ابداعاتقصص

الحافلة 375

بقلم/رحمة خميس

يجلس على مكتبه يقرأ في أوراق القضية الجديدة التي شغلت حيز جديد من تفكيره، يحتسي قهوته، ويدخن السيجار بشراهة وسط نظرات الضابط الجديد بالعمل، يقف وينظر لتدخينه مندهشًا من كم السجائر التي بجانبه والتي يدخنها.

سليم: من أنت، ولمَ تقف هكذا؟

يزن: أنا الضابط الجديد يزن سالم، سوف أعمل بجد.

قاطعه سليم قائلًا: نعم، لقد تذكرت، اجلس هنا.

ذهب يزن وجلس بالمكان الذي أشار عليه سليم، وتابع سليم قائلًا: هل عملت على قضايا حقيقية؟

توتر يزن ويظل يفرك بيديه واستجمع شجاعته: نعم، في مشروع تخرجي.

ضحك سليم وأردف: مشروع تخرج؟ يبدو أنك مستجد حقًا، حسنا أيها المستجد، هناك صندق كبير في الرف الخامس من هذا الركن، خذه وأبدأ بقراءة ملف القضية ثم حاول الإطلاع على الأدلة، وقل لي ما هي ملاحظاتك بعد الانتهاء، وهذا مكتبك الجديد.

ذهب يزن وأخذ الصندوق ووضعه أمامه على المكتب وبدأ بتفريغه.

أمسك الملف ووجد أسم القضية مثير للانتباه “حادثة الحافلة 375” ثم قال سليم: أيها الرئيس، لقد سمعت عن حادثة هذه الحافلة، لكن لم اعرف ماذا حدث بعد ذلك.

سليم: أقرأ الملف وستعرف، ولا تفرح كثيرًا، تم تأييد هذه القضية ضد مجهول.

يزن: ماذا؟ ألم يكن هناك قاتل؟

سليم: اقرأ الملف وستفهم قليلًا.

لم ينتظر يزن كثيرًا وبدأ بقراءة القضية وكانت كالتالي:

تلقينا بلاغ من امرأة كبيرة بالعمر يوم 15 نوفمبر عام 2006 وشاب بمقتبل العمر يُبلغان عن اختفاء الحافلة 375 وقالت العجوز أن بالحافلة يوم 14 نوفمبر 2006، كان هناك ثلاث رجال مجهولين ركبوا بمنتصف الطريق وليس الطريق المخصص للوقوف للحافلات، وقف لهم السائق، حيث كان الجو بارد للغاية، كانوا يرتدون ملابس تقليدية قديمة ظننت أنهم يخرجون من مسرحية بهذه الملابس، كان هناك زوجان خلفي نزلا من الحافلة بعدما ركب هؤلاء المجهولين، نظرت ورائي ووجدت اثنين منهم وجههم شاحب للغاية وشفاههم زرقاء كأنهم أموات.

والثالث الذي بالمنتصف لم أرَ وجهه، شعرت بالخوف الشديد وقررت النزول، لكنني خفت على ذلك الشاب الصغير الذي كان يركب الحافلة معنا، فاضطررت لاختراع قصة السرقة حتى يخرج معي من الحافلة، وفي اليوم التالي عندما ذهب لموقف الحافلات لم أجد الحافلة 375 مرت في وقتها المحدد وانتظرت كثيرًا ولم تأتِ، ثم أتيت للإبلاغ بما حدث.

أقوال الشاب لم تكن مختلفة عن العجوز كثيرًا، حيث أنه لم يصدقها ولم يشعر بأي شيء غريب تجاه الأشخاص المجهولة التي ركبت الحافلة، حيث وجد السيدة تصرخ عليه وتقول أنه سرقها وعندما نزلوا من الحافلة للذهاب لقسم الشرطة سردت له ما حدث وقالت أنهم أشباح ولم يصدق ما قالته.وعندما تم سؤال العجوز كيف كان ترتيب الجلوس في المقاعد، قالت أن السائق كان بالأمام، رجل يقوم بأخذ الأجرة، في المقعد الأمامي أيضًا ثم الزوجان وخلفهما الشاب وخلفه العجوز والثلاث المجهولين كانوا خلف العجوز في المقعد الكبير.

لكن بعد يومين تم إيجاد الحافلة 375 في خزان يبعد عن موقف الحافلات بساعة، وبداخل الحافلة السائق ورجل الأجرة وشاب غير معروف ميتين بطريقة غير معروفة، وحسب نتائج الطب الشرعي لا يوجد دليل على أنه تم قتلهم، لكن الجثث كانت متحللة بطريقة غريبة كأنه مر عليها اسبوع وليس يومان.

حيث تم استجواب من كانوا بالحافلة مرة أخرى وأخذنا شهادة الزوجان، ولم نجد أي جديد بالشهادات، وكانت الحافلة في مكان يستحيل أن تذهب إليه، حيث تم إيجادها داخل الخزان وهو كان بركة مياه يتم التصريف بها من خلال أنابيب كبيرة، وجدنا بداخله الحافلة غارقة، ولا يوجد بها وقود، حيث كان الوقود غير كافي للذهاب لكل هذه المسافة، وعندما تمت مراجعة كاميرات المراقبة للمنطقة، لم تظهر الحافلة أنها مرت من ذلك الطريق، حاولنا إيجاد الشخصان المجهولان لكن دون جدوى، وتم تأييد القضية ضد مجهول.

بعدما انتهى يزن من قراءة ملف القضية شعر أن هناك قطع مفقودة كثيرة في هذه القضية.

يزن: هذه القضية غريبة للغاية أيها الرئيس، كيف تم تأييدها ضد مجهول؟ لمَ لم يتم مراجعة كاميرات المراقبة في الطريق الذي ركب منه المجهولين؟

سليم: لقد فعلت، كان هناك كاميرات مراقبة في محال قريب وقال أنه لم يشاهد أي حافلة في ذلك الطريق، وعندما راجعت تفريغ الكاميرات لم أجد أنها مرت من ذلك الطريق.

يزن: هل تقصد أن العجوز والشاب والزوجان يكذبون جميعًا؟ كيف ذلك؟

سليم: لم أقل ذلك، لكن السيدة العجوز قالت أنهم كانوا أشباح والشخص المجهول الذي كان بالمنتصف لم ترَ أرجله، قلت لها من الممكن أن تكون مخبئة وغير ظاهرة، لكنها أصرت أنه لم يكن لديه أرجل.

يزن: هل عندما وجدتم المجهول بالحافلة كان بلا أرجل؟

سليم: لا، كان سليم، لذلك لم أصدق العجوز كثيرًا؛ لأن الشاب لم يشاهد أي شيء غريب ولم يصدقها أيضًا.

يزن: هل كان هناك شيئًا غريبًا عندما وجدتم الحافلة؟

سليم: كان هناك دم بكل مكان ولم أفهم ما ذلك، لكن المثير للدهشة أن موقف الحافلات الذي كان يجب أن تقف به الحافلة كان يبعد عن الخزان بساعة، ولم يكن الوقود كافي للقيادة لمدة ساعة إلى الخزان.

يزن: أعتقد أن الرجلان المجهولان قُطاع طرق والثالث الذي لم يظهر وجهه كان ميتًا منذ البداية، وظنا أن الحافلة في نهاية طريقها وقد جمعت أموال كافية فصعدوا إليها وسرقوها.

سليم: والشاب الذي صعد معهم ولم يظهر وجهه من تظنه؟

يزن: أعتقد أنهم قطعوا طريقه واعترضهم ثم قتلوه، وصعدوا به إلى الحافلة؛ ليُكملوا جريمتهم بقتل باقي الركاب، لكن العجوز والشاب والزوجان كانوا محظوظين للغاية، والتعساء السائق ورجل الأجرة.

سليم: أعتقد أن المستجد بدأ يفهم طبيعة العمل البعيدة كل البُعد عن مشروع التخرج.

يزن: لكن كيف لم يتم إيجاد مرور الحافلة في الطريق للخزان وفي منتصف الطريق عندما ركب المجهولون؟

سليم: لم تفهم الصورة كاملة حتى الآن؟

يزن: هل تعتقد أنهم أشباح؟

سليم: ولمَ لا؟ لكن لا وجود للاشباح بعملنا، أسمع يزن، هذه القضية تم تأييدها ضد مجهول؛ لأن بها ملابسات كثيرة، لن تستطيع فهم هل هم أشباح أم قطاع طريق؟ وهل صادفوا الشخص غير المعروف وقتلوه بطريقهم أم لا؟ لكن تقرير الطب الشرعي الذي أثبت أنهم ماتوا منذ اسبوع وليس يومين، وكاميرات المراقبة التي لم تسجل مرور الحافلة، ستجد نفسك تعود للقضية من البداية ولا تفهم ما هي الحقيقة بالنهاية؟

يزن: لماذا جعلتني أقرأ هذه القضية المجهولة؟

ربت سليم على كتف يزن وقال: عملنا يعتمد بالدرجة الأولى على التفكير، ليس التفكير السطحي، ولكن التفكير العميق والحدس أيضًا، اجعل حدسك يقودك أيها المستجد، اجعل تفكيرك جامح وحاول الوصول للحقيقة بأبعد طريقة ممكنة حتمًا ستصل للنهاية يومًا ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!