ابداعات

حب على حافة الموت

شريف جلال القصاص

انتظر طويلًا حتى يشعر بحبه، لم ييأس من الحصول يومًا ما على حفنةٕ من حنانه بأي ثمن، تمنى أن يصرخ مثل طفل شقي يطالبه بحقه أن يبيت في قلبه الفسيح ولو لليلةٕ واحدة، صلى ألف مرةٕ يستسقي عطفه يرتوي به بعد طول الظمأ، يستمطر من غيث مشاعره فيغتسل به من دَرٓن الحزن المتراكم في قاع روحه.

كانت أسعد أوقات (كمال) حين يمرض حتى يشعر بحنان والده السيد (عمران)، بل ربما إحتال على أسباب المرض كلما تأخر عليه ليمرض، كي يستمتع بسؤاله واطمئنانه على صحته، إذ أن سقمه كان الاستثناء الوحيد في علاقته بأبيه.

تمنى(كمال) لو أحتضر بين يدي والده ليموت في حضرته ويصلي عليه فيشفع له عند ربه ويدعو له بالمغفرة، فلا جرم سيقبل الله دعاء أب ادخر كل عطفه وحبه لولده- بكاءً وصبابة ورِقةً- ضٌن بها عليه طوال عمره.

لم يحزنه قسوة والده عليه بقدر كمده بأنه بينما يبخل عليه بدرهمٍ من المشاعر، كان يسرف بدنانير حبه على شقيقته الكبرى (سلوى).

لم يحمل لأخته يومًا أي بغض أو حسد، فما ذنبها في أن مليء حبها جوارح والدها وليس قلبه فقط؛ فهو يحبها من كل عينيه فلا يرى غيرها، وبكل عقله فلا يفكر إلا فيها، وبكلتا يديه التي تهديها وتمنحها وحدها كل شيء دون حساب.

قدّم العذر لأبيه في بعض الأحيان- على قسوته وغلظته في تعامله معه- فكان يقوم بجلد ذاته يقول لها: (لاريب هو ما يفعل ذلك إلا ليحسن تربيتي) لاسيما وأنه فيه من العيوب ما يحتاج التقويم ولو ببعض القسوة.

لكن الندبات التي تسكن جسده كانت تبتسم له في خبث وتذكّره بكل عقاب ناله-على أدنى هفوة أو لمم-والذي كان أشد من القصاص.
الحروق الأثرية المختفية في جسمانه- ذلك التابوت الموصد بلعنة الكآبة الأبدية- تقسم عليه أن يسأل والده:
متى يتصدق عليه بابتسامة رضا حتى تسكن روحه وتقلع عن فكرة الرحيل عنه؟
متى تلمس أنامله جروح فؤاده ليشفى بدل أن يظل قلبه يختلس من دمه كؤوس خمر تُسكره وتُنسيه هجر أبيه له وانشغاله عنه؟

استمر (كمال)ينوح ويبكي طوال طفولته وشبابه، يكتب رثاء ذاته على صفحات ضميره سرًا حتى لا يطّلع عليها أحد؛ فيعيره بقسوة أبيه عليه، بينما يسعد كل الأبناء بآبائهم، تمنى لو يملك شجاعة وأد نفسه طالما أن أباه ضل حتى طريق الجاهلية وفضل أخته عليه بدل وأدها ولو معنويًا، وكأنه أراد أن يعوض فيها كل ظلم الجاهلية للمرأة.

لم يكن عنصريًا أو ذكوريًا بطبيعة الحال بل ما كان ليقبل خدش صغير في شقيقته، خاصة وهي وحدها التي كانت تشفق عليه بل وتتنازل له عن بعض عطايا والدها له، لم يكن غيرها من ينقب عن أدنى ميزة في ذاته لتمدحه عليها، وحدها من كان يسمع نكاته السخيفة فترتج ضاحكة لتبث فيه سعادة لو بخداعه، لطالما كانت تواسيه وتمسح دموعه بابتسامتها الرقراقة.
ظلت ترقع ثقوب الأمل المهترئ داخله بعشرات أثواب التفاؤل التي تملكها، تُطهر رجس سوء ظنه في أبيه ببحار من التبريرات.

تزوج (كمال) من (نجوى) فتاة تملك من المشاعر ما تفيض به على من حولها وتنفق منها بغير حساب، روت قلب زوجها حبًا لم يكن يستقر في تلك الصحراء القاحلة غير لحظات، منحته ألف فرصة حتى يبادلها عشقًا بعشق لكن أنّ لمثله مصمت الإحساس أن يرد الأمانات إلى أهلها، أنجبت له طفله (تامر) الذي أحبه لكنه ورث عن والده السيد (عمران) إخفاء ذلك الحب، عاتبته (نجوى)كثيرًا؛ حتى لا يكرر ما فُعل به فيظلم ولده كما ظلمه والده، لكنه دومًا ماكان يفشل رغمًا عنه في إسعاد صغيره وإظهار مودته له، فكرت أن تتركه لكنها اشفقت على الأبن وأبيه.

ذات يوم اتصلت (سلوى) شقيقة (كمال) عبر الهاتف تخبره بمرض والدهما بفيروس (كورونا الجديد) أسرع مثل من أصابه مس، لم يتصور أنه يحبه كل هذا الحب، صرخ حتى كاد يُسمع له قهقهة، شعر أنه يسقط من قبة السماء ليهوي في جُبّ سحيق.

ترك (كمال) زوجته وولده وأسرع إلى بيت أبيه، شَخصت أمامه ذكريات حاولت أن تقف أمام لهفته على والده لكن هيهات؛ يبدو أن حبه لأبيه فطريًا وليس مقايضة؛ سواء قدم له أو حرمه سيظل يتغذى على حبه لأبيه.

لازم والده ولم يحترز من انتقال المرض إليه، نام في حجرته بل جواره في نفس السرير، كاد أن يعطيه واحدة من رئتيه يتنفس بها، شعر أبيه بالندم على إهمال ذاك الابن البار، ابتسم له، فاض عليه من حبه، أراد أن يعوضه عن كل ما مضى، كانت شقيقته تمر كل يوم تطمئن عليهما فتشعر بالرضا؛ بسبب سعادة أخيها ثم ترحل سريعًا حتى لا تشاركه في حب ابيه الذي طالما حرم منه.

تمنى(كمال) لو طال عمر والده؛ ، ولو دفع ذلك من حياته، طالبه (عمران) أن لا يكرر خطئه مع ابنه واستجاب(كمال) كان يعود لبيته كل يوم يطمئن على زوجته وولده، اندفعت من شرايين فؤاده مشاعر ماكان يعرف أنه يمتلكها، فقد تلقى من والده شحنة من الحب أعادت لمشاعره وإنسانيته الحياة بعد الموت، استعادت معها (سلوى) مشاعر الهيام بزوجها، واستعاد (تامر) شعوره بحب أبيه له.

مرت ثلاثة أشهر هي الأجمل في حياتهم جميعًا بل بالأحرى هي حياتهم، فما فاتهم من عمر لم يعيشوه.

في اليوم الموعود كان صوت القرآن يسمع من منزل عمران، الرجال والنساء يملؤون حجرات البيت الخالية إلا من مقاعد تستقبل المعزين.

انتهت مراسم العزاء وخلا البيت من الابن وأبيه، ولو كان لتلك (الكرونا) من حسنات فهي أنها عالجت علة (كمال) ومهدت له في قلب أبيه موطأ طالما كان يحلم به.
بكت نجوى على فقد زوجها الذى لم تنعم معه إلا مدة بالكاد تكفي أن تكون شهر العسل، لكنها كانت كافية أن تترك حزن كبير على فقده.

شعر (تامر) بمرارة فقد أب عرفه فقط منذ أيام وكأنه قد ولد له أب ثم مات.

أما (سلوى) بطلة تلك المأساة فقد ودعت الجميع ثم شعرت بغصة تعتصر قلبها فما أصعب فقد الأب والأخ! أحست أن القريب والبعيد رحلوا إلى قبورهم وليس بيوتهم فلا فرق عندها فما جدوى بقاء العالم بعدهما.

شعرت أن القيامة قد قامت عليها وحدها، لكنها ابتسمت حين تذكرت أن سيكون أحدهما أنيس الآخر في قبره، لاسيما (كمال) الذي استولى في ثلاثة أشهر على الحب الذي حاذته طوال عمرها من أبيها ثم ورث المزيد جزاء صبره، ظلت تردد في روحها هنيئا لك أخي عوضك الله عن كل مافاتك حبًا سوف ينبت في قلبك الخصب حتى بعد توقفه عن النبض، فلا بأس من الموت مادام سيجمع بيننا وبين من نحب، فذاك الموت أفضل من الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!