قصص

الحيوات المتعاقبة

بقلم: رحمة خميس

عام 1911 باريس..
جلس على مكتبه يحتسي قهوته المفضلة، يحاول تصفية ذهنه بعدما أفرغ من كتابة آخر مؤلفاته ألا وهو “الحيوات المتعاقبة”، شعر بالاجهاد النفسي والعقلي بعد كتابته واستنزف بداخله الكثير، على الرغم من كونها رواية كباقي كتاباته التي يتعمق بها.

دخل عليه سام صديقه وأقرب شخص إليه متلهفًا، بعدما أخبره ألبرت أنه انتهى من كتابة “الحيوات المتعاقبة”، فجاء مسرعًا لم يتحمل الانتظار أكثر، فدخل وجلس يتحدث بلهفة قائلًا: هل هذا صحيح كولونيل ألبرت؟ انتهيت من آخر مؤلفاتك أخيرًا.

تنهد ألبرت براحة قائلًا: وأخيرًا سام لقد انتهيت، هل تريد أن تقرأ؟
مد سام يده بلهفة يتوق لأن يقرأ الرواية؛ لحبه الشديد لمؤلفات الكولونيل ألبرت دي روشا، الذي كان يعمل كمدير للمدرسة الفنية العسكرية بباريس، وتقاعد ثم بدأ بسرد ما يجول بخاطره، وبنفس الوقت اشتهر في ذلك الوقت بأنه رائدًا في البحث الروحي في العالم.

أعطاه ألبرت بعض الأوراق لقراءتها، فأمسك سام بها بلهفة ليبدأ بالقراءة.

الفصل الخامس (تناسخ الأرواح)

عام 1905
الحالة رقم 11
الاسم: روچيه دي نيول
السن: 39 عام
الحالة: ثقافتها ضحلة جدًا.
التطبيق: التنويم المغناطيسي.

بداية الجلسة

الحياة الأولى (بدء الحياة)

  • أنتِ الآن ترتدّين للماضي، عُمرك الآن ثلاث سنوات، سنتان، سنة واحدة، الآن قد ولدتِ لتَّوِّك، ولكنك مع ذلك تمضين إلى الوراء، إلى غياهب الزمن والفضاء، سترين في ذكرياتك رؤى سحيقة، ما اسمك؟
  • اسمي (مادلين).
  • ماذا تعملين في السادسة عشر من عُمرك؟
  • لستُ سعيدة، يبدو لي أنني لن أعيشُ طويلًا.
  • اسمك (مادلين) ما هو اسمك الثاني؟
  • بولييه، مادلين بولييه.
  • في أي عام نحن؟
  • في سنة 1724.

الحياة الثانية (التحول الثاني)

  • أنتِ الآن في 25 عامًا من عمرك.
  • في أي عام نحن..؟
  • 1680
  • ما اسمك..؟
  • مارجريت دوشين.
  • ما اسم أبيك وماذا يعمل؟
  • لويس دوشين، صاحب تجارة بقالة.
  • وفي الثامنة عشر من، ماذا تفعلين؟
  • أُساعد والدي في تجارة البقالة، وفي الثامنة؟
  • أذهب إلى راهبات شارع “جرجوي”.
  • وعندما كنتي جنينًا في بطن أمك؟
  • الدنيا ظلام.

وهنا السيدة “روچيه” أخذت وضع الجنين وإنطوت على نفسها، ونامت كأنها جنين، لكن أكملت الأسئلة إليها.

الحياة الثالثة (التحول لرجل)

  • أنا في حياتي الخامسة، رجل، مولود في “مونتمورانسي” في (أستراليا) في العام 1493، أزرق العينين، أشقر الشعر ووسيم، انضم للحرس الملكي وشارك في حروب ضد السويسريين.
  • ومن أنت وماذا حدث لك؟
  • أنا جندي أسترالي قُتلت بطعنة حربة.
  • وفي أي مكان أُصبت بجُرحك القاتل؟
  • في مارينيان في عام 1515.
  • وفي أي جانب كُنت تحارب؟
  • مع الفرنسيين، وتحت إمرة فرانسيس.
  • فرانسيس من؟
  • فرانسيس ملك فرنسا.
  • وما اسمك؟
  • ميشيل بيري.
  • ومن كنت تُحارب؟
  • أولئك السويسريين الخنازير.

إفاقة واستراحة ثم تنويم مرة أخرى للذهاب لأبعد حد ممكن.

الحياة الرابعة (ضباب)

  • أين أنت الآن؟
  • مع أسرة الكونتس چين، في عام الرب 1402.
  • ومن أنت؟
  • أنا مُدّرس، وأبلغ من العُمر 18 عامًا.
  • وما اسم ملككم؟
  • لستُ مُتأكدًا منه، ولكني أعتقد إنه الملك فيليب لي بون الطيب.

استكمال…
الحياة الخامسة (راهبة)

  • أنا رئيسة دير والعام 1010 وعُمري الآن ٨٧ عامًا، وأعتقد أن نهاية العالم قد اقتربت.
  • هل تستطيعين أن تُخبريني عن اسم الملك؟
  • أنه روبرت الثاني.
  • وحينما كنتِ في السبعين من عُمرك، من كان الملك؟
  • كابت Cabet.
  • وفي الستّين؟
  • لويس الرابع.
  • وفي سن الـ 36؟
  • لويس الرابع أيضًا، ويقولون أنه رجل ليس جميل المنظر، فهو سمين متورّم لم أره قط.
  • وحينما كنتِ في سن الـ 24، ماذا كانت السنة؟
  • 947 ميلادية.
  • ومن كان الملك؟
  • لويس الرابع.
  • وحينما كنتِ في السن الخامسة عشر؟
  • هو نفسه لويس الرابع.

استكمال..
الحياة السادسة (زيوس)

  • من أنت الآن؟
  • قائد الفرنجة، وقد أسرني أتيلا في شالون سيرمارن، وهناك أحرقوا عيني.
  • في أي سنة؟
  • 449.
  • هل تعتقد في وجود الإله؟
  • فوقنا من نسّميه زيوس.
  • وكيف تعبدونه؟
  • نضحّي له بالرجال فنحرقهم أحياء.

آخر جلسة
الحياة السابعة (روما)

  • أخبرني عن نفسك.
  • أنا أحد حرّاس الإمبراطور بروبوس.
  • وأين كان هذا؟
  • في روميولوس (روما) من العام 279 بعد الميلاد.
  • وماذا كنت تصنع في سن الخامسة والعشرين؟
  • كنت أقيم في تورينو مع زوجتي.

مرت ساعة بأكملها يقرأ سام، وبعد انتهاؤه من القراءة قال بصدمة: لقد قلت لي بأن هذه الرواية ستكون عن تجاربك مع الأشياء الغامضة.
ضحك ألبرت وتنهد ثم قال: نعم سام، لم تقتنع بما كتبته صحيح؟
استنكر سام قائلًا: لا، ليس هكذا، لكن الموضوع غريب نوعًا، ولم أسمع عنه من قبل، كيف يوجد شيء كهذا؟ إنني أول مرة أسمع عن شيء يُسمى “تناسخ الأرواح” أو الحيوات كما ذكرت.

قاطعه ألبرت قائلًا: لكن هذا ما حدث، عليك التصديق من عدمه سام، أنا لم أجبرك على القراءة.

رد سام فورًا: لا، لم أقصد ذلك، لكن هذا الموضوع جديد، سوف تثير الجدل بذلك ألبرت، ماذا لو ثار الناس ضدك، وأنت كاتب كبير ولك شهرة واسعة ومؤلفاتك تتحول لترجمات كثيرة.

زفر ألبرت أنفاسه بضيق ثم قال: لا أعلم ماذا سيحدث، لكن هذا ما أردت أن أثبته، بوجود فكرة تناسخ الأرواح.
فكر سام قليلًا ثم قال: لكن كيف اخترت الأشخاص وخاصة روچيه؟

قال ألبرت: أنهم أشخاص ذوي الحساسية المرهفة، أو ممن يسمون لديهم المَلَكَة، أو كما نقول بالعامية ” أصحاب الكرامات”
تسائل ألبرت باستغراب: وهل وافقوا على جلسات التنويم المغناطيسي بهذه السهولة؟

ضحك ألبرت وقال بسخرية: أنهم أشخاص بسيطون للغاية، ليس لديهم خلفية عن تاريخ باريس أو التاريخ العالمي، ليسوا مثقفين كفاية حتى يضحكون عليّ.

وضع سام يده على المكتب في محاولة للتفكير: لكن حالة السيدة روچيه كانت غريبة بشكل يُحير العقل، كيف لديها هذا الكم من الحيوات، وكيف أن الأشخاص والتواريخ قامت بذكرهم بهذه الدقة؟

احتسى رشفة من كوب القهوة
وقال: إن روچيه كانت كنز بالنسبة لي؛ بسبب الحيوات التي كانت تعيشها، عندما يراها الناس ويصدقون بأن روچيه ليست شخصية خيالية سوف ينبهرون، ولكن هذا طبيعي بالنسبة لحالتها لقد تذكرت أدق التفاصيل، وبعد مقارنتها بالواقع تمت مطابقتها له، لكن هناك أحداث قليلة جدًا ذكرتها ليست صحيحة، لكن ذلك طبيعي بالنسبة لحالتها بما أنها تذكرت كل هذه الشخصيات الذين مر عليهم مئات السنين.

تاه سام لوهلة عن الواقع في حالة روچيه ثم قال: لا أستطيع التصديق بوجودها، أريد أن أراها.

ترك ألبرت كوب القهوة بعدما انتهى منه قائلًا: ليس الآن سام، والآن قل لي هل تتوقع ردة فعل العامة ستكون جيدة؟

تحرك سام من مقعده وظل يفكر قليلًا ثم قال: سوف ينقسمون لفئات، بمعنى أنه سوف تكون هناك فئة تؤيدك، وفئة تعارضك وبشدة، وفئة ستعارضك ولكن إذا ظهرت روچيه في الوقت المناسب سوف يصدقونك.

تنهد ألبرت وظل يفكر قليلًا ثم تحرك من مكتبه ووقف أمام سام قائلًا: سوف تظهر روچيه بالتأكيد، لكن ليس الآن، سوف أنشر كتابي بعد شهر من الآن.

بعد مرور شهران…
في محطة الإذاعة الشهيرة بفرنسا، يجلس ألبرت أمام مذيع الراديو، بعد الضجة التي حدثت بعد نشره لكتابه “الحيوات المتعاقبة” وظل الناس يتهمونه بالساحر أو المشعوذ.

يجلس بكل هدوء وثبات أمام المذيع الذي بدأ يبث حلقة البرنامج المنتظرة قائلًا: نحن الآن أمام حالة إبداعية رائعة فريدة من نوعها في عالم التأليف وكتابة الروايات الغامضة، الكولونيل ألبرت دي روشا، الذي ذاع صيته بشكل كبير جدًا بعد إصدار كتابه “الحيوات المتعاقبة”، دعونا لا نتطرق طويلًا في المقدمة والبدء مع الكولونيل ألبرت، كيف جائت لك فكرة هذا الكتاب؟

ألبرت: إنه أمر طويل حقًا، لكن بدأت في كتابة هذا الكتاب منذ عامين ونصف، عندما قابلت بالمصادفة أشخاص لديهم الروحانية عالية، بدأت بالحديث معهم وعمل جلسات التنويم المغناطيسي، وكانت النتائج مبهرة وخاصة حالة روچيه.
قاطعه المذيع قائلًا: حالة روچيه التي أثارت جدلًا واسعًا ولم يصدق البعض وجودها، هل هي حقيقية؟

توتر ألبرت قليلًا ثم قال:
نعم أنها حقيقية، لكن لمَ يريد رؤيتها الناس؟ إنها حقيقية وكانت حالة لدي مثل باقي الحالات ولها خصوصياتها، لن أفصح عنها بأكثر من ذلك بناءً على طلبها.

المذيع: ولكن لمَ لا تريد الإفصاح عنها، وتجعل الناس تصدقك في كل ما كتبته؟
إن أراء الناس التي وصلتنا تقول بأنك مشعوذ أو ساحر، والبعض يقول بأنك مؤلف تحاول إثارة الجدل، والبعض يقول بأن روچيه حقيقية، والبعض الآخر لا يصدقك ويعتقد بأنها رواية فقط.

ألبرت: لا يهمني من يصدقني أو يكذبني، يهمني أن فكرتي وصلت للجميع، وحدث ما كنت أريده.

بعد انتهاء ألبرت من الحلقة، كان سام ينتظره، ونظر له بفخر كبير قائلًا: أنا فخورًا بك صديقي العزيز، لا يهم إذ كانت فكرة تناسخ الأرواح من منبعها حقيقة أم درب من دروب الخيال، ولا يهم إن كانت روچيه شخصية خيالية أو حقيقية، لكنك أبدعت.

ألبرت: شكرًا لك صديقي العزيز، أعلم ما يجول بخاطرك، تريد أن تعرف ما الفكرة التي أريد إيصالها.

ضحك سام ثم قال بلهفة: نعم، أنك تعرفني جيدًا، أريد أن أعرف.

أقترب ألبرت من سام وهمس بأذنه قائلًا: أردت أن يعرف الناس أنهم ما زالوا حمقى يصدقون بأي شيء يُكتب عليه مقتبس من قصة حقيقية، أنها إثارة الجدل التي كنت أريدها فقط سام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!