارك”. 

وظل أنيس يرتحل ويسافر ويقرأ عن الرحلات، وقد تركت تلك الأشياء أثرًا في كتاباته، منها:

  • ليس في الدنيا أصدقاء، إنهم أعداء ينتظرون الفرصة.
  • كيف تصدق من ينادي بالحرية ثم يتزوج.
  • الغرامة ضريبة لمن يخطئ، والضريبة غرامة لمن لا يخطئ.
  • إن كان لايزال في عينك دمع فأرجوك أن تبكي على حالي، فقد أخذت بنصيحتك ولم أهاجر إلى أي بلد آخر.
  • المرأة عندما تطلب النصيحة فإنها تريدك أن توافقها علي رأيها
  • من فقد أباه جاع، ومن فقد أمه ضاع.
  • الأنهار تصب في البحار، فلا جفت الانهار، ولا امتلأت البحار

وكانت كتبه هي الأكثر مبيعًا في الستينات وحتى الآن، لما تحتوي على فكر مختلف وفريد.

ويبقى عموده الأشهر بين أعمدة الصحف المصرية والعربية (مواقف) الذي بدأ عام ١٩٦١م واستمر حتى وفاته ٢٠١١م، ومنها: “من أفكارنا يولد أعداؤنا، ومن أفعالنا يولد اصدقاؤنا”. 

فهو كاتب المقال اليومي على مدى نصف قرنٍ تقريبًا وبه أصبحت الكلمات تمنحنا بريق العين، ببراعة وصفه وخفة روحه، وغزارة علمه، وأصبحت أفكاره حية خالدة فينا تُحدث من صفاتنا مع الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!