ابداعات

يونس| تأثير البوكر

✍️ناجي شاهين

-يونس اليوم أدركت أنني أكره “البوكر”.
نهضت محتقنًا بموجات متضاربة ما بين غضب وخيبة من على الطاولة، فلقد ظننت أنني أحمل الأوراق الرابحة ولكنه التمويه اللعين، أخفقت مرة أخرى في قراءة الوجوه، ولا أدري كيف يكون هذا ممكنًا وأنا باحث في علم النفس؟!.

تبعني “يونس” تاركًا الكؤوس تدور والدخان يلتف حول وجوه اللاعبين فيبدد ما بقي من ملامحٍ لأعين الناظرين قائلًا:
-أنت من يطلب الانضمام لنا دومًا رغم منعي لك، وذلك يوحي بأنك يا صديقي وقعت فريسة لتأثير “البوكر”.
-دعني أخمن… نظرية أخرى من نظرياتك؟!.
-أكثر من مجرد نظرية يا صديقي، إنه تأثير حتى أنا لا أدرك أبعاده جيدًا، فأنت تحب “البوكر” لأسباب معينة ولكن هناك بعض السلبيات التي لا تتفق مع شخصيتك، فتجد نفسك تتلهف للعب معنا برغم أنك تستمر في السباب ما إن تطالك إحدى السلبيات، فتلاحقك علامات الاستفهام تاركة أكبر تساؤلاتها، أتحب البوكر أم تكرهه؟.

ارتسمت علامات الدهشة على ملامحي، ففي كل مرة يقول هذا الأحمق نظرية من نظرياته الجوفاء أجدها تتفق مع هاجس داخلي، وهذه المرة فقد أصاب كسابقاتها.

-أنت محق يا “يونس” فأنا أحب البوكر، فهو لعبة تنطوي على ذكاء وخداع كبيرين وأنت تدرك كم أحب ذلك النوع من الألعاب، لكن في المقابل فإن خسارة عادية لا تزعجني، أما خسارة مالية فتحنقني حقًا مما يجعلني لا أدري هل أحب اللعبة أم أكرهها، أنت محق فيما يتخطى مجرد لعبة “البوكر” فبالقياس على نظرية “البوكر”…
-اسمها “تأثير البوكر”.
-وما الفارق؟!.
-لا أدري، أنا أحبها بذلك الاسم.
-ستقتلني حماقتك يومًا ما، فبالقياس على “تأثير البوكر”، سأقص لك قصة كانت تفتقر إلى تفسير.

“رأيتها أكثر من مرة في الصيدلية القريبة من مكان عملي، تصنعت الصداع لأكثر من ثلاثة أيام متتالية فقط لأراها، لها عينان تسحر من يراها وكأنها من قال عنها الشاعر “عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري” فاتنة عينها يا صديقي، لكني سحرت بعينيها فلم أهتم أن أنظر إلى باقي وجهها الذي غطته “الكمامة”، بدأت أتردد عليها يوميًا نتبادل أطراف الحديث، ما يفجر عقلي إعجابًا بها هو ضحكها على كل نكاتي ومزحاتي والله وحده يعلم أنني ميقن أن دمي هو الأثقل على وجه البسيطة، فكيف إذا وجدت من يضحك على مزاحي..
-صديقي، إنها حتمًا تحبك، لا تفرط في تلك الفتاة فأنا لا أعرف أي أحمق غيري يتطلع لسماعك تتحدث.
-أحمق لا تقاطعني واستمع.

“بالفعل بدأت تعجبني، حتى طالبتها أن تكشف عن وجهها، لكن ما أن كشفت حتى اعترتني الصدمة وأنا أرى لها فم واسع وأسنان متهالكة، وكأنها إحدى الصور على “علبة السجائر” التي توضح أضرار التدخين، كأن صورتها تأبى أن تصبح مثالية، لي أكثر من ثلاثة أيام لا أذهب ولا أدري ماذا أريد؟
لا أعلم ما حقيقة مشاعري ولا أعلم هل سأتقبل عيبها في مقابل ما رأيت من جمالها؟

لم أكن أعلم حتى سمعت ذلك التأثير منك، وأخذت قراري… إنه يا صديقي تأثير البوكر مرة أخرى، هي تملك أجمل عينان رأيتهما وتضحك على مزحاتي- وأنت تعلم أنني لا أجيد المزاح- حتمًا أحبها بغض النظر عن العيوب، الفتاة صيد حقيقي ولم أدرك هذا إلا عندما عرفت منك “تأثير البوكر” فأنا وعلى الرغم من كرهي لخسارة المال لا أتوقف عن اللعب، وكأن ذلك التأثير اللعين يخبرني أنني على رغم عيوبها، لن أتوقف عن التفكير بها”.

أنهيت قصتي وأنا أترك “يونس” مسرعًا وكأنني أخشى أن يفوتني القطار، وقدماي تسابق الريح عدوًا حتى أنني فكرت المشاركة في الأولمبياد العام المقبل.

وصلت إلى الصيدلية أمامها لا يفصل بيني وبينها سوى ما سأتفوه به من أحرف، فقصصت عليها كل شيء، كم أنا معجب بها وكم أن ذلك الشعور طاردني إليها وفجأة ضحكت.. ضحكت إلى أن أخرجت الغضب عنوة على محياي، حتى أنني فكرت في المغادرة، فأوقفتني كلمات خرجت مختلطة بضحك حتى أنه يصعب سماعها:
-آسفة، لكنني لا أستطيع النظر إلى أُذنيك دون أن أنفجر ضاحكةً، يا صديقي أنت تملك أُذنا فيل، حتى أنني أضحك كلما فتحت فمك، لأنك تبدو كفيل متحدث.

ضحك يونس حتى سقط أرضًا عندما قصصت له ما حصل:
-إنها حقًا كالبوكر، لا يمكنك المراهنة مائة بالمائة.
-على الأقل عرفت لماذا كانت تضحك على نكاتك السيئة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!