قصص

رانَ القلوب

✍️ ابتهال أشرف محمود

جلس خمسةٌ من الأشخاص على بساط ناعمٍ في تلك الغرفة الخاصة في قصر الخليفة، كان هؤلاء مستشارين الخليفة، وكان من بينهم شيخٌ ذو لحيةٍ بيضاء يرتدي حُلّة بنفس اللون، إنه أبو الحسن، كان أكثرهم حكمةً، ومقربةً من الخليفة، أما باقي الأربعة فكانوا يتودون لكسب رضا الخليفة غير أنّ لا أحد منهم استطاع أخذ مكانة أبي الحسن عند الخليفة، حتى أنهم يتعمدون سؤاله أسئلة تعجيزية لبيان عجزه وجهله؛ فيجدون منه الإجابة الكافية، وذات يوم، تجمع الأربعة في بيت أحدهم ليدبروا له مكيدة…

عثمان بسخرية: إذًا، هل سنقف صامتين عاجزين ونتركه يتفوق علينا ويزداد الخليفة له حُبًا؟

وافقه زكريا قائلًا: ويومًا خلف الآخر سنجد الخليفة استبعدنا من المجلس

قال ثالثٌ معهم: علينا أن نسرع في وضع خُطة للكيد به وتخليص أنفسنا منه

اقترح الرابع قائلًا بدهاء: وجدتها، ما رأيكم…. وسرعان ما علت وجوه الأربعة ابتسامة مكر.

في قصر الخليفة..

علا صوت الخليفة قائلًا باستنكار: أحقًا ما تقول يا عثمان؟!

عثمان بأسى: نعم حضرة الخليفة لقد سمعته بأذني هذه أُقسم، حتى سل زكريا

زكريا بثبات: أجل سيدي، كُنتُ أنا وعثمان مارِّين بجانب بيت أبي الحسن فإذ بنا نسمع دون قصدٍ صوته وهو يقول لامرأته أن الخليفة لا يُمكنه أبدًا الاستغناء عنه، وأنه مَنْ يرشدك دومًا لحسن القرار؛ فهو أحق بالملك منك.

عقد الخليفة حاجبيه وقال غاضبًا: ائتوني به

أسرع عثمان يقول بخبث: لكنك يا سيدي إن جئت به الآن أنكر علينا ما قلناه ليستر ما اقترفت يداه

فكر الخليفة قليلًا ثم سأله: إذًا ماذا تقترح؟

عثمان: اقترحُ يا سيدي والقرار في النهاية لك، فإنك ما اتخذت قرارًا إلا وكان صائبًا، وما نحن إلا طوعًا لك.

أعجب الخليفة لثناءه فقال: عليّ به.

تكلم زكريا تلك المرة ليقول بمكر: سنرسله إلى بادية قاحلة ونوهمه أنك استبعدته من الاستشارة، ولنرى ما يصنع، إن استمسك بمنصبه كمستشارًا لك وثار ثورته لأنك ستستبعده إذًا هو نافق في صدقه مع مولاي فيستحق القتل، وإن كان عكس ذلك وإني أقسم أنه لن يكون، فليأمر مولاي بما يراه صائبًا.

أمر الخليفة حارسه قائلًا: نفذوا الأمر.

جاء أبو الحسن إلى مجلس الخليفة قائلًا: أخبروني باستدعائك لي مولاي، فهل لك من حاجة أقضيها

سأله الخليفة قائلـًا: أيا أبا الحسن، لو كنت مخبرك أني مستبعدك من مجلسي هذا ما كُنت لتقول

ردّ أبو الحسن قائلًا: ما عاهدتُ مولاي أبدًا ظالمًا وما أردتُ الدنيا بمناصبها غير أني أخشى أن أكون تاركًا إياك بين قضبان النفاق فتغدرك وأنت لا تراها

صاح الخليفة قائلًا: ألك مقصد من قولك هذا؟! أتراني مُغفلًا، لأمرتُ فقطعتُ عنقك

قال أبو الحسن: إني لأعلم ما بلغ بصاحبيّ من حقدٍ غير أني أثقُ أن الله لن يضرني كيف ورسوله القائل: “وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك”

قال الخليفة متعجبًا: أراك تقول ولا تأبى

فأجابه أبو الحسن: ما أراهم إلا يكذبون وأنا على حق، فصدّقتُ الحق ليكون لي سندًا

قال الخليفة: وما دليلك؟

قال أبو الحسن: ليدعوهم مولاي ويسألهم فإن احتالوا فقد وقعوا في حفرتهم.

جمع الخليفة الأربعة وسأل كل واحد على حدى أن يسافر للبادية ويترك منصبه في قصره فرأى ردة فعلهم مستنكرة لاستبعاده إياهم من منصبهم، وفي نبرتهم الحقد على قوله، فاتضح له مكرهم وأمر بقطع رقاب نفاقهم، ولم يبق من المستشارين الخمسة إلا من دعم الحق وثبت عليه، أما الباقي فوقعوا في شرِّ أعمالهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!