أبرز الشخصياتابداعات

من هو أنيس منصور

الشيماء أحمد

وُلد أنيس منصور بمدينة المنصورة في الـ18 من أغسطس 1924م،  كان يقرأ أي شيء يقع تحت يديه في أي مكان منذ أن كان تلميذًا صغيرًا في المنصورة، قبل أن ينتقل للقاهرة ليلتحق بالجامعة.

وقد ظل محتفظًا في مكتبته التي احتوت على سبعين ألف كتاب بسبع لغات بوثيقة كتبها أمين مكتبة المنصورة، يشهد له فيها بأنه عندما كان تلميذًا،  قرأ كل ما في المكتبة من كتب وقصص وحكايات.

القراءة والكتابة هما الجناحان اللذان ظل يحلق بهما الفيلسوف الكبير طوال حياته، وعندما دخل الجامعة وانتقل من المنصورة إلى القاهرة، قال إنه انتقل إلى جامعتين في وقت واحد، جامعة القاهرة وجامعة العقاد وكانت جامعة العقاد أقرب وأعمق.

لقد أُعجب منذ صغره بالعقاد، بالصفاء العقلي، والشموخ الهندسي في فكره، وكان لا يشتري مجلة الرسالة في صغره إلا إذا كان فيها مقال للعقاد.

وكان منصور من أصغر المترددين على بيت العقاد، وظل يحضر الصالون الأدبي للعقاد منذ بداية الأربعينيات حتى وفاة العقاد في العام 1964م، وقد سجل ما حدث في هذا الصالون الأدبي في كتابه الرائع والممتع ( في صالون العقاد كانت لنا أيام).

وهو الكاتب الفيلسوف الذي درس الفلسفة وقام بتدريسها في الجامعة، ظل حريصًا على ألا تكون عباراته فلسفية صعبة، وإنما أن تكون معانيه فلسفية، فكان بذلك مفهومًا لأقل الناس في التعليم والثقافة، وكانت كتبه هي الأكثر انتشارًا في مصر منذ الستينات.

وهو صاحب قلم ماهر مدرب، يعرف كيف يختار ألفاظه، له أسلوب خاص به هو السهل الممتنع، والوضوح الصريح؛ لأنه يجعل المعاني شيئًا ملموسًا يراه القارئ، حيث كان يقول «إن الفلسفة ليست غرفة مظلمة يبحث فيها عن قطة سوداء».

تلقى العلم كما ينبغي أن يكون في الجامعة، وعلى أيدي أساتذته: عباس العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن بدوي، وشوقي ضيف، ومحمد حسين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين وغيرهم.

واتصل اتصالًا وثيقًا بأبناء جيله: نجيب محفوظ، يوسف السباعي، إحسان عبد القدوس، صلاح عبد الصبور، حسين أباظة، مصطفى محمود، أحمد رجب، محمود أمين.

وقد رحل بعدهم جميعًا، فكان آخر رموز جيله لا يعوض ولن يتكرر.

لقد أتقن سبع لغات يتكلم بها بطلاقة، تمكن بها من قراءة الأدب العالمي، وترجم عددًا من الكتب والمسرحيات.

بعد أن تخرج أنيس منصور في الجامعة، عمل مدرسًا للفلسفة بكلية الآداب بجامعة عين شمس، وبدأ العمل بالصحافة في جريدة الأساس، روز اليوسف، الجريدة المسائية مع كامل الشناوي، الأهرام، مجلة النداء، أخبار اليوم التي كانت محطته الكبيرة والطويلة فعمل لها رئيسًا لتحرير مطبوعاتها: الجيل، هيّ، آخر ساعة.

وكان وحده يمثل رئيس التحرير والكاتب والمحرر، وذلك لغزارة كتاباته فىةي مختلف الآداب والفنون.

وفي ذلك يقول الكاتب الكبير أنيس منصور: (أنا أعتدت أن أكتب مقالات عديدة فى وقت واحد.. فعندما كنت أعمل في أخبار اليوم كنت أكتب مقالًا أدبيًا أسبوعيًا، وأكتب الصفحة الأخيرة من أخبار اليوم، وكنت رئيسًا لتحرير مجلة (الجيل) أكتب فيها المقال الافتتاحي، ثم أكتب باسم مستعار كل موضوعات الموضة والأزياء والتجميل وكتبتها أيضًا في كل المجلات التي رأست تحريرها: آخر ساعة وأكتوبر ومايو.

وأنا لا أنسى أبدًا  عندما كنت طالبًا في الجامعة في بداية الثمانينات كيف كنت أصحو مبكرًا يوم السبت، وأمشي مسرعًا إلى بائع الجرائد لكي أشترى نسخة من العدد الأسبوعي للأخبار (في زمن كان الكثير من الناس يهتم بالقراءة والثقافة) من أجل أنيس منصور الذي كان يكتب الصفحة الأدبية كاملة عن الفلاسفة والأدباء والعلماء بأسلوبه الممتع الرشيق السهل فهي أول صفحة أقرأها قبل أي شيء، لدرجة أن المحاضرة الأولى كانت تضيع مني بسبب قراءة الأخبار، وإذا انتهيت من صفحة أنيس منصور، أقرأ (فكرة) في الصفحة الأخيرة لمصطفى أمين، وبعد ذلك مقالات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس.

إن كانت لهم أو لأحد منهم مقال في العدد الأسبوعي، فجميع هؤلاء كانوا يكتبون في أخبار اليوم التي يتوقف أنيس منصور طويلًا أمامها ويسميها (حبيبتى دائمًا) وكان يقول: (أخبار اليوم هي منتهى الأمل.. ونهاية الأدب، وقمة جبال الصحافة كلها، فقد أسكرتنا كلمات أخبار اليوم ومصطفى أمين وعلي أمين.. ولذلك كانت سعادتي لا حدود لها عندما أنتقلنا من الأهرام إلى أخبار اليوم مع كامل الشناوي أنا أولًا وبعد ذلك كمال الملاخ، فقد بهرتنا الصناعة الصحفية والحرفية في كتابة العناوين والأخبار والمقالات، مع كامل الشناوي دخلنا القصر المسحور فى الصحافة الحديثة، لنرى كيف يكتب مصطفى أمين وعلي أمين، كانت مدرسة أخبار اليوم هي قاعدة إطلاق الصواريخ والأقمار في سماء الصحافة والأدب والفن).

لم يكتفِ أنيس منصور بصالون العقاد فحسب، وإنما كان حريصًا على حضور صالون أخبار اليوم باستمرار.
قال مصطفى أمين: (استمر صالون أخبار اليوم إلى سنوات الثورة الأولى وكان يجمع الوزراء والكتاب والصحفيين، ثم بدأت التقارير تصل إلى قادة الثورة تتهم الصالون بأنه ينقد الحكام والناس العظام، وأن فيه تؤلف النكت وتوضع القفشات.

وأُممت الصحافة، وانتقل الصالون إلى بيتي في الزمالك، وكنا نجتمع مساء السبت والأربعاء من كل أسبوع وكان يجمع علي أمين وكامل الشناوي وموسى، صبري وأنيس منصور وأحمد رجب وسعيد سنبل، وجليل البنداري وكمال الملاخ وناصر النشاشيبي وإحسان عبد القدوس، ومحمود      السعدني، ومن الفنانين محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وكمال الطويل، وكان يتردد على الصالون من وقت لآخر بعض كبار الفنانين، وكانت تدور مناقشات ممتعة، وفي هذا الصالون وضع محمد عبد الوهاب بعض ألحانه الرائعة، ونظم كامل الشناوي قصيدة لا تكذبي).

ومع عمله بالكثير من الصحف والمجلات، لم يبتعد عن الأدب والفلسفة والفكر، حتى دخوله إلى عالم السياسة كان يقاومه، لكن هزيمة 1967م هي التى جعلت منه كاتبًا سياسيًا أيضًا، فقد رأى أننا حاربنا عدوًا لا نعرفه، وحاربنا عدوًا يعرفنا تمامًا، فكان لنا الهزيمة وله النصر.

فاتخذ شعار (أعرف عدوك) وبدأ الكتابة في السياسة، فكتب: الحائط والدموع، الصابرا: الجيل الجديد في إسرائيل، وجع في قلب إسرائيل.

وكان الدرس القاسي الذي تعلمه أنيس منصور من السياسة، عندما كتب مقال (حمار الشيخ عبد السلام) أن عاقبه الرئيس جمال عبد الناصر بالفصل من عمله في عام 1963م، حيث كان رئيسًا لتحرير مجلة (الجيل) ومدرسًا للفلسفة في الجامعة، فحُرم من الكتابة والتأليف، وأيضًا من الراتب لمدة عام كامل.
وكان هذا المقال تعليقًا على رواية توفيق الحكيم (السلطان الحائر)، وقد نسج منها الفيلسوف الكبير أفكارًا عن تأميم عبد الناصر للصحافة، ولقى مصطفى أمين وعلي أمين كل أنواع الهوان، وقد كان وثيق الصلة بهما صداقة وحبًا وحزنًا على ما أصابهما وأصابه.

وقيل إن الكاتب اللبناني سعيد فريحة قد إلتقى الرئيس عبد الناصر وتحدث معه فى عودة الأخوين مصطفى أمين وعلي أمين، فقال له: (بل لابد من إذلالهما، وحتى هذا الأنيس منصور اللي طالعين به السماء، قد فصلته هو أيضًا) .

أنيس منصور يترحل بين كتبه ونفسه، والرحالة لديه هو من يسافر أو يقرأ الكتب أو يقرأ عن الرحلا، وكل هذه الصفات اجتمعت فيه، وأشهر وأجمل روائعه كتاب (حول العالم فى 200 يوم) الذي صدرت منه حتى الآن 35 طبعة، والذي حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1962م، وتسملها الفيلسوف من عبد الناصر نفسه.

وكتب له مقدمة الطبعة الأولى طه حسين بنفسه وقال: (هذا كتاب ممتع حقًا تقرؤه فلا تنقص متعته، بل تزيد كلما تقدمت فى قراءته).

وكتب مقدمة الطبعة الثالثة الأديب محمود تيمور وقال: (إنه لم يجد له مثيلًا بين الأدباء المعاصرين).

وقالت عنه اللجنة في تقريره : (لأول مرة في تاريخ أدب الرحلات نجد فنًا جديدًا في الرواية والعرض والأداء، فعبارته جميلة قوية، ونظرته نافذة عميقة، واحتضانه لموضوعاته رقيق دافئ، ولم نعرف أن كاتبًا قبله فى كل الأدب العربي حديثه وقديمه قد توافرت له الدراية الواسعة بالفلسفة وعلم النفس وعلم الإجتماع، والأدب والتشويق والإثارة في أسرع عبارة وأدق وصف، وفي النهاية لا تملك إلا أن تعجب وتتعجب لهذه القدرات الفريدة التى عرضها هذا المؤلف).
وتوالت كتبه عن الرحلات فأصدر: (بلاد الله.. خلق الله، اليمن.. ذلك المجهول، أنت في اليابان وبلاد أخرى، مع أطيب تحياتي من موسكو، غريب في بلاد غريبة، أعجب الرحلات في التاريخ..).

ويبقى عموده الأشهر بين أعمدة الصحف المصرية والعربية (مواقف) الذي بدأه عام 1961م وحتى وفاته في عام 2011م، فهو كاتب المقال اليومي على مدى نصف قرن تقريبًا.

تلك بعض الكلمات عن العملاق أنيس منصور، ومازال لدي آلاف الكلمات والأحاديث والحوارات عن الفيلسوف الكبير، وهو يعني لي باختصار الفيلسوف الممتع صاحب العبارة الرشيقة، والمعنى الواضح والوصف الدقيق والأسلوب الرقيق.

وإذا كان أستاذته سقراط والعقاد يُوْلدون الأفكار، فأنيس منصور يُوْلد المعاني وينطق الكلمات رقة وعذوبة.. أُنهي كلماتي ببعض كلمات من رسالة الشاعر أحمد تيمور للفيلسوف الكبير:
والعصافير الرشيقة
أغنياتك أنت أنبت الشفاة
بكل غصن ‏في بلادي.

رحم الله الفيلسوف أنيس منصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!