الفن نيوز

هنا بلا أنا “أمل دنقل”

هاجر عبد السلام

المعلق على مشانق الصباح وجبهته بالموت محنية لأنه لم يحييها حية، قلبه معروض في سوق الرياء جائع حتى العمياء، ولا يعلم ما الذي يأكله كي لا يموت، المصفوفة حقائبه على رفوف الذاكرة، دائم الخوف من أن يكتشف الآخرون كم هو رقيق فيدهسوه، الذي يدق بابًا بعد باب، خطوته تنهيدة وأعينه ضباب، الذي لا يعلم كيف يبتسم عندما ينغرس الخنجر في صدر المرح ويجد الموت كالقنفذ في ظل الجدار، أكتب عنك؛ لأخبرك أنه حتى الآن كل شيء يفر لا الماء تمسكه اليد ولا الحلم يبقى على شرفات العيون.

أمل دنقل الشاعر المصري الذي ولد في قرية قفط التي تقع بمحافظة قنا جنوب الصعيد في عام ١٩٤٠  وقد كان والده عالمًا من علماء الأزهر الشريف مما أثر في تكوين شخصيته وفي قصائده، حيث كان والده يمتلك نخبة من كتب الأدب والتراث العربي، رحل أمل دنقل إلى القاهرة بعد المرحلة الثانوية؛ ليلتحق بكلية الآداب وكان هذا الانتقال مفجعًا بالنسبة له؛ من حياة في صعيد مصر إلى انفتاح القاهرة التغيير وصدمة الواقع هناك كان له أثرًا عليه بعض الشيء وكان يترك الدراسة ويعود إلى العمل بمحافظة قنا، وتزوج من عبلة الرويني الصحفية المصرية.

ورث أمل دنقل الشعر عن والده الذي توفى وهو في سن العاشرة من عمره، مما جعل هناك مسحة من الحزن يجدها الجميع بين قصائده، فقدٌ في هذا السن يبتر للمرء سعادته وخاصة أنه كان مرتبطًا بأبيه لأقصى درجة؛ فكان يكتب قصائده من جوف الألم، أقول دائمًا أن الجميع يستطيع أن يكتب لكن أن تقرأ لشخص فتشعر كما لو أن أحرفه تتحدث وتتوغل داخلك لتصل لأعمق مكانًا في قلبك هذا الذي لا يتكرر كما لا يتكرر أمل دنقل.

في الخمسينات خالف أمل دنقل معظم المدارس واستوحى قصائده من رموز التراث العربي كما عاصر أحلام العروبة والثروة وكان للنكسة ١٩٦٧ صدمة كبيرة عليه وذكر ذلك في البكاء بين يدي زرقاء اليمامة و تعليق على ما حدث.

كنت أتساءل لماذا يفني المرء عمره بلا هوادة حتى وجدت أمل دنقل يقول ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة ليمر النور للأجيال مرة.

أقول إن لا شيء يضاهي حجم هشاشة الإنسان حينما يتعرض لفقد أحد من أحبائه ويقول هو “أنكِ لا تدرين معنى أن يمشي الإنسان ويمشي بحثًا عن إنسان آخر حتى تتآكل في قدميه الأرض ويزوي من شفتيه القول”

آه يا أمل الصمت يطلق ضحكته الساخرة كما كتبت ونحن لا نعرف كيف نقصي أنفسنا عن النار وفي صدرنا الرغبة في الاحتراق ونشتاق أيضًا مثلك أن نرجع يومًا للشمس لكن العمر أقصر من طموحنا والأسى قتل الغدا.

لم أجد وصفًا للحنين أدق مما قاله “أحس حيال عينيكِ بشيء داخلي يبكي، وما نحن ملتقيان رغم توحد الأمل النبيل”

ظل أمل دنقل يصارع المرض لمدة تقارب الأربع سنوات ولم يوقفه المرض عن كتابة الشعر حتى قيل عنه “إنه صراع بين متكافئين الموت والشعر”
أهم أعماله: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، تعليق على ما حدث، مقتل القمر، العهد الآتي، أقوال جديدة عن حرب بسوس، وأوراق الغرقة ٨ والجدير بالذكر أنها كانت رقم غرفته في معهد الأورام السرطانية.

كانت آخر لحظاته برفقة صديقه عبد الرحمن الأبنودي ود. جابر عصفور توفى في ٢١/٥/١٩٨٣ عن عمر ناهز ثلاثة وأربعين، وكانت آخر قصيدة كتبها “الجنوبي” في مجموعة أوراق الغرفة كأنه بذلك أراد أن يختم مسيرته بكل الامتنان إلى بلده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!