ابداعاتقصص

بأي ذنب قُتِلَتْ

في الغالب لا تخلو قاعات المحاكم من القضايا والحوادث التي تثير العقول، ولكن تلك القضية اليوم، قضية بطلاتنا الثلاث، قضية قد أهتز لها المجتمع أجمع، انتظر الجميع القرار الفاصل بها بعد كثير من جلسات التأجيل ولكن اليوم هو اليوم الفاصل، اليوم الذي سيلقي فيه القاضي بكلمته الشهيرة الحكم بعد المداولة.

كانت القاعة صغيرة تفوح منها رائحة الندم الممزوج بالغضب المكتوم وتبلل أرضيتها دموع الحسرة، يقف وكيل النيابة بالزي الرسمي وبريق نجومه الثلاث ينعكس على أعين بطلات قصتنا، يشير إليهن متحدثًا بغضب جارف وكلمات تجلد كالسياط: إن هؤلاء الوجوه الثلاث الماثلة أمام عدالتكم مرتدية ثوب الحملان البريئة ما هن إلا ذئاب متوحشة قد فتكت بذويهن، كلًا على حِدة، إن هؤلاء السيدات الثلاث اللاتي يختلفن في الطبقة والمستوى التعليمي والاجتماعي والتربوي وحتى الحيذ الجغرافيا قد اختلفوا تمام الاختلاف واتفقوا على شيئًا واحد ألا وهو التخلي عن أبسط صفات الأدمية والإنسانية والتجرد التام من الرحمة بهدف التخلص من ذويهن، من عائلاتهن، درعهن الواقي، كُن هن أول من ألقى نحوه بالسهام بمحض إرادتهن، فخططن ودبرن ونفذن بعقلية إجرامية متمكنة، ليقتلوا مع سبق الإصرار أولى صلات الرحم وأقرب الأقربين، لذا وبعد أن عرضت على هيئة المحكمة الموقرة الدلائل والأدلة القاطعة على فعلتهن، أرجو من عدالة المحكمة أن تنظر إلى فعلتهن بعين القيم وتحكم بأقصى عقوبة ليكن عبرة لمن يعتبر.

 أومأ القاضي برأسه وأشار بيده: الدفاع عاوز يقول حاجة.

 عدل المحامي من هندامه وأتجه صوب القاضي، قائلًا: سيدى القاضي، حضرات السادة المستشارين، إن خير الكلام هو المأخوذ عن القرءان والسنة بل الأديان السماوية جميعها، فإنها بمثابة منهاج للتعامل بيننا، لذلك فإني أرفض التهم الموجهة إلى موكلاتي، فكيف يمكن أن نتهمهن وهن القتلى! فأنا أنظر سيدى الرئيس إلى هؤلاء السجينات الثلاث وأسأل بأي ذنب قُتلن؟ دُهست أرواحهن تحت النعال على مختلف أوضاعهن، أجمعن على الإقدام على مثل تلك الخطوة وهن مشوشات مقهورات وغير متزنات إثر العذاب الذى شهدن. فالأولى هنا هي شابة في مقتبل حياتها قد دمرها والداها أشد التدمير إثر أنانيتهم و.

قاطعة وكيل النيابة بغضب: عن أي براءة نتحدث؟، فتلك الأولى هنا شابة في مقتبل العمر في ريحان شبابها، ولكنها اختارت أن تسقي من دم والدتها ووالدها اللذان جلباها إلى هذه الحياة بل ولتزيد من شناعة جريمتها بجبروت ودم بارد، لم يوقظها ضميرها لبرهة من الزمان على فعلتها بل هيأ لها وجود حياة وردية تنتظرها وهي تترجل شواطئ الإسكندرية دون اكتراث لتلك الأرواح التي أزهقتها بدم بارد.

عن أي تدمير نتحدث؟ وإن امتثلنا للدين مثلما ذكرت، لوجدنا الأمر النافذ بتمام طاعتهم وإن كانوا كفارًا، أي رحمة تلك التي يجب أن ننظر بها سيدي الرئيس؟

ضجت الأصوات وعلت داخل قاعة المحكمة، ضرب القاضي عدة مرات ليسيطر على القاعة.. هدوووووء داخل قاعة المحكمة.

أشارت صفاء بيدها: حضرة الجاضي، أنا عاوزة أتحدت، بس محدش يجاطعنى واصل ومش عاوزة المحامي ده يدافع عنى اللي كاتبه ربنا أنا راضية بيه.

فأشار لها القاضي بالموافقة..

تحركت صفاء داخل القفص الحديدي لتقترب بشكل ما من هيئة المحكمة، مسحت عيونها العسلية وأكدت من وضعية حجابها الأبيض على بشرتها القحطية وتحدثت بلكنتها الصعيدية الشديدة:

أني صفاء، عندي 39 سنة مدخلتش المدرسة ولا اتعلمت بس چدي وجدتي علموني إزاى اجرا وأكتب عشان الحسابات والفواتير، أمي بعد ما اتچوزت وچابتني كانت كارهه ومكملتش، رمتني، وأبوي كمان رماني، كان ليا أخ وحيد ومات، أرتاح وسابني.

رجلي اللي عتعرچ دي أهلي السبب فيها، العاهة اللي خلتني مشبهش باجى البنتة، هما اللي جابوها ومحدش فكر يداويني ولا يطبب علي، كنت بت تلت سنين فالذريبة والچاموسة خطت علي فصلت عضمي عن بعضه وفصلت أي أمل أعيش زي باجي الناس.

أمي عمرها ما جالتلى يا بتي ولا حبتني كانت بتكره حياتها الجديمة فيا، مع أنها أتچوزت وخلفت بدل العيل سبعة ومتهنية وعيالها بدل ما يجلولي يا أختنا بيجلولى يا خالة! سكت ورضيت أكون خدامة لعيالها شوية وفى بيت جدي شوية ولأخواتها اللي هما خالاتى شوية لحد ما كل واحدة فيهم أتجوزت وخلفت وكنت بروح من أول ما يحملوا لحد ما يخلفوا أخدمهم وأشيل عيالهم لحد ما يطيبوا وأعاود على البلد، أشتغل زي البهيمة فالغيط والزرع لحد ما نشفت ووجعت وخدوني عملولي عملية معرفش أيه.. ومحدش جالي لا أمي ولا أبوي ولا خالاتى ولا حد واصل.

حسيت أني لوحدي مليش حد مليش ضهر ملطشة كنت أجف جدام المراية وأشوف نفسي وأنا بعرج كيف البهيمة الساجطة أبكى على حالى، لحد ما ربنا طبطب علي وبعتلى واحد شاريني ورايدني بعجزي.

أمي وخالاتى وكلاتهم خافوا مين هيشيل شيلتى؟ مين هيجهز؟ بيجلولي روحي لأبوكي، روحتله وأنا مكسورة، نكرني وجال أنه ملوش بنته، فمكانش فيه حل غير أنهم يطفشوه وضربوني.

كل ما يلمحوا نظرة فرح على وشي اللي كان كرمش من الحزن، مره بكلامهم الماسخ اللي كان بيجطعني ومره بيدهم، كل من هب ودب كان عيجول رأيه وكله بيتاخد برايه إلا أنا، لحد ما طفش وهج سبنى وخد آخر أمل أني أحس إني بنى آدمه مش بنت حتى ولا ست.

رچعت للخدمة تاني من أول والزرع والجلع فالأرض لحد ما جات واحده من خالاتي وعرضت علي أكون خدامة في بيتها بس بمرتب 150 جنية، الكل وافج طالما عسافر وأعيش في اسكندرية واكلة شاربة نايمة، فرصة وجاتلي، أنا حتى الهدمة كنت بجيبها بالقهر وأطلع على أمي وهي فالسوق بتنجى لبناتها وأتحسر.

حاولت أجربلها، حاولت ألف مره أنها أمي لو كانت نسيت من الزمن كانت بتها التانية من دوري وكنت بغير منها مش لأجل حاجات لأجل أن ليها بيت وأنا لا، ليها أهل وأنا لا، كنت كل ما أروح لأمي تسمعني كلام ماسخ وأتحمل لحد ما طردتني.

قررت أهج هسيب البلد كلها وأسافر أعيش هنا أشتغل جمب خالي وأبجى تحت عينه واعيش بكرامة، الدنيا جامت ما جعدت، أمي اللي عمرها ما ذكرت أسمى على لسانها، قالت أنى فاجرة وهحط راسهم فالطين، جالت أنى رايحة لخطيبى الجديم وهتجوزه غصب عنهم وأجبلهم العار.

أمي وأبوي اللي بعتتله مراسيل تجوله لم بتك بدل ما تدفنا بالحيا، أدفنهم كيف وأنا ميتة 39 سنة واللى يشوفني يديني 60 أدفنهم كيف وهما جتلوني ياريتهم دفنونى مع أخوى وأنا حيه كان أرحملى، مقدرتش أتحمل الأهانة والقهرة أكتر من كده وحصل اللي حصل وجيت على هنا، بس أكتشفت أن خلاص كان فات الأوان أنا مت هنا فالبلد مع كسرة رجلى اللي ملازماني أنكسرت رجبتي.

أنا محدش كان جمبي غير جدي وجدتي ولما ماتوا كلهم جم على، كلهم افتكروا أنى عايشة وهبقى حِمل على كتافهم قدام الناس مهو أصلا حدانا فالبلد اللي يحرك هو كلام الناس والعيبة اللي تحددها الناس، مع أن العيبة برضو أن بنتها الكبيرة تتعلم وتكون دكتورة وأنا اللي المفروض أختها خدامة وبتاعت بهايم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!