مقالات

«التواصل اللاجتماعي»

عالم الانتشار… الوصول السريع، أو ما يُسمونه «التريند» هكذا أصبحنا، هواة «السوشيال ميديا» بعالم بلا حياء، انتُزع الحياء مِنه انتزاعًا مريرًا، كل شيء أصبح على مَرئ ومسمع من الناس، إذا كنت في قعر بيتك آمِنًا مُطمئنًا فإنك سوف تزور العالم، ترى كل شيء كأنه سِباق، تتسابق الأخبار، أيًا منهم سوف يحظى برؤيتك أولًا، أصبحنا في بيوتٍ بلا جدران، عُراة من الخصوصية تمامًا، كل مِنّا يرى الآخر بعين الفضول، وانتهاك الأعراض، رُبما يحدث هذا دون رضاك، يُفرض عليك الأمر، ورُبما أنت من تحاول أن ترضى نفسك الجائعة، وإشباعها بالتسلط على ما لا يخصك أبدًا.

التواصل الاجتماعي… في دنيا لا اجتماعية بالمرة، لنقول: التواصل اللاجتماعي، هنا ستجد كُلّ ما تُريد، سيصل لك بريدك حصريًا مُمتلئًا بمعرفة كل شيء، تسافر دون تقديم خطوة واحدة منك، عيناك فقط، وعقلك أيضًا، سترى الجيد والردئ، المعروف والمُنكر، الصفة وناقضيها، هنا وهناك، البعيد كل البُعد عنك، والأقرب منك بلدًا، ومسافة، -ودمًا- إن أمكن.

هنا عالم التواصل اللاجتماعي، حيث كل شيءٍ مُباح، لك الحرية في انتهاك وخدش ما تريد، ليس فقط أنت، رُبما غيرك من يريد ذلك، هنا حيثما الحقيقة، أو الخداع، فاخلع قناع الشفقة والامتناع، وارتدي قناع الكَذب والتطبيل، هُنا الشارع ونبضه، أركانه وبيوته، هنا خريطة كل تائه، وطريق كل باحث، ووصول كل عابر.

تأخذنا تلك المواقع من التزاحم إلى الانفراد، من الأُلفة إلى الوحدة، أصبحنا نُدمن الهواتف إدمانًا يَصعب البُعد عنه، يتدفق في قلبك شهوته، تلك الفريسة التي لا تشبع أبدًا، تجتمع الأُسر والعائلات، وبدلًا من أن نجتمع سويًا ونتبادل الأفكار والرُؤى، نمزج ونتسامر، نجلس جلسةً نغسل بها أرواحنا المُتعبة، نتحسس هواتفنا لنتصفح عما نريد، فتأخذنا وتأخذنا إلى ضياع يُغيم على عقولنا، ننسى به أنفسنا، كغزوٍ مسلحٍ بأسلحة فَتاكة، عدوٌ ماكر مرتدي ثياب الوِد والحُب.

يلفظ العالم شيئًا، فترى رواد السوشيال ميديا يمضغوها كالعلكة كُلٌّ يُشارك في مضغ تلك العلكة، إلى أن تذهب رِيحُها وتهدأ، فَتُرمى وكأن شيئًا لم يكُن، أصبحنا نُعبر عن مشاعرنا عبر تلك المواقع، ليكون اطمئنَانُّا بواسطتها، كُسالى غير مبالين لشيء، غير مبالين لتلك الحرارة المُتولدة، والبهجة الظاهرة في عيون من نحبهم ويحبونا -هي فقط من تستحق القراءة والمُشاهدة- هُدمت اجتماعيتُنا، ورُفع بعدها شعار الانفراد.

لا أعلم، أهي بالمنفعة التي تفيدنا حقًا، أم بالشر الذي اعتدنا عليه وأصبح مُرحبًا به، لكن مؤكدًا أن ضَرها أكثر من نفعِها.
أنا لا أُنكر قيمتها، ولا أُهدم نفعِها، لها بعض المميزات، فحينما تذهب إليها فارغًا، جاهلًا من معرفة شيء، ترُده لك أضعافًا، هي ربا مُحلل التعامل به، فتعرف وقتها أخبارًا لها قيمة تُفيد الفرد والأسرة بل والمجتمع، تتعلم منها أشياء عدة، تفتح لك آفاقٍ جديدة وتُزيد لك الخبرة والإدراك وقوة الحُجة، تدرك كيف كان العالم بالأمس، وكيف سيكون اليوم، دون أي تعبٍ ومشقة.

لكن كُثر فيها الضياع، وبَعدت الأُلفة، أصبحنا لا نكترث للوحدة، بل في بعض الأحيان نُريدها.
تُصيبنا المواقع تلك بتعلم السرقة، سرقة الإنسانية، سرقة الحياء وكشف العورات، سرقة الوقت، سرقة التجمعات العائلية التي اعتدنا عليها، سرقة الهزيمة، سرقة الثقافة ورحلة البحث والاستكشاف، وأخذ طريق البساطة باللجوء إليها.
هي السيف ذو الحدين قطعًا، فمرة تُفيدك وتكون لك صديقٍ جيدٍ مُتنقل، ومرة تقتلك وتسلُب منك حياتك المليئة بالشغف والمرح.
فمرحبًا بك في عالم التواصل اللاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!