ابداعات

أحبها تلك البلاد حتى في خرابنا الأخير…

نور كمور

طفل تائه في متاهات الزمان يدور حوله باحثًا عن الحياة وضباب كثيف يحجب رؤياه، طائر صغير كسير الجناح أضناه التعب، كل همه النجاة من هذا الضياع، الخراب الذي كتب له أَن يسرق أجمل اللحظات منه، يحلم بالتحليق علّه يحصل على الحياة.

غالبًا ما وُصف بالأناني، المتخاذل، قليل الصبر، كلمات تخرج من أفواه عاشت ما عاشه هذا القلب الفتى بقلب أشيب نسى كيف على الفتى أن يعيش صباه، أوهموه أنَّ الخطأ فيه، في أفكاره، أُسلوبه ومعتقداته، في أحلامه وطموحاته، وكأنَّ الحلم بات جرمًا لا يغتفر.

الخطأ ليس فيه؛ بل في وجوده في الأماكن الخاطئة حتى صَعُب عليه الرحيل، أن توجد في الأماكن الأكثر اضطرابًا والأقل فهمًا لك فكرهتها حتى سيطر وِسواس الرحيل القَهري عليك؛ فبات الهروب والنجاة بباقايا أحلامك همك الوحيد.

السماء، الأرض، العثرات يتبعها السقوط، كل شيء نفسه لَم يتغير، لكن بليلة مختلفة، هذه الحياة التي يعيش، بحر من الأوهام والمعتقدات الخاطئة التي تغرقه في اليأس والمستحيل، تلك مخلّفات الخراب التي طالت الأرض وقلوب صغيرة تحلم فوقها.

لحظة واحدة، لحظة واحدة بعيدًا عن هذا الخراب، بنظرة خاطفة استرقتها عيناه أسفل جناحيه لتلك الأرض التي خلق من ترابها كانت كفيلة بقلب موازي قلبه، تذكر فيها الصباحات المبهجة لأَيام خريفية مليئة بأصوات السنونو الصاخبة، أطلال لأماكن حفرت فيها الحكايات ما بين حجر وآخر.

سيره بين ركام الذكريات في أزقة ألفتها الروح قبل أَن تألفها العين، أَطياف أَحبّة زالوا ومازالت تحوم في المكان، نسمات محببة أثارت أوراق ذكرياته المتساقطة جعلت من هذا الطائر الصغير يتنهد ليعترف في قرارة نفسه، أحبها تلك البلاد حتى في خرابنا الأخير.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!