مقالات

مقدمة ابن خلدون

✍ابتهال أشرف محمود

إذا أردنا رواية للمشهد التاريخي؛ فلن نجد أعظم مِن مَن اختطّ لأول مرة في تاريخ البشرية منهجًا علميًا عظيمًا لدراسة التاريخ، من هو برأيك؟

إننا نتحدث عن ابن خلدون يا سادة، ابن خلدون واحد من العباقرة العرب الذي لم نعرف نحن العرب قدره إلا بعد أن أشاد الغربيون به، العالم الذي اعتبره الغربيون من أعظم علماء فلسفة التاريخ، العالم الذي ظلت أعماله مهملة إلى أن ترجمها الغربيون في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

اسمه الكامل عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، وإنما لقب بابن خلدون ذاك لأن الجد الأعلى يسمى خالدًا، وكانوا يضيفون إلى اسمه الواو والنون ويحذفون الألف فاشتهر بخلدون وعرف ابناءه ببني خلدون، وتلك كانت عادة عدد كبير من العرب الذين أقاموا في الأندلس في ذاك الوقت، عربي حضرمي من قبيلة حضرموت باليمن، يطلق عليه لقب قاضي القضاة او المالكي وذلك إشارة إلى المنصب الذي تولاه في مصر ككبير قضاة المذهب المالكي، ومات في مصر ودفن فيها.

هو أول واضع لفلسفة التاريخ وأول مَن رسم للتاريخ منهجًا علميًا انتهج به الغرب، وكان وقوف الغربيين على تراث ابن خلدون اكتشافًا علميًا حقًا، فقد عثر الغرب من تراث المفكر المسلم بكثير من النظريات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية التي لم يطرقها البحث الغربي إلا بعد ابن خلدون بعصور، اكتشف النقد الغربي من تراث ابن خلدون كثيرًا مما ردّده ميكيافيللي وآدم سميث وأوجست كانت بعده بعدة قرون، فقد كان المعتقد أن البحث الغربي هو أول من اهتدى إلى فلسفة التاريخ ومبادئ الاجتماع وأصول الاقتصاد السياسي، فإذا بابنِ خلدون يسبقه بعصور ويغزو في مقدمته هذه الميادين.

لاقى ابن خلدون كما لاقى غيره من العباقرة الكثير من المتاعب والمشاق من منافسيه وحاسديه، لكنه كأي عبقري مؤمن برسالته كانت الشدائد لا تزيده إلا تصميمًا على مواصلة السير قدمًا في سبيل تحقيق هذه الرسالة، وهوجم ابن خلدون هجومًا شديدًا من بعض أدباء العرب في القرن العشرين، مثل: الدكتور طه حسين والدكتور عبد الرحمن البدوي وغيرهم، وللأسف اتهمه هؤلاء بالشعوبية وأنه كان متحاملًا على العرب في مقدمته التي كتبها! والواقع أن مثل تلك الأقوال تدعو إلى الأسف إذ أن من يقرا مؤلفات ابن خلدون يخرج مقتنعًا تمام الاقتناع باعتزازه بالدين الإسلامي وبرسوله عليه السلام، ولقد دافع في إيمان وقدرة عن كثير من الخلفاء العرب كهارون الرشيد والمامون وغيرهم، وكان عندما يلاقي من الحساد ما لقى يتمثل بأبيات الشعر لابن سينا:

عَتَبوا على فضلي وذمُّوا حِكمتي
واستوحشوا من نقصِهمْ بكمالي

وإذا الفتى عرفَ الرشادَ لنفسه
هانتْ عليه ملامةُ الجُهَّالِ

كان ابن خلدون أول عالم و وفيلسوف عربي ترجم حياته بقلمه، ويعتبر هذا العمل أول ترجمة ذاتية باللغة العربية، لقد تضمن ابن خلدون في مقدمته فيضًا زاخرًا من المعلومات سواء في الاقتصاديات أو الاجتماعيات أو الفلسفة أو الموسيقى أو غير ذلك من مختلف العلوم والفنون والآداب، لكن ما هي فلسفة التاريخ التي كان العلامة ابن خلدون أول روادها في الشرق والغرب على السواء؟

مِن رأي ابن خلدون أن كتابة التاريخ يجب ألا تكون مقصورة فحسب على ذكر الحوادث، بل التاريخ في رأيه هو إخبار عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما قد يعرض لطبيعة هذا العمران من أحوال وتطورات كالعصبيات والتوحش والتانس وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من وجود الدول أو زوالها وأضاف ابن خلدون إلى مفهومه عن كتابة التاريخ شيئًا مهمًا، هو أن هذه الكتابة يجب أن تشمل ما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعمران وغير ذلك مما يقتضيه كل عمران إنساني، ولم تكن كتابات ابن خلدون هوى بل يُفهَم منها أنه أطلع اطلاعًا وافيًا على كتب المؤرخين الذين سبقوه كالطبري، وابن حيان -الذي يلقبونه بمؤرخ الأندلس- وهذا بلا مرآء مما يقطع بسعة اطلاعه وعمق ثقافته وقدرته في نفس الوقت على التأليف والابتكار.

وكان ابن خلدون ينظر إلى أهمية التأليف التاريخي، ذاك أن التأليف التاريخي لم يكن في نظره مجرد سرد حوادث، بل لابد للمؤرخ من سبر أغوار تلك الحوادث وذكر مسبباتها، ونتائجها وما يحيط بها من ظروف وأحوال خاصة بطبيعة العمران وهو الهدف الأمثل لكل المجتمعات الإنسانية.

لقد تحدث ابن خلدون في مقدمته عن مضارِّ الاحتكار وعن الطب وعلاقة أنواع الطعام بالأمراض التي تصيب الإنسان، وأيضًا بالتطورات التي تطرأ على أخلاق بعض الناس، وطرقَ موضوعات كثيرة بالغة الطرافة وعظيمة الفائدة، وذكر ابن خلدون في مقدمته بعض الأمثلة الطريفة لوقائع مكذوبة -يبلغ بعضها حد الخرافات- ذكرها المؤرخون في كتبهم وناقشها فلم يجد لها أساسًا من الواقع أو من المنطق السليم.

وقد قال الفيلسوف الإنجليزي (توينبي) عن مقدمة ابن خلدون “إنها أعظم كتاب من نوعه يمكن لأي إنسان أن يؤلفه في أي زمان أو مكان”، حرى بنا نحنُ العرب أن نعرف أهميته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!