قصص

على ضفاف الماضي أسرد ألامي

كتبت: نانسي هندي

على متن الباخرة المتجهة إلى لندن، أسير بخطوات مضطربة، خطوة إلى الامام، وخطوة إلى الخلف، إلى أن تلاشت خطوات قدمي، فنظرت فجأة إلى القمر فوجدته مكتملًا، وكأنه جاء ليطمئنني أن الوقت قد حان لنسيان الماضي ونسيان كل الذكريات المؤلمة، وأنه يجب عليَّ أن ابدأ من جديد.

أبصرت من حولي فوجدتهم يتسامرون فيما بينهم والدموع تملأ أعينهم، هذه الدموع أعلمها جيدًا، إنها دموع الوداع، أدرت وجهي ورأيت أب يبكي بحرقة ممسكًا بيده صورة لأطفاله الذين ودعهم منذ قليل، كم قاسية تلك الحياة التي تبعدنا عن من نحب رغمًا عنا!

مرت لحظات ومازلتُ واقفة مكاني، وسرعان ما شعرت بألم في قدمي، فجلست كالقرفصاء، ولازلتُ أراقب من حولي، حتى ابصرت شابًا وسيمًا يجلس وحيدًا بعيدًا عن الجميع، فاتجهت إليه ولا أعلم ما الذي جذبني إليه، إلى أن تقلصت بيننا المسافة فأصبحت أقف أمامه مباشرة، ونظرت في عينه متسائلة ما الذي دفعك للرحيل عن أرض الوطن؟ ما الشيء الذي جعلك تترك كل شيء خلفك وترحل؟

فنظر لي وعيناه تملأها الدموع، قائلًا
لقد خذلني الجميع، عائلتي وأصدقائي و حببتي، لقد خذلوني جميعًا، فتركت لهم كل شيء ورحلت، لقد آلموني بما فيه الكفاية، وتركوا بداخلي بركان من الألم والوجع، ولكن بم يجدي الكلام نفعًا؟ لا تسعفني الكلمات لأعبر عن مرارة ما بداخلي من وجع؛ بالعكس الكلام يزيد من بكائي لوعة، لا أريد أن أتكلم عن شيء، ولا أريد ان أتذكر أي شيء مما مضى، كل ما سأقوله لكِ أن تراكم المواقف والأوجاع جعلني شخص ضعيف وهش.

_وأنتِ ؟!

_أنا ماذا؟

_ما أسمك؟

أسمي تالا وانت ؟

أسمي يزن

_والآن أخبريني يا تالا ما سبب حزنك؟

_أنا على ما يرام، لم يصيبني حزن قط.

_كلا بلى، أنتِ لستِ بخير، عيناك تحمل الكثير من الحزن بداخلها، يقولون أن العيون مرآة أصحابها، يقولون أن العيون تتحدث بلغة لا يجيد قرآتها إلا من أرهقتهم الحياة مثلي تمامًا، لذلك أنا افهم لغة العيون جيدًا، ولهذا أنا أشعر بكِ، والآن أخبريني ما الذي جعلكِ تتركِ كل شيء خلفك وترحلي؟

_كنت أظن أنني يمكنني إخفاء حزني ولكن إن بعض الظن إثم، مع إنني حاولت كثيرًا إخفاء أحزاني ولكن من الواضح أن كل محاولاتي بائت بالفشل، وكنت أعلم جيدًا بأن تلك الجروح التي أخاف أن أحكيها لأحدهم ستنزف جرحًا أينما كنت، والآن يجب عليَّ أن أعيد سرد آلامي، ولكن ما يؤلمني حقًا أنني أراها تتجسد أمام عيني من جديد، لذلك يجب عليّ أن أحارب وأحكيها لك، لعلي أخفف العبأ عن قلبي المتعب قليلًا، ولكنني أخشي عليك إن حكيت لك أن تتألم بسببي، فقصتي مأساوية.

_ألهذا الحد أنتِ تتألمين، أعتبرني نفسك، تخيلي أنك تتحدثي مع نفسك وأنني سراب لم يكن، فأنا طبيب نفسي وهذا هو عملي أن اخفف من أوجاع الآخرين، صدقيني هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلك تتخلصين من كومة تلك الذكريات الأليمة التي تكمن بداخلك.

_كنت أظنه يحبني، ولكن إن بعض الظن إثم، لقد فعل من أجلي المستحيل ليلفت انتباهي فقط، كان وسيمًا وجميلًا للفاية أو ربما أنا من كنت أراه هكذا لأنني أحبه، يقولون أن الحب أعمى، وأنا لم أحب غيره طيلة حياتي لذلك أصبت بعمى البصيرة.

بدأت قصتنا عندما جاء إلى العمل جديدًا، ومن اول لحظة رأيته فيها، أعجبت به، ولكنني لم أبين ذلك، لأنني كنت رئيسته في العمل، لم أعطيه إهتمامًا، ولم أبال به على الإطلاق، ولكنه كان دائمًا يتعمد لفت إنتباهي كي يثير دهشتي بتصرفاته، لم أكن أعلم من هو ومن أين جاء؟، ولكنني شعرت حينها أنني على أعتاب حب جديد، حب جديد سيدق قلبي، وبدأت اشعر لأول مرة بمعنى الحب الحقيقي.

في يوم من الأيام دخلت مكتبي وجدته في إنتظاري، كان يجلس منذ ساعات حتى أتي، وحينها أعترف لي بحبه وطلب يدي للزواج.

_ وما المحزن في هذا يا تالا؟

_المحزن أنها كانت مجرد تمثيلية صغيرة ليرضى غروره أمام أصدقائه، لقد كان ممثلًا عظيمًا، أنا أشهد له بهذا، لعب عليّ دور المحب وانا صدقته، بعد أن علق قلبي به تركني ورحل، وأخبرني انه لم يعد متأكدًا من مشاعره تجاهي، ولكن جائني أحد أصدقائه وحكى لي الحقيقة وأنه لم يحبني من الأساس، وكان كل هذا مجرد تمثيلية ليرضى غروره كان يتسلى بي ليثبت للجميع أنه لا توجد فتاة في هذه الحياة لا تسقط بفخ حبه.

لما أكن أعلم أن مشاعري هي مجرد لعبة قد يعبث بها البعض، حاولت ان أتخطى حبه وأتجاوزه ولكنني كنت ارآه في كل مكان، تمنيت له السعادة والراحة، وكان هو أول من خذلني، حاولت كثيرًا إنتشال حبه من قلبي، وعندما عجزت عن فعل هذا تركت كل شيء خلفي ورحلت.

=أنا أشعر بك جيدًا يا تالا، إنه لمن المحزن أن يهون المرء على قلب اعتقد أنه الملاذ والصاحب الأبدي له، ولكن الحب ليس بإيدينا يا تالا، إن قلوبنا مثل القيثارة الموسيقية وأوتار هذه القيثارة بيد الخالق، يضع الله في حياتنا أناس لا تشبهنا ويجعلنا نحبهم حتى تكون لدينا الخبرة الكفاية في الإختيار الصحيح فيما بعد، إن الله يبعدنا عن من يؤذينا ليقربنا لمن يقدرنا ويقدر مشاعرنا ويحبنا، يجب عليكِ أن تبدأي من جديد، يجب عليكِ أن تنجحي وتنسي وتتخطي لأجل نفسك لا لأجل أحد، وحينها سيعود آسفًا ونادمًا ولكن لن يجدي ندمه نفعًا حينها، سينظر إليك من بعيد وأنتِ تبنين آمالك وأحلامك وسيحاول أن يعود، ولكن حينها لا تتركي له مجال للعودة، فمن هشم قلبك في الماضي لن يحق له، أن يشاركك أحلامك في المستقبل، سيندهش حينها ويتسأل كيف أصبحت قوية هكذا، حينها ستخبريه أن القلب الذي تألم بسببه في يوم من الأيام لم يعد يبال به، كوني علي ثقة بأن كلامي هذا سيتحقق، لأنه كما تدين تدان، ستدور الدنيا ونراهم يتألمون كما جعلونا نتألم.

_معك كل الحق يا يزن، يجب عليّ أن أبدأ من جديد لأجل نفسي لا لأجل أحد، لهذا سأترك الماضي ولا ابالي به حتى أرمم ما بقى مني، سأبدأ صفحة جديدة بيضاء مع نفسي حتى أحقق احلامي، ولن أنظر خلفي، وأُعدك أنني لن أبكي على أطلال الماضي مهما حدث.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!