قصص

بِبلُومَانية

بقلم/ ابتهال أشرف محمود

الببلومانيا أو هوس جمع الكتب، هو نوع غريب من الهوس، يطلق على من لديه مكتبة كبيرة تفيض بالكتب، لكن لا يشترط المهووس نوع محبب من الكتب، إنما يود امتلاك أي كتاب، تحت ذريعة أنه يمكن أن يحتاجه في المستقبل، فهو لا يتحمل رؤية كتاب ليس ملكًا له”.

دوَّنت تلك الكلمات بمذكراتها ثم أدخلتها بحرص داخل حقيبتها وكأنها وليد تخشى عليه أمه من بطش نسمات الرياح، تسير خطواتها عائدة إلى منزلها بعد كم المحاضرات التي تلقتها اليوم، نظرت إلى ساعة يدها باطمئنان فما زال لديها ساعتان لموعد العودة، وقدوم سيارة عمها لنقلها، غيرت وجهتها إلى أحد المكتبات بطريق الجامعة.

دلفت إلى المكتبة ذات الطابع القديم، رائحتها كأنها تحييها بعبق الكتب، لطالما أحبّت الجلوس مع الكتب، عالم آخر تعيشه وتجوب أوراقه إلى أن تنتهي رحلته مع قلب آخر صفحاته، همّت بسحب أحد الكتب من الأرفف؛ لمطالعته إلى أن قاطع تسلسل أفكارها مع عالم آخر صوت أمينة المكتبة قائلة بابتسامة لا تكاد ترتفع معها وجنتاها: أي مساعدة؟تنحنحت هيام حرجًا قائلة: جئت فقط أتفحص الكتب.

قالت الأمينة بنبرة روتينية وهي تنظر للكتاب الذي بيدها: يجب عليكِ أولا عمل بطاقة عضوية؛ لتسمح لك المكتبة بالاستعارة.

ابتسمت لها هيام قائلة: نعم، سيكون أفضل، ثم تابعت: هل لديكم هنا كتاب عن هوس الكتب، “الببلومانيا”؟

عقدت حاجبيها مُرددة: الببلومانيا! لا أظن أن لدينا كتاب في هذا الشأن، ثمّ تابعت بنبرة شابها طفيف من الود: لكن سأبحث لكِ عن كتاب قد يفيدك في نفس الأمر، أبي صاحب هذه المكتبة سأسأله وأجده لكِ.هزّت رأسها بابتسامة علامة الموافقة، فبادلتها الأمينة إياها وهي ترجع إلى مكتبها وتبحث في قائمة الكتب، عاودت هيام النظر إلى ذاكَ الكتاب الذي بيدها، كان عُنوانه جذابًا بشدة لها “المواجهة”، بدأت بتصفح إهداء الكتاب فوجدت عبارة كُتبت، فحواها: “إلى أولئك الذين أرادوا فرصة للمُغامرة، إلى أولئك الذين أجبرتهم الظروف على الواقع، إلى أولئك الذين يقرأون كلماتي الآن، هل أنتم مُستعدون لرحلةٍ إلى الخيال؟”

فكّرت مع نفسها قليلًا، هل تبدأ بقراءته وتنسى واقعها قليلًا؟ تنسى ذاكَ الهم الذي تُعانيه مِن عمها الذي لا يسمح لكتابٍ أن يدخل البيت غير كتب الدراسة، كل يوم تنهي فيه محاضراتها بكلية الصيدلة، تسرع إلى مكتبات متنوعة لتقرأ أي شيء دون علمه، اقتناء كتاب أصبح ممنوعًا بعد وفاة والديها بذاكَ الحادث، لا تعرفُ ما العلاقة؟ كأنّ الكتب جريمة! نظرت إلى ذاك الكتاب الذي بيدها متأملة عنوانه مِن جديد “المُواجهة”! ياليتها تستطيع المواجهة، وإخبار عمها بأنّ الكتب لا تقتل صاحبها، بل الكتب هي خير صاحب، تحمست للفكرة وبدأت بالقراءة…

«رجلٌ تخطى عُمره الستين، يجلس على ذاكَ الرصيف الموجود بأطرافِ المدينة، أمامه عدّة كتب معروضة، يبيعها، لا يرتدي سُوى جلبابًا مُرقع، ذهبت تلك الفتاة تجاهه قائلة: مرحبًا عمي، ثمّ أشارت إلى أحد وبركاته بحماس وهي تسأل: كم ثمن هذا الكتاب، جيد أنني وجدته هُنا

أعطاها الرجل ابتسامة مهزوزة وهو يقول: أتقصدين الكتاب الذي صابر سعيد مؤلفه؟

هزّت رأسها قائلة: نعم هو ذاك.نكس رأسه وفرت دمعة من عينيه سرعان ما قام بمسحها وهو يقول بصوت متشنج: بخمسةِ جنيهات ابنتي تعجبت الفتاة فقالت باستنكار: خمسة جنيهات! فقط؟ أتعلم كم لهذا الكتاب من فائدة؟

إنه موسوعة بحدِّ ذاته لم تقوَ دموع الرجل على الصمود أكثر؛ فسقطت، والفتاة تنظر له بتعاطف متعجبة: أنا أعتذر لك إن كنت السبب في تلك الدمعات

الرجل: كيف لا أعرف كم لهذا الكتاب من فائدة وأنا قرأته بدل المرة الآلاف.

الفتاة بحماس: حقْا!

إذًا لِمَ تبكي عمي، هل كان يقرب لك ذاكَ المؤلف؟قاطع تساؤلها صوت رجلًا آخر يسأله وهو لم ينتبه لتلك الواقفة: هل ستظل تجلس تبيع كتبك يا صابر أملًا في إيجاد قارئ لها، مِن أين ستدبر قوت يومك؟الفتاة بصوتٍ عال للرجل المُسن: هل اسمك صابر؟!

الرجل الآخر وقد تنبه لها: إنه صابر سعيد بنفسه، ذاكَ المؤلف الفتاة بصدمة ألجمت لسانها: غير معقول!

ثم تساءلت بتأثر: كيف لكاتبٍ عظيم مثلك أن يكون هذا حاله؟

كان صابر لا يقوي على الحديث وهو يتذكر دوامات الحياة، التي لا تُنصف أبدًا، يعلو فيها شأن السفيه، ويْذل فيها العالِم».

رناتٌ متتابعة لهاتف انتشلتها،ِ ثمّ لم ترى سُوى دوامات أمامها، أغمضت عينيها وهي تعلم جيدًا أنّ الرحلة انتهت وآن الأوان للعودة، وجدت عمها هو المتصل، ابتلعت ريقها، وكانت ستتراجع إلا أن شيئًا داخلها حثّها؛ فأجابت بثبات: نعم عمي عمها بخوف ظهر جليًا في صوته: أين أنت؟ لا أجدك في الجامعة قرابة الثلاث ساعات وقلقت عليك.

نظرت إلى ساعة يدها بذهول، رأت عقاربها تدق السابعة مساءً، قالت في نفسها: يا إلهي لقد تأخرت!

عمها بقلق: هيام، هل أنتِ بخير؟لم يأته ردها إلّا بعد بضع ثوانٍ وهي تقول بصدق دون تهرب من الحقيقة: أنا في المكتبة عمي.

وكأنّ قولها بمثابة الزر الذي تفجر معه غضبه، زجّ بأسنانه قائلا: أعطيني العنوان، ولم تمضِ عشر دقائق إلا ووجدته أمامها، وفور أن رآها احتضنها قائلًا: هل أنتِ بخير بُنيتي؟نظرت له بأعين دامعة قائلة: لا، لست كذلك عمي، لست كذلك وأنت تعلم أنني لن أكون إلّا بجوار الكُتب.

مسح على رأسه بغضب قائلًا: لم أرد لك اقتناء الكتب لذاكَ السبب.

هيام بضيق: إلى متى؟ ذاك لَم يكن أبدًا حلًا!

نكس رأسه قائلًا: حانَ الوقت لتعلمي، لربما لا تذكرين جيدًا، فقد كان ذلك وعمرك قبل عشرة أعوام، كنتِ صغيرة، وكان لديك عشقًا غريبًا بجمع الكتب وقراءتها، حتى أن أباكِ عاونك على ذلك، فكان يأتي معك كُل جمعة إلى المكتبة، هيام، أنا كنت أنصحه دومًا ألا يجعلك مدمنة بالكتب مثله، عليه أن يقلل قليلًا من ذاكَ الهوس، الحياة ليست كتب! لكن هيهات لم يستمع لي، ذاك اليوم الذي توفى والديكِ فيه، كُنّا قد خرجنا معًا يومها، وتركناكِ مع جدتك، كان هو الذي يقود السيارة ووالدتكِ بجواره، ثمّ رأى كتابًا كان يبحث عنه كثيرًا، وجده بِجوار رجل مُسن يجلس على الرصيف في الشارع الموازي، كان يحول برأسه تجاهه ولم ينتبه لتلك السيارة التي كانت قادمة بعكس الاتجاه ثمّ حدث ما حدث، ونجوت أنا بأعجوبة، عقدت العزم حينها أنْ أكون المسؤول الوحيد عنكِ، وألا أجعلك مصاحبة للكتب؛ لأنها قاتلة، تلك الكتب قتلت والديكِ ألا تفهمين؟

هيام وهي تضع يديها على أذنيها: لا، تلك ليست الحقيقة، ثمّ رفعت رأسها بأمل قائلة ودموعها تتلألأ في محاجرهما: الكُتب حياة للفكر، للقلم، للأمة، لقد رامَ الجميع السفه؛ فكثر طلابه يا عمي، عليّ أن أقرأ.

نظر لها عمها بأسى في محاولة إقناعها، وهو يتذكر أخاه، وكيف كان لا يقبل أبدًا أن يخطئ أحد في حقِّ الكتب وكأنها بشرًا! عندما وصل بتفكيره إلى تلك النقطة عرف جيدًا أنّ عقدة الكتب التي أصابت أخاه ليس لها علاج، وها هي هيام تواجه نفس المصير الذي حاول إبعادها عنه حتى ولو كانت طريقته خطأ، نفس الهوس يراه بعينيها، هو ذاكَ الهوس الغريب.. هوس الكتب.

كان يهمُّ بقول شيء ما عندما وجد فتاة مقبلة عليهم، كانت تلك أمينة المكتبة، التي قالت أخيرًا بحماس كأنها وجدت ضالتها: هيام، ها قد وجدته، رفعت بيدها كتابًا، لقطت هيام عنوانه “الببلومانيا”

ابتسمت لها هيام ثمّ اتجهت نحوها قائلة وهي تلتقطه بحب هامسً: سأشتريه، كم ثمنه؟لم تلتقط أذنا عمها قول أمينة المكتبة لها إلا أنه وجد هيام تأخذه بابتسامة، والتفتت للخلف بضع خطوات وهي تشير لعمها أنْ يغادرا، هي تعلم كم أنّ الأمينة تعبت لأجل إيجاده.

لم تكد تخطُّ خطوتين حتى تفكرت في نفسها كيف أنّ الأمينة لم تطلب له ثمنًا رغم أنه النسخة الوحيدة، وتؤكد عليها أن تعطيه إياها عندما تُنهي قرأته بالمُقابل، وقفت هيام لها فجأة قائلة: هل أنتِ مُصابة بهوس الكتب؟ارتسمت ابتسامة على شفتي الأمينة، ابتسامة كانت كفيلة بايضاح كُل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!