مقالات

استقطاب وتعاطف

بقلم: يحيى الجبالي

مع كل جريمة نكراء تهز جنبات مجتمعنا أصبحنا نلاحظ ظهور اتجاهين متضادين لردود فعل المتلقين والمتفاعلين مع حيثيات هذه الجريمة، اتجاه طبيعي ومنطقي ومستساغ وهو رفض الجريمة جملة وتفصيلًا وتحميل مرتكبها كل المشاعر السلبية التي تصيب المتلقي جراء فعلته مع عدم إتاحة الفرصة لخلق مبررات لفعلته.

أما الاتجاه الآخر والذي بدأ يبرز بقوة مؤخرًا ووصل لأوجته في جريمة “محمد عادل قاتل نيرة” ثم تواصل لكن بشكل أكثر هدوء نسبيًا في الجريمة المشابهة للجريمة السابقة التي تم ارتكابها منذ أيام قليلة، وهو التعاطف الشديد مع القاتل وإيجاد آلاف الأعذار والمبررات لتمرير تصرفه المشين والمطالبة بوضوح بإعفائه من أي عقوبة بل تحويل المجني عليه لجاني ومجرم يستحق ما حدث له بل ووصل الأمر ببعضهم لخلق مؤامرة متكاملة الأركان مفادها أن هناك طرف خفي هو مَن ارتكب الجريمة ( المصورة والتي اعترف بها المجرم بنفسه ) وأن هدف هذا اللهو الخفي هو التخلص من المجني عليها وإلصاق التهمة بهذا المسكين الذي لا حول له ولا قوة.

ولو حاولنا أن نستكشف أسباب هذه الظاهرة الشاذة والمنفرة بشكل عام وهي ظاهرة “التعاطف مع المجرم” سنجد أنه ممكن حصر الأسباب في شقين: شق يفسره لنا علماء النفس وشق سأحاول شرحه من وجهة نظري.

علم النفس منذ سبعينيات القرن الماضي بدأ يحلل بشتى الطرق ظاهرة تعاطف الضحية أو المجتمع مع المجرمين فوجدوا أن هناك أسبابًا تتعلق بوسامة مرتكب الجريمة نفسه مما يجعله يستطيع استمالة النساء لصفه يكفي أن أخبرك لتتصور فداحة الأمر وأنه ليس فيه شبه مبالغة أو تحيز أن القاتل المتسلسل الأشهر في أمريكا تيد باندي الذي قتل واغتصب حوالي مائة امرأة وكان يتفنّن في تعذيبهن وإيلامهم، بعد أن تم القبض عليه بصعوبة وقبيل إعدامه في نهاية الثمانينيات كان يتلقّى رسائل إعجاب وهو داخل أسوار السجن حيث وقعت في غرامه نساء كثر وكنّ يتجمهرن أمام محبسه للتعبير عن حبهن له، بل منهن من نقلن مقر إقامتهن ليكنّ بالقرب من موقع محاكمته!

هذه الحالة أسماها النيوزيلندي جون ماني، عالم النفس الشهير بال”هيبريستوفيليا” (Hybristophilia) وتعني الانجذاب العاطفي أو الجنسي للقتلة والمجرمين.

والأمثلة كثيرة على ذلك مثل لاعب كرة القدم الأميركية أو جي سيبمسون الذي اتهم بقتل زوجته وصديقها، فكان يحتشد الجمهور لدعمه، ويقطع الطرقات ويهاجم الشرطة ويتهم الجهات المعنية بالتحيّز ضد اللاعب لأسباب عرقية!

كذلك الأميركي ريتشارد راميرز الذي عُرف بلقب “المتعقب الليلي” لأنه كان يقتل ضحاياه مساء، وحصل على مئات خطابات الإعجاب وطلبات الزواج وبالفعل تزوج في السجن إحدى معجباته، وكذلك النرويجي المتطرف أندرس بهرنج بريفيك، والأميركي جيفري دامر الذي كان يقتل الذكور فقط وفي بعض الأوقات يحتفظ برؤوسهم.. وغيرهم الكثير.

وناقش علم النفس ظواهر أخرى في نفس السياق كظاهرة تعاطف المخطوف مع خاطفه وأطلق العالم النفسي والباحث في عالم الجريمة السويدي نيلز بيجيروت مصطلح “متلازمة ستوكهولم” لتفسير سلوك الضحايا الذين يتعاطفون مع خاطفيهم.. نسبة لحادثة اختطاف رهائن في مدينة ستوكهولم في السويد.

أما الشق الآخر فممكن تلخيصه في عملية الاستقطاب الشديدة التي يتعرض لها المجتمع فحولت جميع أطرافه لخصوم في حالة منازعة مستمرة.

استقطاب ذكوري أنثوي حول الرجل والمرأة لطرفي صراع لإثبات أي الطرفين أكثر ظلمًا واستبدادًا من الطرف الآخر، عززته حركات النسوية والذكورية المتطرفة التي حولت قضيتها الأساسية لإبراز الحقوق والواجبات والمطالبة بها لحرب شنعاء على الطرف الآخر فأصبح كل طرف يتربص للطرف الأخر ولا يقبل منه أي تصرف مهما كان جيدًا ويشنع في أفعاله مهما كانت مفيدة وفي نفس الوقت يبرر ويتقبل تصرفات بني جنسه مهما كانت شنيعة.

استقطاب ديني برمج عقول المجتمع في إصدار الأحكام على كل طرف بناء على مظهره وهيئته، هذه محجبة إذن هي محترمة، هذه بدون حجاب إذن عاهرة تستحق القتل وعدم التعاطف، هذا ملتحي إذن رجعي وإرهابي وهكذا.

قِس ما ذكرته على ما حدث مع محمد ونيرة.

استقطاب ذكوري نسوي جعل الناس يتركون الأصل وهو الجريمة وذهبوا لمعارك جانبية.. هي تلاعبت به فمن حقه ما فعل.. لا هذا حقها يا سادة وليس من حق أي رجل أن يفرض نفسه على امرأة.

استقطاب ديني.. أوه انظروا له إنه يصلي ويتيم وبار بأمه واختيه أفرجوا عنه… انظروا إليها غير محجبة وترتدي ملابس ضيقة وعارية تستحق الرجم.

أضف إلى ذلك الصورة النمطية للمجرم في مخيلتنا هو الرجل ذو الملامح المخيفة القاسية السوابق صاحب العشر غرز في وجهه إثر شجار قديم لكن أن تأتي لي بشخص ذو ملامح هادئة ووجه بشوش متفوق في دراسته خجول ومجتهد يشبهني ويشبه دائرة معارفي ثم تخبرني أن هذا مجرم وتطالبني بأن احتقر فعلته وأتمنى إعدامه فلا وألف لا يا هذا، ستتحرك إنزيمات الدفاع الداخلية عندي وستجد له ألف مبرر لفعلته.. هل تمزح يا هذا؟ كيف لهذا الوجه الذي يشبهني أن يكون مجرمًا.. أنت تهدم كل تصوراتي وحصوني الوهمية عن نفسي الطيبة التي لن تكون أبدًا كأشرار السينما التي أراهم فقط في الأفلام.

وبمناسبة السينما والأفلام فقد ساهمت بشكل فعال خاصة مؤخرًا في ترسيخ التعاطف مع المجرم بشكل غير مباشر وخفي وغيرها ملموس فبطل الفيلم النجم الشهير المحبوب تراه يقدم دور بلطجي قاتل سارق زاني بشكل كوميدي لطيف تحبه وتتعاطف معه للنهاية دون أن تشعر بغضاضة.. وهناك عشرات الأمثلة على ذلك تذكر فقط آخر عشر أفلام شاهدتهم وستجد تسعة منهم على الأقل ينطبق عليهم الوصف السابق.

في النهاية هذه الظاهرة خطرة وبشدة وقد ظهرت آثارها بسرعة بطريقة مؤسفة ومخجلة لكل مَن شارك في حملة التعاطف مع المجرم قاتل نيرة بأن تكرر نفس السيناريو بنفس الأسباب والتفاصيل في أقل من شهرين.. مَن يضيع فرصة أن يصبح له جمهور ومتعاطفين بالملايين يقومون بمظاهرات إلكترونية لدعمه والمطالبة بتبرأته بعد أن ارتكب جريمته على الملأ بأبشع طريقة ممكنة؟

إذا لم تتوقف هذه الظاهرة فسيظهر بيننا عشرات محمد عادل.. لا بد أن نرسخ حقائق لا تقبل الجدال أن القتل لا يجازى سوى بالقتل مهما كانت أسبابه ومبرراته عاطفية ومنطقية وأن القصاص فيه حياة لنا كما وضح الخالق؛ لأن معرفة المقبل على الجريمة بعاقبة فعلًا ستردعه.. فمَن أمن العقاب أساء الأدب كما قالوا قديمًا.

وأن هذا القصاص ليس حق أهل المجني عليه فقط خاصة في جرائم الرأي العام بل حق المجتمع كله الذي تأذت مشاعره بتفاصيل معرفته به ومن حقه حمايته بردع ووأد هذه النوعيات من الجرائم في مهدها.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!