مقالات

“الإدمان”

بقلم/ سارة محمد محمود

المرض الأسوء على الإطلاق، ليس لأنه أشدهم ألمًا، لا، بل؛ لأنه المرض الوحيد الذي يضع الإنسان فيه نفسه بكامل إرادته، يُلقي بها في الجحيم ويأتي ليندم بعد فوات الأوان، إن كان هناك وقت للندم من الأساس.

المرض الذي لا يُشفى منه أحد، بل يتعافى وهذا دليل على احتمال عودته إن كانت عزيمته ضعيفة أو تعرض للشيء الذي تعافى منه في بعض أنواعه، وليس كلها.

هذا المرض الشنيع هو الإدمان، والذي هو عبارة عن اضطراب في الدماغ يتسم بارتباط قهري بمحفزات نظام المكافأة في الدماغ، بالرغم من النتائج الضارة.

للإدمان صورًا عديدة، ومن وجهة نظري أنّ كلّ ما زاد عن حده انقلب إلى”إدمان”.

أشهر صور الإدمان المعترف بها في كل أرجاء العالم هو إدمان المخدرات بمختلف أنواعها.
في (يونيو 2021) ذكر تقرير المخدرات العالمي لعام 2021 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة -المعني بالمخدرات والجريمة- أن حوالي (275 مليون) شخص تعاطوا المخدرات في جميع أنحاء العالم في العام الماضي، في حين عانى أكثر من (36 مليون) شخص من اضطرابات تعاطي المخدرات.
معظم الأشخاص لا يدخلون إلى عالم المخدرات بأيديهم، بل تكون هناك يد خفية تشدهم إلى هناك، لذا نردد دومًا ونقول: أرجوكم أحسنوا اختيار الصحبة، فإنه كما يقال: أن الصاحب يسحب صاحبه معه؛ فإن كان صاحبك رفيق سوء، فستهلك لا محالة، ولن تكتشف أنك هلكت إلا في النهاية.
إدمان المخدرات من أبشع ما قد يتعرض له المرء لما له من عواقب سيئة لا تضر بالشخص المدمن فقط؛ فالإدمان يؤدي إلى السرقة وإلى العنف وإلى تدمير الأسر وإلى الفقر.
كل هذا يحدث عندما تنتهي أموال المدمن التي ستنتهي لا محالة؛ لأن الذي يورِّد له لن يتركه إلا عندما يستنزفه؛ فيلجأ للسرقة من أهله أو غيرهم، مما يؤدي إلى إفساد العلاقات وحلول الخلافات، وكل هذا يؤدي في النهاية إلى تدمير المجتمع خطوة بخطوة.

إذا كنت في بداية هذا الطريق -الذي حتمًا ستُهلكك نهايته إن أكملت- ففرصتك للنجاة بنفسك كبيرة، اِهدأ، قف، التقط أنفاسك واعزم على ترك هذا الطريق مهما حدث وقطع كل حبال الوصل الساحبة وصفع كل الأيادي الممدودة لهذا الطريق المظلم، الغدّار.
وإن كنت في نهايته فافعل كل هذا أيضًا، واطلب العون من الله الذي لا يعجزه شيء، وابدأ في طريق التعافي المؤلم، لكن سيكون ألمه أهون بكثير من ألم الاستمرار.

هذا ينقلنا إلى نوع خاص من المخدرات، حيث أنه يذهب بالعقل، لكنه غير معترف به كمخدر من قبل مَن يحللون أي شيء حسب رغباتهم المنشودة، يعطيك سعادة لحظية ثم كارثة ورائها هو إدمان الكحوليات، تذهب بعقلك لثوانٍ حتى تستمتع، وتوهم بالتناسي ثم تفيق على الواقع المرير، وهكذا حتى يكون هذا هو واقعك، شخص مدمن وعبد لكأسٍ فاسد به مادة صنعها إنسان مثله حتى يخدعه بأن هذا هو الحل الأمثل للسعادة ولحل كل المشكلات.

هناك إدمان أصبح منتشرًا الآن بصورة غير عادية ولا يعترف به الأغلب، هو إدمان الإلكترونيات أو التكنولوجيا عمومًا، مثل ألعاب الفيديو والسوشيال ميديا والحياة الافتراضية القاتلة بلا دماء، وقد يكون سببها الأكبر هو زيادة الفراغ مع توافُر الإنترنت الذي يعد نوع خاص من أنواع الإدمان والذي يستخدمه الأغلب بصورة خاطئة لانحصار الوعي عن أغلب الأدمغة.
كشفت دراسة حديثة أن ظاهرة إدمان الإنترنت مشكلة تؤثر على 6% من سكان العالم، وأن أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة منطقة الشرق الأوسط، بنسبة تصل إلى 11%، فيما تدنت النسبة إلى 2.4% في شمال وغرب أوروبا، وأوضحت الدراسة التي نُشرت نتائجها في مجلة “علم نفس الإنترنت والسلوك والشبكات الاجتماعية” أن إدمان الإنترنت يؤثر سلبًا على حياة الأشخاص وصحتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
آسفة لقولي أن الحياة الإجتماعية ستنحصر قريبًا بسبب التباعد الاجتماعي الذي تسببه هذه الوسائل التي يستخدمها البعض بلا عقل، كأن الرأس فارغة بداخلها لا يوجد إلا سراب.

رُبّما نسيت إخباركم أن الإنترنت الذي ذكرته لكم ضرره يؤدي بنا إلى نوع من أنواع الإدمان المقزز، نوع يستهلك كل شاب في بداياته حتى يلوثه، هو إدمان الإباحية التي ستؤدي بك إلى الجحيم إن لم تتوقف.
وقد أظهرت نتائج دراسة مُجراة من قبل معهد كينزي في 2002 أن نسبة 9% على الأقل من مشاهدي المقاطع الإباحية يتحولون لمدمنين ويعجزون عن الامتناع عنها، قد تموت وأنت على هذا الحال، ألا يأتي في مخيلتك ماذا سيكون وضعك إذا بُعثت على هذه الصورة أمام ربك؟! ألا تخجل؟!
الأمر لن يأخذ منك سوى دقيقة للتفكير، ثم اتخذ قرارك.
أنت تحصُد ذنبًا على كل عضو من أعضائك تُشركه في هذا الفعل المنحط، فقد قال تعالى: “يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون”

  • سورة النور(٢٤)-
    وقوله سبحانه وتعالى: “حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون”
  • سورة فصلت(٢٠)-
    غير الأمراض التي ستسببها لك، فيعتبر ضرر دنيوي وأخروي في نفس الوقت.
    أنقذ نفسك وانفد بجلدك، وليس جلدك فقط في الحقيقة فستهلك كلك.

من صور الإدمان الغير مُتعارف عليها إدمان الطعام، غريب هذا أليس كذلك؟! لكنه موجود، هو مرتبط أكثر بالاكتئاب لكنه تحول لا إرادي إلى إدمان في صورة طعام شهي لا أكثر.
وإن كنت ممن يزيد وزنهم بأكل المزيد من الطعام ف ستكون مُدمِر ولست مدمن فقط، وستُعاقب على هذا؛ لأنه من صور أذى النفس الخفي عن طريق إهلاك صحتك.
والاضطراب والشراهة عند تناول الطعام هو مشكلة حقيقية تستحق منّا الانتباه وأخذها بعين الاعتبار.
النساء أكثر مَن قد يهتم بهذه النقطة؛ لأنهم يعرفون كم يعني لهم وزنهم، والحفاظ عليه وعلى هيئتهم، وهذا ينقلنا إلى نوع من أنواع الإدمان التي تختص بهم أكثر من الرجال على الأغلب، فهم الجمهور المنشود لهذه الفعلة، فهل سمعتم عن إدمان العمليات التجميلة؟ إن لم تسمعوا فها أنا أخبركم.
يخلق الله الإنسان في أحسن هيئة يمكن أن يكون عليها، ثم يأتي إنسان غبي ليشوه هذا لا ليحسّنه، فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”
-سورة التين(٤)-
فيأتي شخص ضعيف الإيمان يُسلم نفسه لنفسه الأمارة بالسوء أو للشيطان ويدخل من الباب الذي لا نهاية له دون وضع الإثم المأخوذ على هذا في عين الاعتبار، والشيطان لا يدخل لك من هذا الباب فقط، لا بل أبوابه عديدة ولا ييأس.
سأخبرك بباب آخر له، سمعت قوله تعالى” إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين”؟ أعتقد أنك حتمًا سمعت بها، فيأتي الشيطان الذي سيرحب بوجودك ليلعب في منطقة حب التسوق لدى الأغلب ويقلبها إلى إدمان، وهكذا تكون مدمن ومبذر في نفس الوقت.
إذًا أريد أن أحذرك من أن ينقلب هذا إلى إدمان، إدمان الشراء الذي لا نلقي له بالًا ونعتبره متعة لا أكثر.
إن كانت لديك الأموال وقد رزقك الله بها، فهي نعمة منه قد تزول في أي وقت دون سابق إنذار، فاستغلها في الخير لا في التبذير، حتى لا تكون من أعوان الشياطين أو لك صلة بهم.

أفق قبل أن تندم، وتخسر كل شيء كنت تملكه، وكان بإمكانه مساعدتك، فأنت لا تؤذي نفسك فقط، بل نفسك وأحيانًا مَن حولك بسببك أنت.
غريب الإنسان أصبح هو الآلة بعدما كان هو المتحكم.

قال الله في كتابه العزيز: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”
-سورة البقرة (١٩٥)-
ونحن كل ما نفعله هو إيذاؤها، سنحاسب عن هذا، وسنتمنى العودة، ولكن وقتها لن يكون هناك عودة.
لكن هناك وقت الآن لم ينفذ بعد، قد تكون قرائتك لهذا المقال الآن رسالة مطمئنة وموجهة لك، الطريق متسع لنعود ونبدأ مرة أخرى دومًا، فنحن مؤلفي القصة، ولا أحد غيرنا.
قد تكون هذه نهاية المقال لكني أثق أنها البداية لأحدكم.
العديد عندما يدرك أنه أدمن شيئًا يُصاب بالهلع، لكن الأمر ليس كارثيًا لهذا الحد، كلنا هنا؛ نتعلم ونخطيء، ما يميز أحدنا عن غيره هو ما سنفعله بعدما نخطيء، فأمامك طريق للخروج من تلك البؤرة السوداء، اطلب المساعدة إن لم تكن تعلم كيف تبدأ وستجدها أعدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!