قصص

طعم النجاح

بقلم: ابتهال أشرف محمود

قصة كفاح كالعديد من القصص لكن..

فركتْ يداها بتوتر وهي تنظر إلى الساعة المعُلقة على الحائط تشير عقاربها إلى حوالي الثانية ظهرًا إلا دقائق.

ومع كل حركة من عقرب الدقائق تزداد نبضات قلبها؛ خوفًا من مجهول.

تجلس على أحد المقاعد بمحطة القطار، ضامّة حقيبتها إلى صدرها تحتمي بها من لا شيء.

لقد فقدت أحد معاني الأمان مع وفاة والدها منذ ثلاثة أيام.

مات بإحدى حوادث الطرق أثناء عمله كعامل نظافة يدبر قوت يومه.

تركها بلا مال في تلك الدنيا تقتاد منه، فانطلقت تبحث عن عمل؛ تستغني به عن العُوز، واثقة بتدبر الله أمرها.

وها هي بعد أن كانت وحيدة لا مؤنس لها ولا قريب؛ جاءها عمل كمُعلمة علوم شرعية في إحدى القرى المجاورة.

حمدت الله كثيرًا؛ لطالما أحبت الأطفال وها قد جاءها فرصة أن تصل إليهم رسالة طلب العلم.

أعلنت الساعة الثانية تمامًا وانطلق صوت صفارة القطار منتشلة إياها من ذكراها، فحزمت حقائبها متجهة إلى مقعدها في القطار.

كانت تعلم أن ما هي مقبلة عليه ليس بالأمر اليسير؛ فمهنة التدريس رسالة، وعليها أن تحسن حملها.

ورغم علمها بأن المرتب مقابل الجهد المبذول مُضنيًا؛ إلا أنها لوضوح هدفها عزمتْ على المسير؛ يكفيها تلك النظرة المتلهفة العاطشة للعلم في عين الأطفال وهم يتعلمون شيئًا عن دينهم.


مع وصول القطار إلى وجهته لاحت آفاق القرية من بعيد، دعت الله أن يوفقها في خُطُواتها القادمة في تدريس العلوم الشرعية؛ فقد تحملت مسؤولية صنع مشروع بناء طفل قويم يصنع أُمّة.

وصلت (هاجر) إلى تلك القرية من قرى الريف بمحافظة كفر الشيخ ووقفت أمام مدرسة “….” للفتيات فقط؛ لتسجيل اسمها ضمن قائمة المدرسين مع بداية العام الدراسي.

دقت غرفة مكتب المديرة فأذنت لها قائلة: تفضل بالدخول.


أطلقت زفيرًا قويًا تخرج معه توترها ودلفت قائلة: السلام عليكِ حضرة المديرة، أنا هاجر يونس، معلمة الشرعي، جديدة هُنا.

تفحصتها الناظرة بنظرة شمولية ثم قالت بهدوء: اجلسي.


جلست هاجر على المقعد المشار إليه وهي تفرك يدها بتوتر بات جليًا؛ فهذه أول مقابلة عمل تجريها.

قالت المديرة وهي تتفحص أوراقها: ما مؤهلاتك؟ وهل سبق لكِ التدريس؟


أجابتها هاجر باسمة قائلة: لقد تخرجت قبل خمسة أعوام في كلية أصول دين، لا، لم أعمل قبلًا، هذه أول مرة.


بادلتها المديرة ابتسامة فيها قليل من الاشفاق قائلة: إذًا ليس لديك فكرة عن مرتبات وأجور المعلمين هنا؟


تنحنحت هاجر قائلة: ليس المهم الكم من المرتب المهم المستقبل، أن أفيد الطلاب ويفهموا دينهم بطريقة مبسطة.

حسبتها المديرة تزين كلامها شأن غيرها ممن مروا عليها وعندما أخبرتهم بالمرتب المقابل لوظيفتهم سرعان ما تبدلت غايتهم، فقالت بشيء من النفور: لنكن صرحاء قليلًا هاجر.


تعجبت هاجر لنفورها على ذاك النحو فقالت بشيء من الحذر: نعم.


تنهدت المديرة بملل قائلة: الحضور ستة أيام أسبوعيًا من السبت إلى الخميس، من الساعة السابعة والنصف صباحًا إلى الثانية والنصف ظهرًا، تأخرك إلى ما بعد الثامنة يعرضك للجزية نصف يوم، لا إجازات مرضية قبل اتمامك والتزامك ثلاثة أشهر وأخيرًا.. سكتت قليلًا لتتابع ردة فعلها فوجدتها ساكنة هادئة، فتابعت: مرتبك مقابل ما ذكرت هو …..جنيه.


بعكس ما توقعت المديرة تمامًا، ازدادت ابتسامة هاجر اتساعًا قائلة: حسنًا، متى سنبدأ إن شاء الله؟


بادلتها المديرة نظرة متعجبة لكن نفضت عن خاطرها الأمر قائلة: قبل أسبوع من بدء الدراسة يأتي المعلمون للتأكد من إشراف كل شيء وسيره بنظام يضمن الاستمرارية.


هزت هاجر رأسها إيجابًا واستأذنت بالذهاب فهي تحتاج للراحة نتيجة السفر كذا مازالت ستبحث عن شقة بايجار مناسب، قبل مغادرتها نادتها المديرة قائلة: هاجر.


التفتت لها هاجر بنفس الابتسامة الهادئة فتابعت المديرة: سيجرى لكِ اختبار بسيط من قبل مشرف القسم الشرعي أستاذ عامر، خصوصًا أنكِ ليس لديكِ الخبرة.


قالت لها هاجر بحرج من جملتها الأخيرة: نعم هذا حقكم لتقديم المستوى المطلوب من الكفاءة للطلاب.


لا تعرف ما سر تلك النظرة المشفقة التي تراها بعين المديرة إلا أنه سرعان ما سألت: متى الاختبار وكيف سيكون؟

أجابتها المديرة وهي تنفض رأسها من ذهولها بما ترى من البراءة على تلك الصغيرة فلا تعرف كيف يسير النظام وكمية الجهد المطلوب منها كمعلمة، إضافة إلى شغب الأطفال ومشاكستهم الدائمة.

كفاح دائم يعيشه كل مُعلم، لطالما كان المُعلم هو اللبنة الأولى في بناء الطبيب والمهندس والمحامي والمترجم والتاجر وكل شخص ناجح وراءه اثنان: أم، ومُعلم، وكأنها تذكرت سؤالها فأجابت: تعالي في الغد، ستجرى لكِ المقابلة في التاسعة.

تم قبولها في المدرسة، ونالت حُب جميع الطلاب حتّى أن كثير من أولياء الأمور قاموا بجمع التبرعات لتحسين وسائل التعليم في المدرسة، ولم يلبث الوقت الكثير حتى كان قد ترك لها على جدران المدرسة وفي قلوب الطلاب بصمته.
……
بعد عامين.
استيقظت مبكرًا كعادتها ونظرت إلى الساعة بتفاؤل قائلة: ها قد بدأ يوم جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!