ابداعاتخواطر

جريمة عقل

كتبت: هاجر متولي

‏ذات يوم كنتُ امرأة مُدللة، مُبهجة بالفطرة، ولا أُبالغ إن قلت أنني لا أعرف كيف أحزن بدرجة تنْطفئ معها الحياة، خُلقتُ بشوشة أُطرب للجمال، وأراني استسلم ليد الفرح، وأتناسى، فيمضي بلطف الله الألم.

ولكن قد أصابتني الأيام بثقلها، فأصبحتُ من أصحاب المزاجات المعقدة، ممن يُسرفوا في إدراك الأشياء والشعور بها، رُبما تغيّرت نظرتي للكثير من الأشياء، ولكن مازال بي شيء لن يتغيّر، أحتاجُ إلى الشعور أن الطريق الذي أسلكه – مهما صعُبت عليّ المِحن- سيكون الطريق الصحيح؛ ليأخذني إلى ما تَمنى قلبي ورَغب.

نمضي في الحياة، ولا نعرف أين نحن ذاهبون، نهرب من أشياء لا نعرف لما تُطاردنا؟ نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا -إلا تلك التي نرغبُها وبشدّة- ونتكلم كثيرًا إلا الكلام الذي نُود قوله -نحبسه بـِداخلنا- تائهون في حكايات مضت، وأُخرى نعيشها، ومشتتون بين أُمنيات نرغبُ بها، وأخرى تاهت منا دونَ أن نُدركها، معتادون على كل شيءٍ حدث ويحدثُ معنا، ومقبلون على الحياة دونَ أنفسنا.

وما أتمنى إلا أن يهدأ هذا الصراع بين أحلامي و واقعي، أُريد أن أحيا مثلما أرغب، وآخذ ما أُحبّ دون أن أُوضع في اختباراتٍ بينه وبين شيءٍ آخرٍ… أُريد أُيامًا طيّبة، يَحفّها الأمان -لا مثالية- وقلبٌ ينبض فحسب، دون توجسٍ أو ريبة، و كأنني أَعبر الحياة لأول مرةٍ!

أَحتاجُ أن أُرتّب كل هذه الأَشياء المُبعثرة في نفسي بعيدًا عن الفوضوية التي يسير بها كلّ شيءٍ حولي، أَحتاج للكثير من الرّاحة و الهدوء.

وكأن الزمان يُعاقبنا أننا مازلنا بخير، نريدُ أشياء لم يعدُ لها أثر، نريدُ بهجة وسلام، وهذا العالم أصبح مليء بكل ما هو مُزيف ومُلوث، وسيظل هذا الصراع بداخلنا لا ينقطع؛ ليُعاقبنا الزمان على جريمة ارتكبها العقل.

أؤمن بأن الطيبون يملكون وجهًا مُشرقًا وكأنهم يتقاسمون مع الورود أشعة الشمس -عندما تراهم للوهلةِ الأولى- فلتسرق من قلوبهم بهجة، ولتقم معهم رباط من المحبة لا ينقطع، فإن أعظم الأمور لا تُطلب ولا تُنجز إلا بدافع الحب أو بسببه أو بفضله.

نحن الذين يُعاقبنا الزمان على جريمة العقل، وتناسى الزمان أن إدراكه وشعوره هذا، ما هو إلا إثبات لوجوده وكينونته، بل أنه نتاج لما فعله به، أليس من مهامه أن يَدرك ما لا يُقال، وأن يفطن بشعوره الأشياء المُبهمة؟

ألا يعلم أن من يجهل قراءة العيون، ويشعر بما لا يقال في الكلمات، أنه لم يسمع صوت قلوبنا أبدًا، أليس تلك جريمة أيضًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!