خواطر

مؤسف أن يتمنى الإنسان حقه

هاجر متولي

أشعر بكسل الروح، ذلك الكسل الذي يجعل القيام بأي شيء أمرًا تافهًا لا قيمة له، أمرًا صعبًا مهما كان بسيطًا، الشعور الذي يجعلك تتكور في سكون غريب، وكأن الكلمات فقدت تأثيرها ونغمها وقيمتها.

وكأن شعورنا ببعض الأشياء قد تلاشى، وتصبح أجسادنا خاوية من الروح، مما يعيد لها توازنها وكيانها وهدوئها، فما تبقى فيها إلا هيكل جسد، ولم يبقى بها شيء حي، ويراودنا تساؤل هل علينا أن نشرع دفن أجسادنا إكرامًا لها، ولكن أيعقل أن نشرع مراسم دفن لما هو في الأصل بميت؟

ولكن سرعان ما يتغير هذا، وتجد ذاتك قد هدأت من لحظة وضحاها، بعد أَنّ كنتَ في قمة ثورتك ويأَسك وغضبك فجأةً هدأت! وكأن إمتلأ قلبك بالسلام؛ فأفعمت روحك بالسرور، ولا تفسير لهذت التغيير المفاجئ إلا رحمة الله.

وتعلم أن كل ما أنت بحاجة له هو القدرة على تحمل الأشياء بهدوء، فمع الوقت ستدرك أن ما كنتَ تقاتل من أجله لا قيمة له، وأن من الأولى أن تكون نفسك، وليس وجهًا مصطنعًا لتكون محل إعجاب للآخرين

وربما من الأولى أن نستعين بما يفعله الأطباء في زمننا هذا، وهو أن نحاول أن نجد ما يشعر روحنا بالحياة، ما يعيد النبض لها، وما يجعل أرواحنا تستريح بعد التعب هذا، وسنظل نبحث عما يعيد لنا ما فقدته أرواحنا؛ آملين أن يكتب لنا النجاة.

فمن المؤسف أن تحيا أجسادنا بلا روح، من المؤسف أن يتمنى الإنسان حقه، مؤسف حقًا أن نخفي دموعنا عندما نفرح حتى لا ينزعج غيرنا، وألا نخفيها عندما نتألم، وأن نعطي لأنفسنا الحق بأن يشمت الشامتين بنا.

مؤسف أن تجعلنا الحياة نهرم ونحن في ربيع عمرنا، وأن تأخذ الحياة منا ما نحتاجه وتعطينا البديل، وأن يتوجع أبناؤنا ونحن نستهين، وأن نصرخ لحائط أبكم ولا نجد البديل، مؤسف أن نمتلك ما ليس حقٍ لنا، وألا يكون لنا حق في امتلاك ما يجب أن يكون لنا، مؤسف أن يكون العالم بحوزتنا ونحن نختار جانب واحد من هذا العالم لنعيش فيه، مؤسف أن يتمنى الإنسان حقه.

فبالرغم أن ‏النضج مؤلم، ولكنه يجعلنا نرى حقيقة وأصل جميع الأشياء، لكن ربما عدم إدراك بعض الأمور كان رحمة بنا ونحن لا ندري.

في حياة كل منا لحظة بعينها ينقلب فيها كل شيء، ويتحول فيها لشخص آخر، وكأن القدر يجبره على التغيير التام.

إن التغيير مؤلم، نحن نتغير لكي نتكيف أو لكي نقاوم ما يحل بنا في تلك الحياة، ويزعجنا تغيرنا، وكأنه أمر يفرض ذاته علينا مع الأيام؛ لاستكمال تلك الحياة، ولكن لا شيء مؤلم كالبقاء عالقًا في مكان لم تعد تنتمي إليه، فمرارة ذلك تجعل روحك تتهالك رغم بقاء جسدك حي.

‏لكنّ تُرى ما الذي يعيد لأرواحنا النبض والحياة؟ ربما ما نحتاج إليه في أغلب الأحيان هو النسيان، أو تحرير أنفسنا من قبضة الماضي… نحتاج إلى خلعه عنّا كجلدٍ متجعّدٍ خشنٍ، وأن نبدأ من جديد تاركين وهم الماضي الذي يزعجنا بأثره بأن ما انتهى لن يعود، حقًا لن يعود ولم يبقَ له أثر يتخللنا، ولن نسمح له بتغييرنا، وسنستقبل الحاضر بوجه جديد استطاع أن يكون بصورة أعمق بكثير مما كان عليه من قبل، وأن يدرك حقيقة الأشياء قبل أن تفصح عن ذاتها، وأن يتجاوز كل ما يجب تجاوزه بمفرده، وبمعية الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!