قصص

سيدةٌ تنحَتُ الرجال

بقلم: ابتهال أشرف محمود

صوتٌ عالي دوى صداه في المكان، نظرة سخرية لاذعة للقلوب، لسانٌ لم ينطق سُوى الهراء منذ بداية تلك الجلسة في ذاك البيت الريفي النائي عن المدينة، ارتفع حاجبا ذاكَ الرجل الأربعيني وهو يقول ببرود: إذًا تريدين الانتقال معي إلى منزلي؟

نظرت له تلك السيدة العجوز بصمت، خجولة هي من ولدها، لا تعلم ما الذي يمكنها قوله، قالت بصوت قد عجزه الزمن: نعم يا خالد، أريد الذهاب معك يا بني، المرء لا يضمن عمره، أريد البقاء بجوارك بدلًا من المكوث هنا لوحدي، الوحدة يا بني تؤرقني، ولم أرى أحفادي؛ بسبب سفرك بهم، وها قد عدت إلى أحضان والدتك.

ارتكزت على عكازها وهمّت بضمه إليها؛ فأبعد ساعديها قبل أن يحاوطانه في دفء، دفءٌ مهما حاول البحث عنه لن يجده؛ فلِمَ التفريط فيه؟ تعجبت العجوز من جفائه، أذاكَ هو ولدها؟ أو أنّ الخرف قد أصاب ذاكرتها، نعم، نفس ذات الملامح لكن طباعه مختلفة تمامًا! ماذا جرى حتى يكون جاحدًا عليها هكذا؟ نعم مضى قرابة العشر أعوام له بالخارج، منذ أن تخرج من كلية الطب وحصوله على منحة للخارج، لكن أيعقل أن تُغير السنين صاحبها فلا يعود بنفس القيم؟

انتفضت من مكانها على أثر صوت إغلاق الباب بعنف، مع سماعها سبّة تنطلق مِن فِيّ ابنها لتكون نصلًا في قلبها، لم تملك سُوى أن تبكي وهي تحاول إخفاء دموعها، أيعقل أن يعاملها ولدها الوحيد الباقي لها هكذا!
زفر دخان سيجارته بقوة عند خروجه، وهو ينفخ بفِيه مفكرًا قائلًا في نفسه: لقد بدأتْ تتمرد تلك العجوز، عليّ التخلص من ثرثرتها الدائمة بالبقاء معي.
…….

رددت الكلمة وكأنها تتأكد من صحة سماعها قائلة: دارٌ للعـجزة؟ ثم ابتسمت بوهن، ابتسامة خلفها الكثير من الألم قائلة: توقعت الأسوء بصراحةٍ يا ولدي، لم أدرك أنّ بعض الضمير تبقى منك.
خالد بملل: لن أقوم بقضاء حاجاتك طيلة الوقت، لديّ أسرة أعيلها، ولا تقلقي عن كيف ستتدبرين قوت أيامك القادمة، دار العجزة ستتكفل بكل شيء.

العجوز: وماذا عن دينك لي يا خالد؟
صاح قائلًا: أي دين تتحدثين عنه أيتها العجوز؟ على مرِّ عشرة أعوام وأنا أتكفل بكل مصاريفك وعلاجك، عجبًا لقولك! مَن الدائن فينا ومَن المُستدين؟
العجوز: كم عمرك يا خالد؟
خالد متأففًا: ما دخل هذا بذاك! خمسة وأربعون عامًا
العجوز بسخرية: وتستكثر منها عشرة أعوام؟ لقد بنيتُ فيكَ حتى صرتَ شابًا يافعًا، حسابي لك مدفوع يا ولدي، تلك الأيام التي جافى النوم فيها عيني، سهرت فيها بجوارك لأنك كنت مريضًا، حسابي لك مدفوع يا ولدي، تلك التسعة أشهر التي حَملتك فيها، حسابي لك مدفوع يا ولدي، بعكسك أنت؛ فمهما فعلت سيظل حسابك ناقصًا، والدين عليك قائمًا، حتّى أشد الرجال برًا لوالديهم مهما فعلوا لم يعطوا جزيل العرفان، حسابك لم ولن تدفعه كاملًا يا ولدي.
خالد: لا أمي، لقد بنيتُ نفسي بنفسي، أنا مَن اجتهدت حتى حصلت على مجموع الطب، أنا مَن سافرت للخارج وكونت نفسي، ذاك هو التحصيل
العجوز: أمي! ما أجملها مِن فيهك يا ولدي، لم أعهدك قاسيًا هكذا؟ ما الذي تغير؟

خالد بجمود: أرجوكِ، لا أريد أن أعيد أشياء ردمها تراب الأعوام.
العجوز بحنو: يا خالد، كيف تظن نفسك قادر على رفع حجر ضخم لوحدك، الأم يا ولدي هي مَن تدعو لك أن تكون قادر على تحمله، الأم يا ولدي هي الأرض الصلبة التي ترتكز عليها لتصل.
صرخ بوجهها قائلًا: لا أطيقكِ، أنا أريد البقاء بدونك، هل وصلتك إجابتي الآن.
قالت العجوز بألم يكاد يسقطها مِن العجز: لقد خِلتُ نفسي أنني فنيتُ عمري في بناء الرجال، لكن وأسفاه، لم أكن أنا السيدة التي نحتت الرجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!