ابداعات

الكيميائي والدكتور ( الجزء الأول)

✍️شريف جلال القصاص

تعاني من الوسواس القهري، لديك رهاب المرتفعات أو الأماكن الضيقة، تخاف الظلام وتشعر بالجن والشيطان يحيطون بك من كل جانب، تنتظر اقتراب أجلك ونهاية عمرك، تشك في كل ما حولك ولا تثق حتى في نفسك، تمر بأزمة منتصف العمر وترفض الاعتراف بما مر من حياتك، تشعر أن أحدهم يطاردك يتجسس عليك، تعاني إحساس أن كل ما يمر بك عشته من قبل ……
لم يفلح معك كل الأطباء، فشلت كل العقاقير.

الكميائي الرجل الذي قرأ في علم الصيدلة وعلم النفس وعلم التخدير و….. لديه حلوله الخاصة التي تخلصك من كل أمراضك النفسية مهما كانت معقدة من خلال المادة المخدرة التي ابتكرها والتي تتفاعل مع كل مريض، تحل مشكلات البشر عبر هلاوس وواقع افتراضي ترتبط بما يدخره العقل الباطن ومن ثم يستطيع الدكتور أو ذلك المركب الميتافيزيقي في حلها عبر ما تصوره لمن يتناولها بما يناسب مرضه النفسي.

تنسج له حياة خيالية، حلم أشبه بحقيقة يعيشها بجسده وروحه، ثم يتذكر تفاصيله ويؤثر فيه ويتعلم منه، تُفكك له كل عُقده وتطرد أشباح تسكن ذاته تمنحه العيش في حالة سوية، تعزف على أوتار خلايهُ المريضة اللحن المناسب لتخرج مقطوعة موسيقية تهدء بها نفسه المضطربة وتَسكن بها روحه القلقة، أطلق الكيميائي أو (رياض المرداسي) على تلك المادة اسم الدكتور.

ملحوظة: لا تحاول البحث عن الكميائي فهو من سيجدك ويجعل الدكتور الخاص به يسري في دمك لتعيش تجربة فريدة تخلصك من مرضك للأبد لكن حذاري فعليك تحمل مسئولية الأعراض الجانبية التي قد تكون الموت.

١- سجن ابو زعبل وذكريات الكميائي.
أبريل ١٩٦٥
داخل سجن أبو زعبل العتيق خيم الهدوء على كل العنابر، لا يسمع غير أصوات مراسم تسليم خدمات الحراسة بين العساكر، كانت نسمات من هواء الليل المذعورة تطوف بحذر بين العنابر_ وكأنما تخشى مخالفة قوانين السجن الصارمة؛ وتعاني مثل باقي المساجين من زبانية ذلك الجحيم لاسيما الحبس الانفرادي اللعين.

استقرت نسمات الهواء داخل الزنزانة رقم ٧ والتي يطلق عليها السرايا، مقر أصحاب الحظوة ممن يعاملون معاملة خاصة نسبيًا؛ نظير ما يقدمونه من رشاوي مادية وعينية لمسؤولي السجن من عساكر وصف الظباط بل وبعد الظباط من مختلف الرتب.

برغم أنها تعد الأكبر في مساحتها إذ تبلغ مساحتها ستون مترا، وبها حمام نظيف نسبيًا وتتوفر فيه المياه غالب الوقت، غير أنها لا تضم غير ٩ مساجين ولا تخلو من الممنوعات – سجائر وأجهزة مذياع صغيرة ….- فهي أشبه بحجرة في أحد فنادق العتبة الرخيصة، جدرانها من الحجر المكسو ببعض الملاط الذي يبدو مثل البقع، تظهر لأصحاب الخيال الواسع أشكال أقرب إلى سمكة ضخمة أو فيل له خرطومين.

بينما كان جميع المساجين يغطون في نوم عميق، جلس(نضال المرداسي) أو الكيميائي- الرجل الذي على مشارف الأربعين، ويميل لطول القامة بشرته قمحية تميل للسمرة، شعره أسود و مموج فيه خصلة بيضاء في منتصف رأسه يراها الأكثر منه طولا، عيونه عسلية وحاجبيه دقيقين، أنفه رفيعة بها آثار كسر تعرض له في طفولته- يفكر وهو يعبث بشيء أمامه.

فقد استقبل زيارة من أصدقاءه القدامى- تجار المخدرات-ظهيرة ذلك اليوم، تناول محتوياتها- والتي تم تفتيش كل ما فيها بدقة، حقائب الملابس، أكياس الطعام ولفافات الكتب التي طلبها بينما يستمع إلى المذياع والذي كلفه تهريبه داخل الزنزانة قاروسة سجائر كاملة للشاويش (عوض) الرجل الفظ سليط اللسان الذي لا يملك غير وجه دميم وعبوس، وكأنما تم اختياره بعناية كمسخ يبث الرعب في نفوس المساجين.

كانت ام كلثوم تشدو رائعة أحمد شوقي عبر جهاز الراديو الصغير بحواره، (ولد الهدى فالكائنات ضياء) بينما نضال يبحث في محتويات الزيارة عن شيء أُُخفي بعناية! ويدندن معها بصوت خفيض

أسرع الشاويش (عوض) باتجاه نافذة الزنازنة مصدر الصوت، وأطل منها في غضب وانفجر يسب (نضال) بسيل من الشتائم التي يتقنها، ثم قال له في تهكم:
تظن نفسك في مقهى يا إبن المداسي.
رد عليه نضال وهو يكتم غيظه:
تقصد (إبن المرداسي) ياشاويش ثم أردف سريعًا- قبل أن يزداد غضبه وقال:
تفضل ياشاويش علبة السجائر تلك، هدية أتت لي من زيارة اليوم وهي لا تغلوا عليك.

لم تغير تلك النفحة- العملة الرسمية المعترف بها داخل جدران تلك القلعة الحجرية المقيتة- من ملامح الشاويش، فقام بانتزاعها من يده دون كلمة شكر، واكتفى بمطالبته بأن ينام سريعًا ويغلق المذياع.

بعدها أدار ظهره منصرفًا ثم التفت ليقول:
سوف يمر المأمور غدا لتفتيش العنابر، إذا أردت ألا تبقى هنا باقي عمرك تخلص من أي ممنوعات معك، ثم مد يده إشارة إلى أنه يقبل أن يستولي على أي منها معه، شكره (نضال) على هذا الابتزاز السخيف واغلق المذياع، وتظاهر بالنوم حتى ينصرف الشاويش.

بعد عشر دقائق، وبعد أن استشعر نقاء الهواء من جديد وخلوه من رائحة الشاويش الكريهة، اعتدل ليعاود ماكان يفعله، تناول الكتب التى طلبها ووافقت عليها إدارة السجن واحد بعد الآخر وشرع في تفتيشهم بل واستجوابهم كي يبوح أحدهم ويعترف بإخفاء مايبحث عنه داخله.

فتح كتاب في الطب الشعبي فر صفحاته بدقة، ثم انتقل الى كتاب في علم النفس، لم يجد ما يبحث عنه في البداية، لكنه لاحظ في عنوان الكتاب خطأ إملائي بسيط، لكنه لا يصدر عن دار نشر متواضعة فضلًا عن واحدة من أكبر دور نشر في العالم العربي، قرب غلاف الكتاب من أنفه كانت الرائحة التي يبحث عنها خافتة، لكن أنفه المُدرب عليها ميزها بسهولة.

ابتسم وهو يلوح بيديه، ثم مزق الغلاف وقام بفركه ثم كومه، لم يستطع أمن السجن برغم التفتيش الدقيق اكتشاف المواد المخدرة المهربة ببراعة والتي صُنع منها نسخة مزيفة من دفة الكتاب، ضم أجزاء تلك المواد المخدرة بلونها البني الكئيب، فكونت كومة في حجم قبضة اليد، عجنها وأضاف إليها قطرات من زيت الطعام والذي كان يستخرجه من طعام السجن فصارت متجانسة.

قام بطحن شريط دواء (توفرانيل) المضاد للاكتئاب لكنه أراد الاستفادة من أعراضه الجانبية المتمثلة في التشويش والهلاوس، ثم خلطها بعشبة نبتة (العرن المثقوب) التي تقوم بزيادة مستويات هرمونات السعادة في الجسم، ثم وضع نفس القدر من عشبة (الجنسنج ) لتقليل مستويات التوتر، ثم أضاف نبتة نادرة تنبت في وديان جبل الطور في سيناء، أطلق عليها (نبات الوهم الحقيقي) يقال أن الجن هم من قاموا بزراعتها.

وأخيرًا تحقق حلمه، أعاد تكوين التركيبة الوهمية بعد تعديلها واستطاع أن يقلل أي أثر جانبي لتصبح مثالية، ولم يبقَّ غير تجربتها، وأسرع في تقسيمها إلى قطع صغيرة ثم أخرج علبة حلوى عبارة عن بسكويت محشو بالشكولاته، كانت ضمن الزيارة ثم قام وبعناية شديدة بتحرير أحد طرفي البسكويت من كل قطعة ليضيف الى مزيج الشيكولاته بعض من مادته اللذي أتم صنعها ومن ثم أعاد قطع البسكويت لهيئتها الأولى، استغرق في ذلك ربع ساعة تقريبًا، عندها كانت أم كلثوم مازالت تغني، ولم يشعر من فرط سعادته بنفسه
وردد بصوت عال معها وهي تقول:

والحرب عندك شرعة وفريضة
ومن السموم الناقعات دواء.

كان الصوت مرتفع خاصة مع سكون الليل، ما جعل الشاويش عوض يسرع إليه وقرر أن يدخل الزنزانة فقد شك أن رياض يقوم بشيء ما، ربما يخطط للهرب، لم يكترث رياض لذلك بل رحب به بعدما تظاهر بالخوف ثم قام باهداءه علبة الحلوى بعد أن احتفظ لنفسه بالقليل منها.

أبتسم صاحب اللسان القبيح وهو يمني نفسه في استخدام تلك الحلوى الفاخرة رشوة لرؤساءه للحصول على حظوة عندهم، بينما كان رياض يمني نفسه بصباح ترتفع فيه الستار عن عالم جديد من نسج خيال الشاويش عوض يتأكد فيه من مفعول المادة السحرية أو الدكتور.

دس رياض باقي الحلوى في جيبه بينما شرع يتذكر – ما كان قبل ثلاث سنوات- منذ حكم عليه بالسجن المؤبد بعد اتهامه بقتل زوجته، ثمان وثلاثين شهرًا وهو يحاول تحضير ذلك المركب العبقري.

غاص بذكرياته بعمق وتسلل خلف أسوار السجن، وعاد به الزمن إلى بداية زواجه كم كان يحب زوجته! بل إن شعوره نحوها تخطى كل معاني الحب، عاشا أربعة أعوام من السعادة، ما كان ينقصهما غير ثمار ذلك الحب، لكنهما حرما من الإنجاب وسرعان ما دب الشقاق بينهما بسبب ذلك.

غلبت رغبة الأمومة لزوجته (نرجس) على شغف عشقها لزوجها؛ صارت تختلق المشكلات، كان يلتمس العذر لها في البداية ثم سقطا في الضغينة والخلاف المستمر، هرب من ذلك إلى وهم مخدر الحشيش ثم انتقل لبعض الأدوية المخدرة ثم خلط بينهما.

بعدها استغل علاقته بقريب له من جهة والدته يعمل في العطارة وعرف منه أسرار الأعشاب البرية النادرة في صحراء سيناء وإشاعات عن تلك النبتة التي تسبب الوهم المرتبط بالعقل الباطن، والتي لا تنشط إلا من خلال نسبة عالية من المواد المخدرة، ونتيجة لما يطلق عليه حظ المبتدئين، جمع خليط من الحشيش مع نبتة الوهم ونبته أخرى تنشط الأدرينالين في الدم وبعض من الحبوب الكيميائية الأخرى.

كان يضرب ضرب عشواء دونما قصد معين لكنه سقط على كوكب لا يمكن الوصول إليه إلا عبر مركبة تخترق الزمكان من خلال تلك الخلطة الرهيبة الخيالية التى تمنحه سعادة متوهمة، وواقع افتراضي مجسم، كانت التفاصيل في كل مرة غريبة لكنها دقيقة ومقنعة.

كان كل شيء في هذه الوصفة مثالي؛ لتحقيق وهم من نوع خاص، يخرج مشاعرك يفصح عن رغباتك، يفضح أبعاد نفسك المستورة خلف ستائر شخصيتك المعلنة.

ويصنع لك عالم خرافي اسطوري لكنه محكم البناء مترابط، مقنع بصورة لا تصدق وكأن عقله الباطن تحول إلى مؤلف وكاتب سيناريو ومخرج عالمي.

يصنع من الشخصيات التي أمامه أبطال تلك القصة يكسو ملامحهم بمساحيق من نسج أفكاره لتناسب الدور المرسوم لهم، يختلف جوهر المكان وتتبدل الألوان وتتغير قطع الأثاث، ولربما تغير الزمان وتمدد الوقت أو ينكمش، كل ذلك دونما خلل أو خطأ.

اعتاد تناول دواءه ذاك- المسكن لنغص الحياة في مسكنه بمنطقة المقطم؛ ليعيش المشهد الخادع والمشتهى مع زوجته حيث تلعب بالنسبة له دور البطولة في كل مرة من تعاطيه لتلك الكيمياء العشبية، لكن تتنوع الموضوعات وتتمايز التفاصيل، لكن في كل مرة تحقق له (نرجس)- ليلى خياله وأيقونة وهمه- حلم يعيش فيه عمرًا قصيرًا لم يعشه طوال حياته.

رأها (سندريلا) لكنه رأها ملكة تبحث عنه وتتنازل عن مكانتها الملكية من أجله، وجدها جنية مصباح تظهر له لتحقق أمنياته لكنهما يقعان في التيم بعد أن يتمنى لها أن تتحرر من المصباح لتصبح زوجًا له…..

صنع من ذلك الأكسير عدد كبير من القطع الصغيرة كان يتناول في كل مرة قطعة واحدة، يعيش بعدها قصة حب-قد تمتد لأيام- لم تكتب في أي رواية.

عبوس وجهه زوجته له يصبح ابتسامة ساحرة، صراخها يسمعه حديث عشق وغناء حورية من عالم الأساطير، كان ما يتوهمه و تصوره له تلك المادة الخادعة يفتت شغاف قلبه؛ تأثرًا برقتها وعذوبة كلماتها، وكان يرد عليها غزل بغزل بقدر ما يستطيع لكن هيهات بين مايتوهمه على لسانها، وبين ما يجيبه به.

كانت زوجته حين تسمع كلامه في تلك الحالة تظنه يسخر منها في البداية إذ كان كمن يستفزها حين يجيب على غضبها بسيل من المديح والغزل الصريح والعفيف- وكأنه أجنبي يملك جهاز ترجمة سينمائي فوري أصابه مس؛ يعكس ما يراه ويسمعه لا يترجمه.

شكت (نرجس)في أمره وظنته يخطط لقتلها ويحاول إبعاد التهمة عن نفسه حين يفعل ذلك، عن طريق وأد الشجار بينهما والذي كان يعرف القاصي والداني تفاصيله بوضوح.

  • استيقظ (نضال)صباح ذلك اليوم الحزين _ منتصف شهر أغسطس _ غسل وجهه، واغلق الباب من الداخل وأوصد جميع النوافذ، حرصًا على حياته وعلى سمعة عقله أمام الناس، بحث كعادة كل يوم عن كيمياء السعادة، كان يعلم أنه ما عاد يملك غير آخر قطعة، وجد أخيرًا تلك اللفافة المميزة لكنها كانت خالية!

فكر في تفسير مجنون ثم أدرك أن ما كان يظنه صحيح؛ حين اقبلت زوجته عليه وكانت سعيدة على غير عادتها منذ سنوات، بدت كهيئتها ليلة العرس، ارتسمت على ثغرها بسمة ساحرة.

بدا عليها بعض التوتر تسللت لتنظر خلف ظهر ( نضال) في لهفة، ثم أسرعت إلى الحجرة المعدة للأطفال، عادت إليه وقد استحال توترها إلى فزع، سألته:
أين (نيسان)؟
لقد وعدتني أن تحرره من تجار الرقيق الذين اشتروه من الفرنسيين بعد أسره في معركة الأهرام.

لم يعد هناك مجال للشك تناولت (نرجس) آخر قطعة من تلك اللعنة، ربما حسبتها علكة أو ربما كانت تدرك سر زوجها، وارادت أن تعرف سبب التحول الذي يحدث له بعد تناول واحدة من تلك اللفافات ومن ثم أرادت أن تجرب، وليتها لم تفعل.

كان لابد من مجاراتها وأن يتقمس الدور الذي نسجه مؤلف الفانتازيا الذي احتل كيانها
أسرع (نضال) وهو يقترب منها وقال:

  • زوجتي الغالية…
    = لا تسخر مني سيدي فأنا جاريتك، أنا لا أنكر مدى عطفك علي، بل وحبك لي ومعاملتي مثل الأميرات، لكني مع ذلك محض أمة اشتريتها من سوق الجواري.
  • لكنك أنجبت لي ولدنا (نيسان) – فمن سيكون نيسان اللذي تسأل عليه في لهفة سوى طفلها المتخيل والتي حرمت منه في الحقيقة- وأنا لا أُعُدك جارية بل أم ولدي.
    = سيدي تغمرني بفضلك حين تنسب لنفسك ولدي والذي أنجبته في الرق قبل أن تشتريني بمالك.
  • لا بأس انت حرة وستصبحين زوجتي من اليوم.

تهلل وجهها للحظة ثم عادت تسأله والقلق يتسلل مثل جيش مستعمر يحتل كلى شبر في جسدها، وليس وجهها فقط
= سيدي لماذا لم تحضر ولدي معك كما وعدتني؟
ترى هل ….
قطع نضال هواجس وهمها وقال:
لم أكن أملك المبلغ الكافي لشراءه منهم لقد طلبوا ضعف ما كان معي من الأموال.

أسرعت وخلعت قلادة على نحرها، وثلاث اساور في معصمها ووضعتهم في كفي (نضال) ثم قالت له:
اسرع سيدي قبل أن يبتاعه أحد قبائل (الشامان) اللذين انتشر فيهم العقم فصاروا يشترون الأطفال من كل مكان ليجعلوهم أبناء لهم؛ حتي يحافظوا على أصولهم من الاندثار.

راقت الفكرة لنضال الذي ربما لو كانت لدية موهبة الكتابة لصاغها رواية رائعة، آفاق (نضال) مفزعًا حين خرجت من المطبخ وهي تحمل سكينًا في يدها ثم قالت له:
نسيت سلاحك سيدي!
حاول أن يتمالك أعصابه وأخذ السكين من يدها بحرص حتى لايصاب أي منهما بأذى ثم شكرها.

تأكد من غلق الباب حتى لاتستطيع أن تخرج من عالمها الأسطوري، وتتخطى عالمها البدوي المتخيل برماله وخيامه، ولكي لا تقفز من نهاية القرن الثامن عشر الذي يتصارع فيه عثمانيين ومماليك وفرنسيين.

نحو واقع لن يقبل بفكرة وجود جارية تبحث عن ولدها والذي أسره جنود نابليون، وقد ترى في بعضهم تجار الرقيق وتدفع لهم أو تقايضهم بنفسها لتسترد ولدها الوهمي، أو ينسج لها وهمها في بعض من تراهم تلك القبائل التى تشتري الأطفال ليوارو سوءة عقمهم، وربما رأت أحدهم من جنود الاحتلال الفرنسي وحاولت قتالهم.

لابد أن تُحبس طوال الوقت ريثما يزول أثر ذلك السراب الذي احتل كل تصورها ونشر جنوده حتى يستولي على وعيها، فقد قرر أن يتصنع الخروج من المنزل للبحث عن ذلك البيسان، بدّل ملابسه سريعًا وَهمً بالخروج لكنها وقفت أمامه وهي تتفحص قميصه القطني الأبيض والبنطال الأسود واسع الارجل والحذاء الأسود.

كان يعلم أنها تراه في صورة ما تثير دهشتها، ارتجل أن يفسر لها سبب ارتداء تلك الملابس التي لا تناسب العصر الذي تتوهم نفسها تعيشه؛ وأنه أراد أن يتنكر حتى لا يعرف بأمره قطاع الطرق فربما أسروه خاصة وأن سوق الرقيق في قلب الصحراء.

زادت دهشت نرجس إذ أنها كانت تراه في زي فرسان المماليك وهو ما يعرضه للقتل أو السجن إذا رأه جنود الفرنسيين المنتشرين في ربوع القاهرة -أدرك استحالة أن يتوقع ماتتوهمه طوال فترة وقوعها تحت تأثير ذلك الوهم الأشبه بالحقيقة، أخرجته جاريته-والتي لا يعرف إسمها الجديد ويخشى أن يناديها باسمها الحقيقي_ من ذلك الموقف المحرج عندما سألته:

  • هل تناولت الخشخاش من جديد سيدي؟
    ترنح في مشيته وهو يقول لها
    = نعم عزيزتي اعتذر لك فقد خالفت وعدي لك من جديد،.
    نظرت له بتعجب وقالت له بعينيها انت تكذب فالمواد المخدرة لا تسبب تلك الحالة الناتجة عن شرب المسكرات، قاطع حديث عينيها له وقال لها:
    سوف أبدل تلك الملابس في الحال وأسرع لاستعادة نيسان.

قبل أن يصل إلى الباب أمسكت به وكانت قد غطت معظم وجهها بقطعة قماش كالتي يضعها قبائل الطوارق لحماية وجوههم من لهيب الصحراء، ثم قالت له في حزم:
لا يمكن أن ادعك تذهب وحدك وتعرض نفسك للخطر خاصة وأنك لست في كامل وعيك.

فشل في أثناءها عن عزمها، وتردد في فتح الباب والخروج إلى الشارع أمام الناس وهي في تلك الحالة لكنها أخبرته أنه ينبغي الخروج من شرفة الدار فلربما كان يتبعه أحد بعد رؤيته في سوق العبيد طمعا في سرقة ماله، فزع نضال من فكرة القفز من الطابق الخامس، وبينما كان يحاول أن يقنعها برفض تلك الفكرة القاتلة في لحظة دون أن ينتبه وجد زوجته قفزت فوق مقعد اسفل النافذة ثم قامت بفتح النافذة وقررت القفز وهي تطلب من سيدها أن يلحق بها، وكانت السقطة مدوية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!