قصص

“فتاة خرجت عن السيطرة”

سامية مصطفى

“ما كُنتُ لأنوي الرحيل يا أُمي لولا أني أحسستُ بـثُقلي عليكم وأني جالبة العار لتجاوزي الثلاثين دونَ الزواج حتى الآن، لا توجد فتاة تتمنى أن تعيشَ بـمفردِها وسط العالم، لكنني لم أجد رجلًا صالحَا للزواج بعد، كل ما في الأمر أنهم يُريدونَ منعي من الحُلم وأنا لا أُريد ذلك فقررتُ عدم الزواج إلا بعد تحقيق الحُلم، ما معنى أن يشتريني رجُل؟ هل أنا سلعة؟ تُكالُ بالمال؟ لقد سلبتوا حقي في العيش بسلام، تنعتونني بالعانس طيلة الوقت، لا تشعرون بقلبي، لم يتمكن اليأس مني يوم ولكنني شعرتُ بعجزي لكوني فتاة في التاسع والعشرينَ من عُمرِها فاتها قِطار الزواج اللعين، يا للسذاجة، الزواج ليس له قِطار أو موعد إنه يأتي بمشيئة الرحمن

أعرِفُ كم يؤلمكِ قلبكِ يا أُمي وكم سيؤلمكِ عند رحيلي، أُقدر حُزنك أنتِ وأخوتي لكن أعدكِ بألا أفعل شيئًا عكس ما ربيتموني عليه، رحمة الله على أبي العزيز الغالي، أوصاني أبي أن أكن خير اِبنه وخير أُخت ومازلت يا حبيبتي الغالية، أوصيكِ بخيرًا بذاتكِ وبِهم، أعلم أنكِ قوية، مُنذُ موت أبي تحملتِ الأعباء وكنتِ خير أبٍ وأُمٍ لنا أثق أنكِ ستبقينَ هكذا حتى عودتي، أؤمن بأن ثمة منح داخل المِحن، سأرحل عنكم وأُحقق أحلامي وسأعود شامخة الرأس لا مُطئطئة الرأس، أُقسم لكم بألا أيأس، لن أبرح حتى أبلُغ، أُحبكم جميعًا، لا تنسونني، الوداع”.
كتبت الأحرُف الأخيرة وهي تبكي بشدة، تشعُر وكأن وحشًا ما اِقتلع فؤادِها من بين ضلعيهِ، لِمَ تقسو الحياة هكذا؟ ماذا لو تركها العالم تحيا كما تُحب؟ سيلٌ من الأسئلة تدور بداخِلها مع عدم توقف شلالات الأدمُع في مقلتيها، وضعت الخطاب بجانب فراشِ أُمِها ثُم قبلتها وقبلت أخوتها ورحلت.

اليوم هو الأول من ديسمبر، ذاكَ الشهرُ الكئيب، يالكآبته كم هو ماطر وحزين، تبكي السماء وتختلط الأدمُعَ بالمطرِ الغزير، فتاةٌ هزيلة أغرقها الحزنْ، تتمشى في شوارع القاهرة البائسة، تبكي عينيها وتضحك شفتيها قائلة: مرحبًا بكَ في مدينة البؤساء، هُنّا القاهرة، هُنّا مُستنقع مليء بالمتعايس البائسين، تصمُت تارة وتتحدث تارة؛ لكن لم تهدأ مقلتيها قط، تُرى ما الذي أُدي بِها إلى الحافة؟ أهو لقبُ عانس في التاسع والعشرين؟! أم مُجتمعٌ لا يعترف بالفتيات من الأساس؟
هدأ المطر ولم تهدأ الرياح، أخذت تتهاوى في الشوارع حتى وصلت الزمالك، يالروعة تِلك المدينة! كم تشعر بالجمال فيها، النادي الأهلي، شارع ٢٦ يوليو، الكورنيش، بُرج القاهرة، المراكب النيلية، فندق ماريوت، نادي الجزيرة، ساقية الصاوي، مجمع اللغة العربية، دار الأوبرا، ذاكَ الحيُ الراقي في غربِ القاهرة الكُبرى، كم أصفُ لك روعة تِلكَ الجزيرة وما فيها من جمال، الزمالك هي أهدأ وأروع أحياء القاهرة ليلًا، كم تشعُر بصفاءِ روحك وأنتَ تسيرُ فيها!

تخلصت الفتاة من ثُقلِ الحياةِ فيها وهدأت وأخذت تسترجع ماضيها؛ كانت في العاشرة من عُمرها عندما جائت هُنا مع أبيها لأول مرةٍ وكان تحديدًا يوم ميلادها ووقفا على الكورنيش وأخذَ يقص عليها عظمة الخالق في خلقه وإبداعهِ في تِلكَ الجزيرة، كانت تبتسم ببراءةٍ، كم هو أبٍ رائع؟! وفي نهاية اليوم وعدها بأن يأتي بِها إلى هُنا كل ميلادٍ لها وحدهما، لم يخلف أباها وعدٍ قد وعدها إياهُ قط لكن القدر دائمًا أشدّ ليشاء الرحمن بأن يمت أبوها بعد عامٍ من الوعد

كانت “داليدا” تُحضر للغدِ بكل سرورٍ وحب حتى غاطت في سُباتٍ عميق باسمة الوجه، اِستيقظت في الصباح على أصواتِ الصُراخ فزعة لا تعرف ماذا جرى ثم أسرعت مُهرولة لترى الكارثة، قد ماتَ حبيبها الأول، لحظاتِ صمت سادت المكان عند حضورِها وفي ذهولٍ من الجميع أسرعت نحوه تُقظه وهي غير مُصدقة: أبي، اِستيقظ يا أبي، اليومُ أتممتُ عامي العشرين، أبتي ماذا عن الوعد الذي قطعناه سويًا؟ أفق يا أبتي أفق، لِمَ لم تأتِ لتوقظني في مُنتصفِ الليلِ، أليس هذا اليوم مُميزٌ بالنسبةِ لك؟ ألم تقل لي بأنك ولدتَ حين رأيت وجهيَ الصغير؟ أبييييييي.

عادت من ذكرياتِها الأليمة تُحدث ذاتِها: آه يا أبي العزيز مرَّ على الفُراق تسعة أعوام ولم يُفارقني ذاكَ اليوم المشؤم مثلما قالت عنه عمتي وجدتي، ليتك لم تُنجبيني حقًا يا أُمي، فأنا فتاة شؤم على أبيها وأخيها مُنذُ اللحظات الأولى لي في هذه الدُنيا، أتذكر جيدًا حديث جدتي بأن أخي قد فُصلَ من مدرستهِ يومَ ولادتي وأبتي عاقبه وضاعت سنة أخرى من عمرِ أخي ولم تحمليني حينها ولم يُعجبكِ اِسمي وكذلك عمتي اِبنة أُمِها ونعمتموني بالشؤم، آه يا أبي لو تعلم ماذا حدثَ لي مُنذُ رحيلك.

والآن… قاطعَ أفكارِها رنين هاتفها المُفاجيء، لتردّ عليه بصوتٍ مُنهك: السلام عليكم، منْ؟
_ كنتِ قد تحدثتي بشأن الوظيفة المُعلن عنها الأسبوع الماضي؟ فلتأتي في العاشرة صباحًا للمُقابلة، أغلقت الهاتف باسمة، حسنًا فلنذهب لغرفة السطو كي نجهز للغد المُشرق وندع الماضي جانبًا الآن فأمامنا أحلامٌ تنتظرنا بـلوعةٍ.

بحلم بيك أنا بحلم بيك…
وبأشواقي مستنيك…
وإن مسألتش فيا يبقى كفاية عليا عيشت ليالي هنية أحلم بيك…
أنا بحلم بيك…
ظلت تدندن مع أُغنيتها المُفضلة وهي تستحي الشاي، وما أروع الشاي في الصباح مع العندليب؟

جهزت ذاتِها ونزلت للمُقابلة آملة القبول هذه المرة فهي مُنذُ تخرجها على هذا الحال، خمسُ سنوات من الفشل الذريع، كاد أن يبتلعها اليأس لولا رحمة بارِئها وإصرارِها على النجاح رغم الصعاب ولأنها تؤمن بأن النجاح أمرٌ ضروريٌّ لمواصلة الحياة وأن النجاح يولد من رحمِ الفشل، ظلت طوال الطريق ترسمُ أحلامًا وتتذكر آلامًا دون اِنقطاع وكأن عقلها أصبح خزانًا للذكريات الأليمة والأحلام فقط، حتى وصلت للشركة وصعدت للمُقابلة بـقوةٍ وتحدٍ، المرأة الحالمة كالصنديد في الحرب كلاهما يُركز على هدفِه، لن تغلب اِمرٱة حالمة تثق بذاتِها وتعشقها، النساء يا أعزائي: هؤلاء الجنسُ اللطيف الشرس في الوقت ذاتِه، يكُن لطيفات بالاطمئنان واللين ويكُن شرسات حينما تتعدى عليهم، لا أعني التعدي بالفاحشة؛ بل هُناكَ تعدياتٌ أُخرى يغفل عنها الكثير كتعديكَ على حُريتها في عملها في دراستِها في ملابسها، لا يُمكنك تقييد اِمرأة، المرأة تصمُت بإرادتِها لا بإرادة شخصٍ ما، صمتهُن ديجورٌ يهدمُ الحياة، هنَّ مزيجٌ من الدفءِ والقوة والرقة والأمان والوونس والدعم، خُلقن لينعمن بالحياة، فهنَّ الكون، من اِمتلكهم بـودٍ ملك الكون بـحبٍ.
إياكَ وغضبٌ النساء، فإن “كيدهُنَ عظيم” إنه كلام ربك فلا تغرنك ذاتك وتُجرب أن تُغضبهن، إن غضبت المرأة فـعلى الدُنيا السلام وإن لانت المرأة فهنيئًا لك، إنهن يهدأن بكلمةٍ هينة ويثرنَّ بكلمةٍ عَسرة.

كانت مُقابلتِها عسيرة والأسئلة كثيرة والسؤال الأهم، لِمَ لم تعملي حتى الآن؟ ما السر وراء رفض كل الوظائِف لكِ؟ وكانت إجابتها: لا أعرف، رُبما لم أكُن مُناسبة للعمل لمدة خمس سنوات، أنا لم أخسر شيء بل تعلمت أكثر وأكثر وأصبح لدي حصيلة تعليمية ذاخرة.
كانَ يبدو أنه اِقتنع بكلامِها إلى حدٍ ما، لاحظت هي ذلك من تعبيرات وجهِ، لاحظ الموظف ذلك مُعللًا تعبيراتِه: يبدو أنكِ فتاة بارعة في الإقناع وهذا دليلٌ قاطع على حصيلتكِ المعرفية بالتأكيد.
اكتفت باِبتسامة نصر وهزة رأس بالإيجاب، ثم استكمل الموظف الأسئلة وكانت تُجيب ببراعة مُلفتة، اِنتهت المُقابلة وعادت لمسكنها الجديد الذي لطالما كانت تحلم به طيلة حياتِها، كانت تودّ لو أنها تمتلك شقة بالدور الأخير وسطحٍ في إحدى بنايات حيّها المُفضل (الزمالك) وتجعل السطح مكانًا مُشرقًا مليئًا بالزهور المُختلفة والطيور كالمُزقزقة والببغاء، ها هي تخطو أولى خطواتِها، ها هي هُنَّا.

لم يمُر يوم رحيلها بسلامٍ على أُسرتِها بل مرضت أمِها وعانت أختِها وتبلدت مشاعر أخيها وأعلن ديجورِه الدامس مثل عمتِه، لم يكن الخطاب بـشافعٍ لها ولا بـرادعٍ لعدائِها؛ بل كان أشدُ قسوةٍ على الأحباء، تبرأت منها جدتها فهي في نظرِها فتاة جلبت لهم العار، زاع سيطها في الأحياء كُلِها، “داليدا” تِلكَ الفتاة كم عانت لكنِها لم تيأس وأعلنت تمرُدِها، لا يهُم متى نعلن تمرُدِنا؛ بل الأهم هو ما نتمرد من أجلِه، مهما كلفك الأمر لا تخضع لشيءٍ ضد رغبتك فأحلامك هي من تبني مُستقبلك، البشرُ لا تنفع، النافعُ هو الله من ثَمَ حُلمك من ثَمَ يُحبك الجميع ويتهافتونَ عليك، هكذا هم بنو البشر؛ إذا كانت لديك النفوذ والسلطة والمال يحترمونك، لا حبًا لك؛ بل منفعةً لهم، القليلون هم من يحبون بصدق أعزائي.

مرت على داليدا الأيامٍ خاوية من كل شيء إلا التفكير، كانت تفكر في مستقبلها، فيما ينتظرها، كانت تفكر في أحلامِها، إنه اليوم الخامس لها في مسكنها وأصبح لديها جيران لُطفاء وصديقات منهن، كانت جالسة تحتسي القهوة مع إحدى جاراتِها وكانتا تتحدثن بشأن شراء الطيور وتزيين سطح العقار وموافقة الجيران دون مناقشة فاداليدا ذات أفكارٍ يافعة، حتى سألتها جاراتِها ذاك السؤال: أين أُسرتكِ؟
لتُجيب داليدا بهدوء: جِئتُ من سفرٍ بعيد كي أمكُث في حيّ المُفضل وأبني ذاتي حتى أستقل.
بدت علامات الاندهاش على تِلكَ الجارة متمتمة بصوتٍ مسموع: تستقلي؟ أيٌ اِستقلالٍ هذا؟ ما نعرفه وما يعترف بِه مُجتمعنا عن اِستقلالِ الفتيات أنه الزواج، أن يتزوجن وينجبن الأطفال.


ضحكت داليدا بسخرية قائلة: أتُسمينَ هذه التُرهات اِستقلال؟ يا جارتي العزيزة “إن لم تتزوجي رجلًا فعلًا وقولًا فالأفضل ألا تتزوجي للأبد” مُجتمعنا هذا الذي تتحدثين عن ما يعترف به يُهمل الأطفال المُشردين في الشوارع بسببِ اِنحرافِ الأب وعدم وجود الأُم، يقيد حرية الفتاة، ويُنكر حق الزوجة عِند اِكتشافِها خيانة زوجها، ويُخرس صوتها حين تبكي وتنهار، وينبذها حين تُفكر في الطلاق لأنها وببساطة اِكتشفت مؤخرًا أنها تزوجت رجلًا بالقول أو بالأحرى “شبه رجل”، يتهمها بالفچور إذا طالبت بحقها قانونًا من مُتحرشٍ أو مُغتصب، مُجتمعنا هذا لا يعترف بأخطائه فكيف له أن يعترف بالاِستقلال؟! الاِستقلال هو أن نحيّا كما نُحب لا كما أن يُحب.


تنهدت الجارة ثم أردفت: يا لكِ من فيلسوفة رائعة يا داليدا، ذات شخصية، تربحي المُناقشات، لا اسطتيع أن أُكذبكِ؛ لأن مُجتمعنا قاسٍ حقًا.
اِبتسمت لها داليدا وبادلتها الجارة وأخذتا تتأملانِ في خلقِ البديع.

حلَّ الليل وكانت داليدا شديدة الإرهاق فقد حققت أولَ حُلمٍ لها وهو أن تجعل من ذاك السطح المُطل على النيل لؤلؤةِ محار، اِفترشت الأرضِ بالزهورِ المُختلفة وأتت بالببغاءِ والمُزقزقة، يا له من سقفٍ رائع يتدلى مِنه اللبلاب.
يومٌ شاق لكنه مُزهر، هكذا الأيام التي نقضيها في طريقِ أحلامِنا، الأحلام تِلكَ التي لن تشعر قط أنك سئمت؛ بل هي كالطاقة لا تُفنى.

أخذت خُطى داليدا تخطو للأمام يومًا بعد يوم، كانت تعمل بمشروعِها الصغير “Hand made” مُفعمة بالأمل والنشاط، يسكُنها الرضا والاِطمئنان، حتى أتاها ما كانت تنتظره، أتاها جبرُ الرحمن الرحيم، كانت مُنشغلة في صُنعِ التابلوهات وأخذ رنين هاتفِها يُعلن عن مُتصلٍ مجهول الهوية لترد وتكن المفاجأة التي ستُغير حياتِها، لقد تم قبولِها في الشرِكة، لقد كان الخبر المُفرِح الذي لطالما كانت تحلم بِه، حقًا إن جبر الله آتٍ مهما طال الزمن، اليومٌ هو يوم ميلادِها حقًا.

ذهبت لاِستِلامِ عملِها الجديد بوجهٍ مُشرق كالشمسِ في صباحِ الربيع، تشعُ حماسًا لا نهاية له، مُنذُ أن تسلمت العمل وهي لا تكلُ ولا تمل؛ بل كانت ومازالت تبذل قصارى جُهدِها كي تتفوق أكثر وأكثر حتى حصلت على أكثرِ من ترقيةٍ خلالِ أربع سنوات، نعم لقد مرَّ على غيابِها عن منزِلِ أبيها أربع سنوات كانت أشدُ قسوةٍ على الأُمِ الغالية التي أدركت أن داليدا ليست بشؤم؛ بل هو القدر من القادر كما اشتاق لها أخيها “داوود” واِزدادت فيهم عمتِها حقدٍ عليها لمعرفتِها أنها قد بدأت في خطوِ خطواتٍ تجاهِ الحُلم ولم تيأس وتحزن لعدم الزواج حتى الآن، أما الجدة فقد أدركت أننا لا نصنع مصائِرنا بأيدينا بل نولد وهي مكتوبة في صُحفٍ عند خالقنا وكانت تدعو لها وتتمنى رؤيتها قبل مماتِها.

مرَّ عامٍ آخر والزهرة تنمو وتترعرع، كم هي صنديدة لن تهزمها الذكريات التي مازالت تطاردها كل ليلة كالذئِب الثائِر، لن تقع ثانيةً فقد قضت سنينَ في القاع، تأتي الهزائم من ثَمَ القوة ويأتي الفشل من ثَمَ النجاح، لا يوجد فشلٌ دائم ولا نجاحٌ دائم؛ بل يوجد شخصٌ مُثابر مُجِد قادِر على أن يتغلب على تحدياتِ الحياة الأشدُ قسوة، ليست الحياة؛ بل إنها المواقف التي تضعنا بين فكي الأسد، وما الحياةُ إلا مسرحٌ كبير من المواقف.

في إحدى ليالي شتاءِ ديسمبر ٢٠٢١م كانت داليدا جالسة في شُرفة شقتِها الجديدة بحي الزمالك تستمع إلى العندليبِ كعادتِها وتُغني معه:
بحلم بيك أنا بحلم بيك… وبأشواقي مستنيك…
وإن ما سألتش فيا…
يبقى كفاية عليا…
عِشت ليالي هنية أحلم بيييك…
أنا بحلم بيك…
ثُم تنهدت وقالت هائمة: لن نأخذ كل شيئًا نُريده؛ بل سنأخذ كلَ ما قُدر لنا والبقية ستظلُ أحلامًا نُهيمُ فيها بـقلبٍ راضٍ، ثُمَ أخذت تنظر لصورتِها العائلية التي تضُم أبيها وأمِها وأخواتِها بحزنٍ مُحدثة ذاتِها: اِشتقتُ لكم، اِشتقتُ لكم جميعًا وأُريدُ العودة فهل ستقبلوني؟ أبتي لم تزورني في أحلامي مُنذُ عامين، أأنتَ غاضبٌ مني؟ سأعود يا أبتي أعدك سأعود قريبًا، وأخذت تبكي وتُدندن مع الأغنية حتى غاطت في سُباتٍ عميق.

بعد شهرينِ من تِلكَ الليلة حسمت داليدا أمرِها وقررت أن تفي بوعدِها وتعود لبيتِ أبيها ولدفءِ أُمِها الغالية وتتقبل ردودِ الأفعال مهما كانت؛ وبالفعل عادت داليدا لمنزلِها تطرُق بابِه بـثباتٍ زائِف لتفتح لها أُختِها وتستقبلِها في اِندهاشٍ قائلة: من أنتِ؟
دُهشت داليدا هي الأُخرى هامسة: أنسيتموني؟
اِسترسلت دانا وقد بدأت تتعرف على ملامِحها: أأنتِ أُختي داليدا؟
فرِحت داليدا وقد بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها ولم تتحدث؛ بل ردت بإمائة رأسِها بـنعم، أسرعت دانا تُنادي أِمِها وأخيها وجدتِها وعمتِها بفرحةٍ: أمي لقد عادت داليدا كما ظننتِ، أخي لقد جائت داليدا، جدتي لا تغضبي من داليدا فقد عادت، عمتي ها هي داليدا، حضر الجميع على صوتِ دانا المُرتفع مذهولينَ مِما تقول حتى رأوا داليدا تقف أمامهم، اِحتضنتها الأُم باكية: ابنتي الغالية كُنتُ أعلم أنكِ ستعودينَ يومًا ما، أُقسمُ لكِ كُنتُ أعرف بعودتكِ، كُنتُ أنتظرِك عزيزتي، اِشتقتُ لكِ كثيرًا.


هتفت داليدا: أُمي كم كُنتُ أفتقدك، لقد مرَّ خمسة أعوام لم تجف مقلتايا فيهم ليلة على فُراقكم؛ لكنني لم أتمكن من العودة إلا شامخةَ الرأسِ مثلما أبلغتكم في خطابي الأخير، حتى أبي كان يزورني كل ليلة في أحلامي وانقطع عني من عامين، لقد تركني مرةً أُخرى وهذه المرة تركني حزينًا مني.
ردت أُختيها مُسرعة: لا يا أختي لا نحنُ لم نحزن منكِ قط، نحنُ نُحبكِ، حُزننا على فُراقِك، كم هو قاسٍ.
صاح أخيها وجدتِها: يكفي بُكاء، الأهم الآن عودتكِ لنا سالِمة، لم تُحدثِها عمتِها قط؛ بل زادت حقدٍ بسببِ عودتِها مرةً أُخرى واستقبالِهم الحارِ لها وغفرانِهم دونَ عتابٍ أو لوم.

قضت داليدا أيامًا خالية من الحُزن بعد عودتِها لمنزلِ أبيها وسطِ أُسرتِها الغالية؛ لكن بقى حال عمتِها كما هو ولم يتغير موقفِها قط، جاء يوم ميلاد داليدا الخامس والثلاثون واحتفلت الأُسرة بأكملِها بِه وأخذت عمتِها تبكي حال أخيها المتوفي في ذلك اليوم لكن حفلة داليدا لم تُفسد بل أشرقت وحضر الحفل زملائِها  في الشركة وكان مِنهم “يونس” ذاك الذي يُحاول خلق الأحاديث معها كان سعيدًا للغاية بِها كانت كزهرةٍ في الربيع، لاحظت أُمِها نظراتِ يونس لها كما لاحظ أخيها داوود أيضًا، كان يومٌ في غاية السعادة للجميع.

الجميع يتسائل الآن هل داليدا ستتزوج أم ماذا؟ ولا توجد إجابة صريحة لذاك السؤال.
اِنتهت قصة داليدا التي تُشبه الكثير من الفتيات في مُجتمعِنا، منهنَّ من آتاها جبر الله في شيءٍ آخر غير الزواج ومنهنَّ من آتاها الزوجُ الصالح؛ لكن الأهم هو الرضا وحتمًا ستأتي السعادة بعد الرضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!