قصص

“الإدمان”

الشيماء أحمد

الإدمان قضية رأي عام، ليس شرطًا أن يكون المدمن دائمًا هو المخطئ، بل هناك أحاديث وراء الستار، تكشف لنا عن من حاول إيذاء شخص، وحدوث اضطرابات عقلية معه، قد أدت إلى اختلال في التوازن، فقدان للشهية، محاولات قتل، كل هذا كان وراءه سبب، فليس المدمن من بدأ بنفسه في تعاطي ما يوصّله لهذه الحالة المزرية، فوراء كل حقيقة، حقائق أخرى، ووراء كل جريمة خطة وترتيب مُحكم، ووراء الإدمان أشياء لا تخطر على عقولنا، كمثال بسيط، صديق أو شخص مقرب أو زميل، تجد الطعنة منهم، وهم أول من حاولوا إيذائك بالتعاطي، وعندما يتمكنوا من ذلك، يتركوك كأنك غصنٌ في صحراء جرداء، فهل ستقلع أم ستموت؟
الإدمان ليس إلا قتلٌ بالبطيء، موت الجسد وإبقاء الروح.

وإليكم قصة عن الإدمان، ولكن بنوع مختلف، فتعالَ معي أيها القارئ.

كُنا في جولة إلى مستشفى في منطقة فيصل لتعافي المدمنين من المخدرات، فوجدتُ مُدمنًا غريب الأطوار، بدأت في مراقبته، وجدتُ شيئًا غريبًا صمته القاتل، الذي كاد يقتلني أنا، باقي المدمنين يتكلمون ويتحاورون، أما هو فلا كلمة ينطقها البتة، ذهبتُ إليه وقلت له، مرحبًا كيف حالك؟
أنا مُعاذ، فنظر إليّ ولم ينطق، فرددت سؤالي، كيف حالك؟
فلم يجب.
شعرتُ بأنني غير محبب بوجودي، ولكن أريده أن يتكلم، فقمتُ بالمزاح معه، هيا هل أجلب لك عروسة؟
فقال لي، ماذا تريد مني؟
فقلت، تكلم إذًا.
قال: كنت أعشق المزاح، اللعب، كنت عاشقًا لكل شيء، أمي دائمًا كانت خير دعم لي، أبي هو القلبُ بذاته، أما أختي فكانت بُنيتي، كنت شابًا طائشًا، كثير الخروج والترف، في يوم الحادي والعشرين من شهر مايو لعام 2009 تعرفت على مالك، كنا نخرج سويًا نشرب، ونسكر، ولكن لم يكن لي في الزواج، فكنت أهوى العلاقات الغرامية المؤقتة. وجدتُ فتاة تُدعى نانسي، اخترق نظري جسدها، وميولها، أعجبتني، فقمتُ بالتحدث إليها، فأشارت بيدها أنها لا تودني، فانزعجتُ كثيرًا، وقلت لها مال سأعطيك، وسأجعلك غنية، ليلة واحدة فقط، لم تجبني، وقلت لمالك، فقال لي إياك ونانسي فهي تخصني، فانزعجتُ أكثر.

إنها تعجبني، عذرًا نسيت أن أذكر لكَ أننا أغنياء جدًا ومنعمون في القصور، بينما مالك كان ميسور الحال، ولكن ليس مثل ثرائي، المهم الآن، بدأ مالك يشعر باهتمامي بنانسي وينزعج، ويتذمر معي على كل شيء، كنا سنضرب بعضنا بسببها، وفي يوم عرض علىّ قرصي حشيش، رفضت ولكن لأنسى أخذتهم، ويا ليتني لم آخذهما، لقد كانا بداية انعدامي، انعدام قلبي، انعدام عقلي، انعدام جسدي، لقد طعنت أمي بطنعة برقبتها حتى أخذ منها نقود لشراء الحشيش، وسحلت أختي حتى تعطيني ذهبها لبيعه ثم الشرب والسكر، أقمت الكثير من العلاقات المحرمة، كل هذا كان سببه مالك ليجعلني أتدمر، كان أعز رفيق، الآن أصبح هو من وضع السمّ في كأسي، بل في حياتي، ندمت على ما فعلت، وفي ليلة لم أشعر بنفسي إلا وأنا ممسك بسكين لأقتل نانسي؛ فهي تستحق الرجم، هي السبب، ولكن قد تم إبلاغ الشرطة، وبدلًا من أن أصبح سجينًا في قسم الجرائم، أصبحت سجينًا في مصحة للعلاج من الإدمان، أصبحت بلا هوية ولا اسم، أصبحت المدمن.

تلاشى كل شيء بحياتي، أمي وأبي وأختي، أدمنت القسوة بعد الحب، توارى الناس عني وجافاني كل أصحابي، جاءت الطعنة من القريب، ولم تأتِ من العدو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!