ابداعات

ظلال من تبقى

عبدالله الحداوي

كل نفس ذائقة الشوق
ربما إن لم يكن إلى أشخاص فإلى أماكن وأشياء أو حتى شعور، كل ما هبت رياح الذكريات واهتزّ غصن الحنين في داخلي يعتري قلبي شعور لطالما يغلب على صاحبه إذا ما حل
ما يجعل الآمر مأساويًا هو أن الحنين هنا بات لأشياء لا أمل في عودتها وإن عادت فلن تعود كما كنا نراها، أنا ذلك الكاتب الذي راح ينوح مع القلم على أوراقه ويكتب عن حنين إلى الأساطير ..

مدينتي، تلك الشوارع القديمة التي عشت طفولتي فيها، رائحة الخبز التي تفوح من الجدران القديمة ممتزجة بعبق الياسمين الدمشقي العتيق والقهوة العربية، حيرة جارنا العجوز في حل الكلمات المتقاطعة في الجريدة القديمة التي راحت تخفي نصف وجهه الممتلأ بالتجاعيد مستندًا بظهره المنحني على حائط المسجد الذي تعلمنا فيه لأول مرة أن لهذا العالم رب رحيم وأن الصلاة علينا واجبة وأن الكذب والغش والأذى هي صفات الأشرار والمجرمين، لقد كنا أبرياء حينما كنا نعتقد أن الشر موجود فقط في أفلام الرسوم المتحركة التي كنا نتابعها بشغف، لم نكن على علم أن تلك الصفات ستنبت وتطوي في داخلنا من قسوة الأيام علينا

حكايات الجدات الخالدة في قلوب الأحفاد، ذلك الوقت كان أعظم انتصار قد تحققه هو أن تبيت خارج بيت العائلة وتقاوم النوم حتى ترى خيوط الشروق الأولى، وتسهر الليل عبثًا دون أي هدف وتشرب القهوة مثل الكبار، أما الآن أصبحنا نحن أحاديث وحكايات سيرويها الأجداد والأحفاد وأوراق شجرة الليمون اليابسة وحبات الزيتون والفرن القديم وحديقة الملاهي المهجورة، أصبحنا نحن الحكايات، وأصبحنا نشرب القهوة منفردين ونسهر الليل نبث النجوم أشجاننا وحنيننا إلى تلك الأيام

إذا ما أصابنا سهم الحزن بيكنا هكذا كنا، أما الآن وابل من السهام والصفعات والعواصف من الإنكسار والخذلان وخيبات الأمل، تصيب قلوبنا التي باتت مصابة بغربة الروح وكأنما تطلق السهام على هدف مبهم في مكان شديد السواد الباهت وفي زاويته على عرش الصدى يجلس أحد المنسيين ويحتسي قهوته المرة بلا مبالاة شديدة وفي يده كتاب الذكريات، يقلب صفحاته فتارة يبكي كما الأطفال وتارة يضحك كالمجانين فلم يعد يأبه بسهامك فقد زهد دنياه وباعها بثمن تذكرة رحلة قصيرة في مخيلته إلى الماضي
ولكنه يعلم أن هناك شمس ستشرق ها هنا من حيث لا يدري
شمس حبّ أو ابتسامة عابرة من طفل صغير ربما رسالة ورقية أو ضحكة أم أو حتى مطر، تلك هي أرض قلبي وقلبك الآن
أيها القارئ
مشيت كثيرًا بين سطوري، فاسمحلي أن أكون صديق مجهول عابر كما كل شيء وأن أقول لك
لا تلتفت للغياب فهو سنة الكون الأبدية، واشكر أعدائك على وضوحهم فلا أحد يعلم اليوم من ذا الذي يتربص بالشر له حتى يتوقف عن المشي بخوف
تولى زمام روحك فلن تمتد يد من السماء لتنتشلك من مكانك ولكن سيهطل المطر وتأتي الرحمات الربانية لتخبرك أنك وحدك … لا لست وحدك، ابتسم بتحدي رغم غصة القلب فالغصة وأسبابها والقلب وما يعتريه من ألم إلى زوال ذات يوم ولا شيء يبقى سوى ذكر ابتسامتك

كن عونًا للمتكئين عليك بثقلهم واعلم إذا ما وجدت من يرمي بحمله بين يديك أنك قوي والسيف لا يعطى إلى لمحارب والله لا يعطي أقوى المعارك إلا لأقوى الجنود، وقاوم وقاوم وقاوم وأنت تتهاوى من الداخل وتكتبت الصمود أبجدية جديدة تتحدى بشاعة العالم، وإذا سائت الأمور لا بأس بالبكاء لكن لوحدك كي لا تعري ضعفك أمام أحد فيقاتلك فيه يومًا ما، واخرج متوشحًا بابتسامتك إلى الدنيا، وأعِد الكَرّة، وهكذا حتى تحترق النجوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!