ابداعات

طمأنينة اليأس

هاجر متولي

إن أسوأ ما يصيب المرء هو فقدان الطاقة تجاه الأشياء التي سعى للحصول عليها… فقدان الطاقة في التحدث مع الأشخاص المقربين لقلبه، فقدان الطاقة للمناقشات والمحادثات الطويلة، العتاب واللوم على الأشياء التي تزعجه وتثير غضبه، وفقدان الطاقة حتى على التعبير عن المشاعر الجميلة كالأمتنان والحب.

في الغالب هو لا يقصد العزلة أو تجنب الناس… في الغالب تأتي فترات على كل شخص حتى إيماء رأسه يصبح جهدًا قد لا يتحمله.

جميعنا بلا استثناء نمتلك تلك السمة المزعجة، الجميع يفكر في تغيير الآخر، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه، الجميع ينشغل بأخطاء الآخرين، ويعطي المبررات لأفعاله، الجميع يرى السوء في كل خير، وكأن الخير زال من الوجود بأكمله.

‏أعتقد أن اللّطف هي الصفة الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان، أنا أضعها في المقدمة، قبل الشجاعة أو الكرم، أو أي شيء آخر، وقد يعتبرها البعض نقطة ضعف فينا، ولكن لسنا بحاجة إلى تغييرها بل يُمكننا اختيار من نشاركهم معهم بعناية.

ثم إياكَ أن تحزن على فوات الأشياء… هناك أشياء كان ينبغي لها أن ترحل إلى الأبد، وهناك أشخاص كان ينبغي لهم منذ زمن أن يعودوا غُرباء، وهناك مواقف مَريرة كانت لابد أن تمر عليك لتصبح أقوى في مواجهة غيرها فيما بَعد، وهناك فرص لابد وأن تضيع لأنها لو لم تَضِع؛ لَضِعتَ أنت، وهناك أيام لابد أن تَخلُو عليك حتى تعلم قيمة الأيام التي سوف تَحنُو عليك.

لا تنظُر لكل ما كان مُرًا على حقيقته؛ بل انظر إليه على ما أدى إليه، وما غَرسَ فيكَ مِن بعده، وما أنقذكَ مِن الوقوع فيه، وما سوف يفتح مِن بعده مِن أبواب كانت غائبةً عن أَعيُنِك، فلولا إصابتك بنزلات الإعياء والمرض صغيرًا لما تكوّنَت مناعتك ضِدها الآن فأصبحت تمر بها كل لحظة ولا تؤثر بك!

ثم واللهِ لو أنكَ لم تخرج مِن كل درسٍ قاسٍ في دنياك إلا بأجره عند الله، لكفاك ذلك وزاد، وتذكر عند كل فَقْد “فَأرَدنَا أن يُبدِلَهُما ربهما خيرًا منه، واللهُ يَعلمُ وأنتم لا تَعلمون”… فلا يُمكن أن تعاني فَقْدًا دون أن تنال عِوَضًا بعده يشفي لهيب روحك.

أجمل شعور يمكن أن تشعر به ليس السعادة، بل انتهاء الحزن.

تستيقظ وأنت تشعر بالراحة، وقلبك لا يؤلمك، ورأسك خالٍ من التفكير والألم… تُمارس يومك ببالٍ مرتاح وخِفَّة بعدما أزاح الله حِملك الثقيل عن ظهرك… أصبحت أخيرًا مستعد للعيش وممارسة السعادة.

ها أنت قد نجوت من غرقك، وأصبحت تتنفس دون مجهود، اختفاء الحزن والانتصار عليه هو أجمل ما يمكن أن يشعر به الإنسان الحزين… بدايةً مِن شعور السكينة بقضاء الله والتسليم له، نهايةً بدمعة مِن عينٍ قريرة بچميلِ رزقِ الله الواسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!