قصص

الحوض المرصود ولعنة الحاسة صفر

شريف جلال القصاص

شريف جلال القصاص

النوم بغير ألم ينخر جسدك يكاد ينفذ إلى روحك،
تنفسك عبر الهواء بغير أنبوب الأكسجين …نِعم عظيمة وهي تمام العافية، التي تتكدر الحياة يفقدها.

لكن الشعور بالجوع والعطش والارهاق والتعب وجدت لحكمة بالغة، فالحياة لا تستقيم بغير الصحة وسلامة الجسد، دون أن تخلوا من السقم والضعف أحيانًا؛ وذلك هو قمة الكمال البشري، ناقص من يفتقد شعور الضعف والألم.
مسكين من يمتلك الحاسة صفر.

-الحوض المرصود.
الحوض المرصود هو تابوت فرعوني من الجرانيت، وضعه أمير مملوكي أمام جامع الجاويلي في حي السيدة زينب، كان يُملئ بالمياه للشرب ثم سرت شائعات أنه يُشفي من الأمراض؛ أطلق عليه المصريون الحوض المرصود (أو المسحور).
ثم أصبح مشفى للأمراض الجلدية.

وقفت (فريال) سيدة في أول العقد الخامس من عمرها أمام مكان قطع تذاكر مشفى الحوض المرصود- شديدة الوهن شاردة الذهن- يبدو من هيئتها أنها لا تنتمي لهذا المكان الذي لا يقصده إلا البسطاء.

سألت بصوت خجول: (كم ثمن تذكرة الكشف؟)
أجابت سيدة عجوز:
(ثلاث جنيهات فقط) قالتها بثقة وتواضع مصطنع، وكأنها تطلب الشكر علي ذلك المقابل الزهيد لعلاج المرضى.

كانت (أميرة شلبي) الطبيبة الشابة بقسم النساء- والتي تقوم بأبحاث عن مرض نادر أطلقت عليه اسم (الموت الصامت)- تنظر لإعلان نقل الدكتور (نادر جميل) إلى قسم النساء بغضب، اقترب من الإعلان بعض الأطباء، وبدا عليهم السخط أيضًا فقد كانوا ينتظرونه أن يكون موعد صرف المكافأة التي أقرتها لهم الوزارة.

قالت (أميرة) في ضيق:
(المشرحة لا ينقصها مزيدُ قتلى).
لماذا يضعون معنا طبيب في قسم النساء؟
ابتسمت بسخرية (كوثر) الطبيبة المسؤولة عن قسم العلاج بالليزر وقالت لها:
(وما الذي يزعجك من وجوده معنا؟ تعلمين العجز الشديد في عدد الأطباء، ثم إنه برغم أصوله المصرية يحمل الجواز الأمريكي، ولا يملك لأحد الاعتراض على وجوده في أي مكان، لاسيما ونحن نعيش زمن سيطرة العم سام منذ سقوط الإتحاد السوفيتي.

تدخل السيد (راشد) نائب المدير وطالب الجميع الانصراف إلى حجرة الكشف الخاصة به والاستعداد لتوقيع الكشف على المرضى، الذين تزدحم بهم كل قاعات وممرات المشفى.

في استراحة الانتظار الكبيرة حيث المقاعد المتهالكة يجلس عليها بعض المرضى، ووقف الباقي يؤدون لعبة الكراسي الموسيقية وتبادل الأدوار، منتظرين دورهم لتوقيع الكشف عليهم، وأمام أحد الحجرات صرخ العامل من قائمة طويلة تضم أسماء المرضى وبصوت غليظ غير واضح، تتطوع بعض المريضات بتكرار اسم المريضة المنادى عليها، بينما عشرات الأعين يشيعونها حتى حجرة الكشف.

(فريال عادل الدميري)
دخلت (السيدة فريال) إلى عيادة الدكتور ( نادر)، رحب بها الطبيب وسألها عما تعانيه، أخبرته أنها
مصابه بسرطان الجلد وفي مرحلة متأخرة من المرض، لكن…

قاطعها وطلب منها أن يرى ذراعها بعد أن لاحظ
بثور حمراء تؤكد كلامها، وتجعله في حال صدمة وفزع، فما رآه لا يمكن لبشر أن يحتمله، حتي لو ابتلع شريط كامل من ( المورفين أو اكسيكدون).

قطعت (فريال ) دهشته بابتسامة حزينة ثم قالت له:
أنا لم أحضر إلى هنا واطلب مساعدتك من أجلي وانما من أجل أبني (سليم).

حاول أن يحتفظ بثباته بينما يحدث نفسه عن ماهية العلة التي يعاني منها ذلك الصبي- والتي تجعل من العذاب المتوحش الذي ينهش جسد الأم- شيء ثانوي يمكن تأجيل الاهتمام به أو التعاطف معه، إلا أن يكون (سليم) هو بطل أسطوري جديد لأحد المأسي اليونانية الحزينة لتزيح (أسطورة سيزيف) وعذابه الأبدي في الجحيم عن عرش الألم.

تمالك (نادر) نفسه وقال لها وهو يمضي للجلوس خلف مكتبه:

  • كيف لي أن أساعد ولدك؟ ولماذا لم يحضر معك؟
  • كتاب ينقصه الفصل الأخير.
    لماذا الألم؟ لماذا المرض؟ لماذا الخوف؟
    هل ستكون الحياة أفضل بدون نقص؟
    كانت تلك الأفكار تدور في رأس (آدم الشميري) وهو مستلقٍ علي سريره، ينتظر التقاط إشارة النوم وسرها الغامض وتحويلها للمعجزة التي يغفل عنها البشر، نعيم الموت الصغير الانسلاخ عن غصة الحياة لاسيما بعد عناء يوم طويل.
    (آدم) مواطن أمريكي من أصل مصري، والده من
    الأقصر عمل مرشدًا سياحيًا، تزوج من أمريكية أثناء رحلتها إلى مصري، وبقيت معه أربعة أشهر، طلبت منه الرحيل معها إلى وطنها؛ رفض وتم الطلاق، أتصلت به وأخبرته أنها أنجبت له طفل أسمه آدم، استمر التواصل بينهما إلى أن مات بعد عدة أشهر.

ظلت والدة (آدم) على تواصل مع أهل والده؛ ترافقه إلى مصر طوال طفولته، ولا يزال يذكر الكثير من الذكريات الجميلة عن مصر.

اعتنت به ولم ترحل عن الدنيا إلا بعد أن تخرج من كلية الطب في مجال الأمراض الجلدية، ثم حصل على دورات متخصصة في مجال أمراض الدم والوراثة وتخصصات أخرى نادرة.
يعيش في مدينة (سانت مونيكا) بمقاطعة (لوس انجلوس) ولاية (كاليفورنيا) تجاوز الثلاثين ولم يتزوج بعد، متميز وطاقته لا تكاد تحد.

بدأ يومه كعادته في مشفى (لوس انجلوس) التي يعمل بها- والتي تبعد عن مدينته نصف الساعة- يعالج المرضي ويعد الأبحاث الطبية، انتقل بعدها استقل سيارته واستخدم حاسوبه، في إرسال أحد السيناريوهات المطلوب منه بعد وضع ملاحظاته الطبية عليه، ثم انتقل إلى الأكاديمية الطبية التي يحاضر فيها ليلقي المحاضرة الأولى للدارسين الجدد.

دخل القاعة شبه الممتلئة وصعد حيث المكان المخصص للمُحاضر، في مواجهة الدارسين، وأمام شاشة العرض المخصصة للمواد المتلفزة.

توقفت الهمهمات الخافتة بين الدارسين قبل أن يستعد للكلام، فُتح باب القاعة ودخلت فتاة متوسطة الطول، ترتدي غطاء رأس وردي اللون وتحمل حقيبة وآلة تصوير حديثة، نظرت إلى (آدم) وكأنها تطلب الأذن بالجلوس، سمح لها وجلست في الصف الأول المخصص للصحفيين.

ضغط (آدم) على مكبر الصوت المثبت في طرف سترته وتحدث بثقة كبيرة تقترب من الغرور: ـ أنا (آدم الشميري) بروفيسور الأمراض الجلدية وامراض الدم و…

رفع كتاب وتحدث هو يتحرك ببطء وكأنه في حفل غنائي:
سوف أدرس لكم كتابي هذا وهو بعنوان
(قياس الألم ووسائل العلاج).
أمضيت في كتابته ثلاث سنوات، وثًقت كل شيء فيه بمواد مصورة بعضها بالغ السرية والخطورة، هو ثالث الكتب مبيعًا في ولايات الغرب والسابع علي مستوي الولايات المتحدة.
أخبرهم أنه قسمه إلى عشر فصول، الأول
خصصه للألم البسيط جدًا أقل من (واحد) باينوميتر
مثل ألم وخز الإبر الدقيقة أو لمس جسم ساخن مثل شعلة القداحة.
ألم الولادة في الفصل السابعة، وألم اخذ عينات من نخاع العظام.

الفصل الثامن كان لمرض السرطان، كانت الفيديوهات قاسية وظهر التأثر علي الجميع تدخل الدكتور آدم حزم يخبرهم، أن شعورنا الإنساني محل تقدير، لكن
ينبغي على الطبيب، أن يوظف تعاطفه بصورة تفيد المريض؛ حتى يبث فيه الأمل لا أن يسقط في شعور التعاطف السلبي؛ فيصبح عاجز مثله مثل المريض.

الفصل التاسع خصصه لألم الحروق ووسائل التعذيب المختلفة، تم توقيفه من معتقل (جوانتاناموا)، كانت المشاهد مرعبة خاصة وهي تتم على يد اطباء خبراء في الوصول إلى درجة مفزعة من الألم دون ان ينجوا من هذا الجحيم إلى الموت.

في الفصل العاشر والأخير كانت المفاجأة فقد كان يتكون من بضع صفحات، بيضاء، أخبرهم أنه ترك
هذا الفصل لأعلى درجات الألم ، وترك له تلك الصفحات تذكره باستمرار التجارب والبحث ليكتمل يومًا ما.

انتهت المحاضرة وانصرف الجميع وظلت صاحبة غطاء الراس الوردي، وقفت في مواجهة الدكتور آدم تعرفه بنفسها: -(سارة مصطفي) صحفية متدربة في صحيفة عرب تايمز. -(آدم الشميري) =سيدي لديك شهرة واسعة وغني عن التعريف.
طلب منها أن تخبره كيف يستطيع مساعدتها؟ أخبرته أنها تود أن تكتب مقال عن إنجازاته العلمية في الجريدة باعتباره شخصية ذات أصول عربية.
هز آدم رأسه ليعبر عن الموافقه، ووعدها بتحديد موعد، أخرجت له بطاقة التعريف الخاصة بها وقالت بينما تهم بالانصراف:
هذا هاتفي أرجوا أن لا تتأخر في تحديد الموعد.

  • صيد الأشباح
    ( سيدي المدير التقرير الأول جاء من كمبوديا)
    تلقى السيد (ميلر)- المسؤل الكبير في مكتب المخابرات الأمريكية- من مدير مكتبه عبر الهاتف تلك المكالمة باهتمام شديد، أخبره المتصل أن أحد عملائهم عثر على حالة مؤكدة، أنه صبي في التاسعة كان بصحبة والده الذي يقوم بألعاب الخفة في أحد شوارع العاصمة (بنوم بنه).

أكمل المتصل حديثه:
بالطبع سيدي برغم فرار الشقي وسط الزحام، أمرت أحد القناصة من فوق أحد الأسطح أن يمطر الجميع بالرصاص المطاطي يشبه الحصى، أسقط الجميع ارضًا في ثوان للحظات كانت كافية لمعرفة الهدف والإمساك به.

إستمرت المكالمة قال المتصل:
نعم سيدي الحالة الثانية في (أكرا) عاصمة (غانا)، أخبرنا عميلنا أن مجموعة من الصبية تجمعوا حول صبي يضربوه بعنف، يستخدمون العصي والأدوات الحادة ويصفوه بالمسخ، ظل الصبي واقف مكانه بغير اكتراث أو شعور بأي ألم رغم جروحه العديدة…

أثناء أداء لعبة التصويب بالسكين على ولده أخطأ ليصيب كتفه، فقام نزعها بسرعة واستكمل العرض، وحين حاولوا الإمساك بالطفل المطعون بالسكين دون أي احساس، استطاع والده تهريبه سأله ميلر هل نجح الاغبياء الإمساك به؟

أما ألبانيا فقد حصل عملائنا على سبعة أطفال في عيادات طبية، بعضهم تم خياطة جروحهم وآخرون خلعوا بعض أسنانهم، دون استخدام أية موادوبدون شعور بأي ألم.
آخرين عثر عليهم في اليمن وآخرين فى الصومال….

ظل الرجل يخبر (ميلر) الذي ظل يتابع باهتمام
وابتسامته تزاد اتساعًا، ما دفع مساعده بعد أن استمع المكالمة، عما سوف يفعلوه بكل هؤلاء الأطفال من دول العالم الثالث، تناول ميلر قطعة حلوى وألقى واحده للسائل، ثم أجابه بأنهم ليسوا مجرد أطفال بل هم قنابل نووية جديدة سوف تقضي على أعدائنا- الدب الروسي والتنين الصيني- وربما تنهي الحرب العالمية الثالثة قبل أن تبدء.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!