قصص

حي العجائز

بقلم/ شيماء عبد المجيد

كانت الشمس قد انتصفتِ السماء وأخذت لونها البرتقالي مؤذنة بالغروب، يسمع إياد صوتًا يهمس في أذنه هيا استيقظ لقد تأخرنا، حان الآن موعد جولتنا، يستيقظ إياد من نومه مبتهجًا بهذا الصوت الذي يعرفه جيدًا إنه صوت مطربته المفضلة، ينهض مسرعًا ليجلس متكئًا على سريره على نفس حالته وثيابه التي لم ينتبه أنه لم يبدلها منذ فترة لم يعد يحصيها، بداخل غرفته التي بدت ناجية لتوها من آثار عدوان بعثر محتوياتها فكل بغير مكانه، يرتدي نظارته ممسكًا بيد معشوقته ليتجولا سويًا.

يحادثها منتشيًا: ‏أين تريدين الذهاب إلى الشانزليزيه أم أمستردام ونزهة بين زهورها البديعة؟ أم رحلة استجمام في جزر المالديف؟

يجيب ما رأيك في نزهة الشانزليزيه والتسوق ثم نذهب للمالديف ورحلة الاستجمام بعيدًا عن هذا العالم الوقح وغوغائيته؟

ها لقد وافقتِ إذن! هيا بنا حبيبتي.

خارج محيط غرفته في منزل متواضع داخل أحد أحياء القاهرة الشهيرة تتواجد أسرته كل منكب في عالمه الخاص ولكنهم اليوم جلسوا سويًا يتحدثوا في شأن إياد فقد أصبح غريبًا، بادرت الأم بالحديث قائلة: لم يخرج من البيت منذ ما يقارب أسبوعين على غير عادته، والكارثي في الأمر أنه لم يعد يذهب لدروسه لا يتحرك من خلف تلك النظارة أصبحت عالمه، حين أقترب من غرفته أسمعه يتحدث إلى كثير من المشاهير.

تدخل أخيه الأصغر في الحديث قائلًا: ما القلق في ذلك إنه يعيش بعالم جميل عرفني عليه، أماكن أجمل من حينا وأناس ألطف بكثير، نهرته أمه لتقطع حديثه موجهة الحديث لأبيه: ما العمل يجب أن تتدارك الأمر إنه في صفوف الثانوي مستقبله في خطر!

يجيب الأب وهو يشرع في الوقوف للخروج: بعد عودتي سأبحث الأمر لا تقلقي إنها تسلية جديدة له وسريعًا سوف يمل منها ويعود لحياته الطبيعية.

تصمت الأم وعلى وجهها علامات تجمع بين الامتعاض والقلق، في محاولة من محاولات الأم لإخراج إياد من قوقعته، قامت بنهره وتحذيره بشدة، لم يكترث لصراخها وأخذ بيدها وهو هادئ هدوءًا يصل لحالة التبلد: اهدأي دعيني أطلعك على شيء أما تريدين الذهاب للعمرة؟ سوف أجعلك تذهبين وتطوفين بالبيت وبهذا تكونين قد أديت منسكًا من مناسك الله! فقط ارتدي تلك النظارة التي تحتقرينها، يلبسها النظارة وهي في فاغرةٌ فاها لا تنطق وأصبحت كمن فقد وعيه.

تتكرر المحاولات كثيرًا وتغدو الأيام سراعًا ولم تنتهِ التسلية الجديدة بل ازداد إياد تعلقًا بها بل هجر دنياه لأجلها ولم تثنيه كل المحاولات عنها، بل ازداد الأمر والتحق أخيه الأصغر به.

فأصبح البيت كالكهف المظلم يزداد سوءًا وتتسع الهوة، وتنتشر تلك الساحرة أكثر وأكثر فيزداد الحي رداءة وخمول تكاد المحال والمقاهي تخلو من زائريها سوى العجائز منهم، الصالات الرياضية صارت كمدينة للأشباح، المدارس بها قلة قليلة فبدا الحي وبعده المدينة بأكملها كحي للعجائز يفتقد روح الشباب ولعب الصغار وكأن عقارب الساعة ترجع إلى الوراء لا تسير قدمًا فالكل قابع خلف نظارته في واقع اختاره هو بعناية لم يُفرض عليه، حي جميل، سكن راقي، تنزه حول العالم بلا قيود، أصدقاء مشاهير يلبوا رغبات هستيرية لأناس مغمورين يبحثون بحثًا محمومًا عن الاهتمام وكأن حالة من الفصام أصابت الجميع فالكل يعيش مع هلاوسه السمعية والبصرية الكاذبة يهربون إلى حياة جميلة رغدة ولكنها قعيدة دون حياة، واقع جميل؛ لكنه بلا قيمة أو معنى حقيقي لأنه واقع افتراضي لم ينج منه إلا القليل ممن لم يستطع أو مُنع من تملك تلك الساحرة اللعينة.

تنقلت تلك العدوى من حي لآخر ومن مدينة لمجاورة لها ومن بلد لأخرى حتى عم الكساد وظهر الفساد وأصبحنا بلادًا للعجائز تضطرب الأرض تحت أقدامنا وتهتز ولا نبالي، بتنا في سبات عميق.

فأصبح الجميع لا يُرى إلا مساكنهم وأرضًا قفرًا حولها وكأنها أمم اندثرت لم يعد لها بقية، أو أرضًا لجمع من الأسرى تنتظر من يفك عنها أسرها ويزرع أرضًا تئن من تركها ويشيد بنيانًا أوشك أن ينقض.

وحينئذ يسطو من يزرع ويبني ولكنه لن يحرر الأسرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!