خواطر

ذكريات مفقودة

✍️هاجر بلعربي

فتحت عينيَّ ببطء أحاول تبين ما يحيط بي، ولكنني لم أجد غير الظلام، كنت مقيدة بسلاسل لا أدري أين مصدرها؛ فأطرافها تتلاشى في الظلام، حاولت التحرر منها بكل ما أملك من طاقة ودموعي تنساب، نظرت في كل اتجاه؛ لعلِّي أجد مخرجًا أو بقعة ضوء، ولكنَّي لم أجد، حنيت رأسي معلنةً استسلامي، لأسمع همسات قريبة فجأة، جعلت اشتداد السلاسل حول جسدي وقلبي يزداد.

اختنقت، ولم أجد ذرة هواء تنعش رئتاي، كانت أصواتهم الناطقة بكلمات عشوائية تهز السلاسل الممسكة بي بقوة، ليتزامن هذا الاهتزاز مع ارتداد جسدي ذهابًا و إيابًا، كسرت كلماتهم السلاسل، وحالما سقط جسدي أرضًا سمعته، لقد كان صوت انكسار قلبي.

مشيت بتثاقل أحاول إيجاد أي ضوء، أي نور، أي أمل، ليتحول الظلام حولي فجاة وأجد نفسي داخل الحمام، أنا أرى نفسي القديمة، طفلة في الثالثة عشر تجلس وحيدة بدموع مستسلمة، تحمل أداة حادة في يدها ناظرةً إلى معصم يدها الثانية بشرود مخيف، صرخت في وجهها كي تتوقف، أخبرتها أنها لا يجب أن تنتحر، ولكن هالة الألم المحيطة بها حجبت صوتي عنها، ركضت خارجًا أبحث عنهم، كانت أمي تشاهد التلفاز بينما أحاول الموت، كان أبي يرتشف قهوته بهدوء بينما يتصارع قلبي مع عقلي هناك، كان مازن يكلم صديقه ضاحكًا حتى أنه لم يعرف أين أنا.

عدت إلى نفسي أطمئن عليها، كانت تقف في هدوء ترتدي ثيابها، كانت الأرضية مدماة بشكل يبعث على اليأس، كانت يدها تحمل جرحًا لا يزال يقطر دمًا، أخذت تسكب الماء على جرحها حتى اختفى الدم، لتخرج نحو الخزانة وتسحب قطنًا وضمادةً، وتعود أدراجها لتقفل الباب مجددًا، غسلت جرحها الذي نزف مجددًا وجففت بقايا الماء والدم بقطع من القطن، لتضع الضمادة بإحكام وتخرج للنوم، قبل نومها سألت ما بال يدها لترد أنها وقعت.

انتهى الحوار دون أدنى اهتمام، لأختفي من أمام ناظري ويظهر الظلام مرة أخرى، ركضت هذه المرة حتى استوقفني صوت قطتي الصغيرة، كنت أظنها ماتت!

استدرت لأجد أمامي باب السطح الذي اعتادت أن تقف خلفه، فتحته لأراها تنام في الطرف الآخر، لقد رأيت هذا المشهد من قبل، لقد ماتت قطتي، صرخت من أعماقي، كادَت أن تُتلف أحبالي الصوتية وأنا أنادي على أي شخص يمد لي يد العون، فتحت عيني ببطءٍ لأجد عينيه الزرقاء قلقة عليّ، لامس يدي بدفءٍ جعلني أرغب في نوم طويل بلا كوابيس، احتضنها برفق ليغمض جفنيَّ بلا قدرة مني على المقاومة، تمنيت زوال تأثير المخدر الآن؛ حتى أرى ابتسامته على الأقل، لكنني نمت مجددًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!