ابداعات

قصةحكم القدر

روان خباز الحلبي

في أيام البرد القارس والهدوء يعم المكان، كانت شام في إحدى الغرف تشرب مشروبها المفضل، وتستمتع بهطول الأمطار وقطرات الندى تتجمع على النافذة وتغسل أوراق الأشجار وتجعلها تُضيىء كأنما تغسل روحها معها وتُضيها بتلك القطرات الألماسية، شعرت بنغزة في أعماق قلبها
ونظرت في غصة للسماء واضعة يدها على قلبها: وقالت جملتها المُعتادة التي تُطمئن بها قلبها،
” بسم الله على قلبي حتى يهدأ” ثم همت بالخروج والجلوس مع العائلة، وكان الإتفاق هو زيارة عمتها المفضلة في اليوم التالي، السعادة غمرتها ﻷنها تحب زيارتها وقضاء الوقت معها لكنها لم تعلم أن تلك الزيارات ستتضائل حتى تختفي، جاء الصباح بنسماته الباردة وهمت شام للذهاب إلى المدرسة ورؤية صديقتها المفضلة زينب فكانت تعتبرها توأم روحها وأقرب زميلاتها مضى يومها الدراسي كسابق أيامها مع قليلٍ من المشاغبات والمواقف المميزة التي تقوم فيها شام، والتي تميزها عن قريناتها انتهى اليوم الدراسي وهي متحمسة للعودة كي تذهب إلى عمتها.

شام فتاة تبلغ من العمر ١٧ عام تدرس ثانية ثانوي ولم يبقى إلا فاصل قصير للثالثة الثانوي التي هي ستكون بوابة تحقيق حلمها للدخول إلى جامعتها المفضلة، شام فتاة ذات عيون بُنية تتحول لشهد العسل في الشمس لها لون بشرة مميز فيه مزيج من الجاذبية التي تخطف عيون الناظرين فكل من يراها يمدح بجاذبيتها، ممشوقة القوام ذات طول متوسط, مرحة طفولية عفوية تتأرجح تارة بين العقل الناضج وتارة بين براءة الطفولة وطيشها, ذات شخصية قوية اجتماعية محبة لمساعدة الغير ودعمهم.

ركضدت إلى حضن عمتها وبدأت بتقبيل وجنتيها ثم عادت لتغمرها مجددًا فهي تحب حضنها الحنون ذاك، كانت تحبها كثيرًا وتفضلها هي وأخوانها عن باقي شباب وشابات العائلة، فهم ووالديها كان لهم قسم كبير في قلب تلك العمة،
مر الوقت وهم يتسامرون اﻷحاديث ثم هدأت عمتي فجأة مع نشرة اﻷخبار التي تُذيع أسماء الشُهداء فعادت بها الذاكرة للخلف لنفس المشهد الذي يُمزق القلب إلى أشلاء وهي ترى جثمان ولدها بين يديها، مُلطخ بالدماء وملامح وجهه لايستطيع أحد تميزها لكن وهل يعقل ﻷم أن تنسى ملامح وجه طفلها، وفلذة كبدها؟ قطعة من قلبها، محمود ابن عمتي شاب عشريني كان يتملكه بعض الطيش لكنه ذو قلب حنون، كان قدره رصاصة طائشة تفجر رأسه فتمحُ ملامح وجهه نهائيا.

ذهب يومها مودعًا والدته ولم يعلم أنه آخر وداع، اغتسل وتطيب بأطيب العطور، ارتدى أجمل ثيابه وكأنه يستقبل مَنيته بأبهى حلة، ولاقَى حتفه نتيجة خطأ في تحديد الهدف فالقناص ظنه مع اﻷعداء ولم يدرك أنه مواطن عادي ليس له شأن بشيء، وعاد ﻷحضان والدته بزفة أجمل من زفة الأعراس، إنه الشهيد محمود إنه من شهداء الجنة وصوت البكاء والنحيب اختلط بصوت الزغاريد وأصوات الفخر والهتاف.

أعدتها من شرود ذهنها بسؤالي هل أنتِ بخير ياعمتي؟ هزت برأسها بالنفي وبدأت البكاءِ، وضعفت أمام حرقة دموعها وبدأت البكاء معها وكأن كل منا يتسابق مع الآخر من سوف يزرف الدموع أكثر، هدأت دموعها وبدأت بقص مابداخلها من ألم وفراغ فقدان ابنها ولكن الفاجعة ليست هنا فقط، وإنما لم يمض قليل من الوقت حتى جائتها الفاجعة الثانية وهي وفات زوج ابنتها وهو كان بمثابة ولد ثالث لها، فكانت والدته متوفاة ويعتبر عمتي أمه ويعاملها أفضل معاملة، زادت لوعتها ودموعها تزداد انهمارًا وكأنما ترجوها إخماد الحريق في قلبها، بدأت تتحدث كيف حصلت الوفاة فكان ذلك الشاب الثلاثيني يباشر عمله وسط جو ﻷزمة والحرب لإحضار قوت يومهم لزوجته وأطفاله فكانت منيته مشابه لأخوه الروحي فرصاصة طائشة من شجار ما بين الطرفين راح ضحيتها الأبرياء، جائته الطائشة ليفقد السيطرة على القيادة وتكون نهايته حادثة سيارة مع رصاصة في الصدر وكانت الفاجعة فاجعتين مؤلمتين متتاليتين مما سببت لها صدمة وحزن شديد أدى إلى تدهور صحتها شيء فشيء، انتهت تلك الزيارة في مشاعر متناقضة مابين السعادة والحزن.

مرت تلك الأيام وأوضاع البلد تتدهور يومًا بعد يوم فقرر ووالدي الإقدام على السفر لأخي الكبير
خوفًا عليه من الطائشات أو شيء يسبب لنا خسارته، فهم بإتمام كافة مستلزمات السفر
لم يمر قليل من الوقت حتى اختفى طيف أخي من المنزل وأصبح يتجول في منزل غريب وبلد غريب آخر بارد المشاعر كمشاعرنا المتجلدة على فراقه، يوم يليه الآخر بلدنا تزاد سوء فجميع سُبل المعيشة تؤدي إلى الموت، دقت ساعة الرحيل
ونحنُ كالسابقون ليس لنا قرار إلا الفرار خارج البلاد، يوم يليه الآخر أودع فيه زملائي أقاربي وطني أشيائي المفضلة وقلبي أيضًا.

ذهبنا لتوديع العائلة مررنا على جميع الأقارب وفضلت عمتي المفضلة كانت أخر وجهة للوداع،
منذ دخول بيتها ارتابني شعور لم أستطيع تميزه ليومنا هذا، دخلت أركد إلى أحضانها ولكن كان بارد كالجليد، عيناها مرهقتان وجهها لم يعد يضج بألوان الحياة وكأنها جثة هامدة على قيد الحياة،
أشتهر بالشخصية الحساسة والدموع سريعة الإنهمار لم أستطع رؤيتها كذلك فشددتها إلى صدري وبدأت أبكي وهي بين يدي لا تحرك ساكن
ما الذي حل بكِ يا عمتي ما الذي جرى لكِ؟ دموعها كالسهام وجهتها على قلبي مالذي حل لكم تتركوني وترحلون بدايه ابني ويليها زوج ابنتي، عمك أيضًا لم يصبر على حال البلد كثيرًا حتى هاجر منها
وقام بلحاقه أخاكِ من المحببين إلى قلبي،
والآن الآن أنتم جئتم لوداعي وتركي وحيدة في تلك البلد المظلمة التي أصبحت يوم يليه الآخر تخطف من بين يدي أحبائي، حاولت تهدئتها ولكن الصفعات كانت متتالية وكل واحدة كانت أقوى من الأخرى، تركتنا واتجهت إلى غرفتها وهي تسير
سقطت أرضًا معلنة استسلامها لجميع الأحداث.

ركض الجميع حولها فحالتها لا تُبشر بالخير،
تم نقلها إلى أقرب مشفى ووضعت في العناية المشددة إثر الحوادث المتتالية تعرضت لجلطة قلبية ثم تلتها غيبوبة مؤقتة أوقفت فيها قلوب الجميع عن العمل، الجميع في حالة استنفار هناك من يتلو القرآن في ركن، والركن الآخر يعتريه التوتر والخوف، والقسم الثاني يتمتم بالدعاء ويرجو لها الشفاء من رب العباد، مرت الأيام وتم تأجيل موعد سفرنا فلا يستطيع أبي ترك أخته في تلك الحالة والمضي بعيدًا وكأنه لم يحدث شيء،
يوم يليه الآخر وحالتها على حالها،
تم الاتصال بنا صباحًا وأخبرونا بأن حالتها استقرت ويمكن إخراجها للمنزل، سعادة قوية غمرت الجميع، حمدًا لله على سلامتك يا عمتي أخفتِ الجميع عليكِ, ضحكت ضحكة بلا حياة وقالت إنها تراكمات الحياة، والعمر له حق علينا يا ابنة أخي،
في الضفة الأخرى كانت أكبر عماتي تحضر لزفاف ابنها الثاني ولكن بسبب ما حل لأختها أوقفت جميع مراسم الزفاف والتفت لمجاسة أختها المريضة، مرت الأيام وعمتي تتأرجح بين الصحة والمرض اقترب موعد الزفاف فلم يبقى له إلا إسبوع واحد فقط، تحضرت عمتي المريضة وأحضرت الثوب الذي سترتديه صبغت شعرها وجهزت حلتها وكأنها تعاند المرض.

في ليلة وضحاها البرد شديد والأمطار تشتد أكثر فأكثر مع صوت الريح والرعد جائنا الخبر الموعود ولكن كأن القدر أعطانا ذرة أمل وأخذها منها في لمح البصر، في جوف الليل جاءنا اتصال من الأقارب والصوت اخترق جدران قلبي
“إن لله وإنا إليه راجعون” الله أعطى والله أخد،
صدمة متوقعة كانت ولكن تأثيرها كبير، تم دفن الجثمان صباحًا وإقامة صلاة الجنازة، اليوم مساءًا ستكون التمساية للرجال والعصرية في وقت العصر للنساء، حان الوقت لأول مرة أدخل منزلها ولا تكون موجودة فيه، الألم يعتصر قلبي مجرد دخولي عتبة المنزل انقبض قلبي وبدأت أبكي بكاء شديد، ومع كل خطوة أخطوها الذكريات تزداد والبكاء يزداد معها أكثر، تتعالى صرخاتي
ففقداني كبير كان لها مكانه كبيرة في قلبي،
جلست وبدأت أقرأ القرآن وبكائي يتعالى حتى وصل إلى مرحلة البكاء الهستيري، بكائي كان أشد وأقوى حتى من بكاء أولادها حتى ردد الحاضرين
من تكون تلك الفتاة، هل هي ابنتها المغتربة
أم من؟ ردت عليها واحدة إنها ابنة أخوها
ولكن يظهر حبها لها من شدة بكائها عليها.

مر اليوم الأول، يليه الثاني، وأنا في كل حينٍ أدخل منزلها أصاب بنوبة بكاء قوية، اتصلت عمتي الكبيرة
وكانت تردد كلام ظننتها من أثر الصدمة أصابها الخرف وأنا أقول وأصرخ كيف ذلك؟ هل جُنت تلك المرأة كيف تقيم حفلة زفاف ابنها وإنه اليوم الثالث من وفاة عمتي، لم يجف تراب قبرها بعد، الخبر صعقني تمامًا أصابني باختلاج مشاعر مابين الغضب والحسرة والحزن اللوعة والألم، صرخ أبي علي بقوة إنها وصية عمتك كانت أن يقام الحفل في موعده المحدد مهما حصل لها، وهل يعقل أن تفعلها أختها، فوالله فعلتها ولكنها كانت مجبرة على ذلك فوصتها أختها وواجب حرمة الميت تحقيق وصيته ليرقد في قبره بسلام، ثالث يوم من العصرية الجميع يجلس يهدوء ولكن دموعي لم تتوقف عن السيلان فوالله مكانتها بقلبي كبيرة،
انتهت العصرية والإحتفال كان في نفس اليوم
موقف لم يحصل إلا في الخيال أقسم برب العزة أنني أردت انتزاع قلبي قبل القيام بذلك العمل ولكن
وصيت الغالية هكذا فما باليد حيلة سوى تنفيذها.

لم أنسَ ذلك اليوم إلى يومنا هذا مطر شديد هواء أشد وكأن الطقس غير موافق على هذه المهزلة التي تحدث، والقدر يقف جانبًا مكتوف اليدين يضحك علينا باستهزاء، استقلينا السيارة وذهبنا
لم أكن في وضعي المعتاد في حفلات الزفاف
فمعروفة شام في جميع حفلات الزفاف تظهر أجمل قريناتها بأقل مساحيق التجميل وأرق الثياب والزينة، لكنها في تلك الحفل دخلت عليهم بالحلة السوداء فالحزن يسكن قلبها كيف لها أن ترتدي الألوان ومازال السواد يعم المكان، استغربت من المنظر فهناك بعض فتيات العائلة متزينات متبرجات وكأن لم يمت أحد في تلك العائلة منذ يومين، بدأت مراسم الزفاف ولكن لا أنكر أنه زفاف غير اعتيادي فالحزن يعم المكان وكان للحزن نصيب أكبر من السعادة الأخت وفت ولبت وصية أختها ولكنها لم تتوقف عن البكاء فتارة تبتسم
ابتسامة ألم للمعازيم، وتارة آخرى تختفي عن الأنظار وتزرف الدموع خلسة عن عيون الحاضرين،
دخل العريس إلى الصالة فليس هين عليه
دفن جثمان خالته منذ يومين وإقامة حفل زفافة
اليوم الدموع متجمعة في مقلتيه، الغصة عالقة بين حنجرته وشفتيه حكم القدر كان غريب جدًا كل يوم هناك والدة من صلب الموت، وموت يخلق ولادة جديدة، أصر أهل العروس على أن يرقص العريس مع والدته رفضه كان شديد ولكن ليس هناك في اليد شيء، أمسكت يد ولدها وتحاول بالتظاهر بالفرح وغمرت ابنها وبدأُ في البكاء على المسرح توقفت الموسيقى والأم وابنها دخلو في نوبة بكاء لم يستطيعوا السيطرة عليها وكالعادة شام تكون أول ذارفي الدموع في تلك المواقف
غمامة سوداء غطت المكان فتبدلت وجه الابتسامة
إلى ألم حسرة حقًا شيء عجيب صدمة كبيرة
وكيف يحدث ذلك من جهة أظنها مهزلة ومن جهة أخرى تحقق وصية ميت والإستسلام لحكم القدر،
سرعان ما أنهو حفل زفاف ذلك بل ولنسمه وصية ميت في زي زفاف مميت، ألبسو العروس الذهب وتم التقاط صورة للذكرى لهما ولكن معظم الصورة تعتريها ملامح الحزن واللوعة أكثر من مشاعر الفرح، انتهى ذلك الزفاف عاد الجميع للمنزل،
ومازلت أعيش في تلك الصدمة ولم ينمحي ذلك الموقف من مخيلتي وكل ماعُدتُ في الذاكرة للوراء أعود للعيش في نفس الشعور والإحساس، الحمدلله على كل شيء، للرب قضية في كل شيء يحدث في هذا الكوكب، أنا متأكدة أن هناك سر وراء تلك الحادثة ولكن لم أكتشف ذلك السر الغامض إلى يومنا هذا، لعلي أكتشفه يومًا ما.

جميع الأحداث واقعية حدثت على بُقاع الأرض في مكانٍ وزمانٍ ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!