ابداعات

لكني لازلت أذكرها

✍️الشيماء أحمد عبد اللاه.

أروي لكم تجربتي مع زائرٍ، ولنقل أنه عاشق، يأتي إليّ مرتين أسبوعيًا؛ لإزالة بعض الغرز في إصبعه، رجلٌ عجوز في الستين من عمره، في كل مرة يأتي فيها، لابد أن يكون على عُجالة من أمره، ولاحظت هذا أكثر من مرة، وعزمتُ على سؤالي له، لم تأتِ في التاسعة، وتستعجلني للنهي في التاسعة والنصف، ما شأنك؟ ولما في كل مرة في نفس الموعد ؟

قال العجوز الزائر: إنه موعدٌ هام جدًا، وحان وقت رحيله، ولم أعلم ما نوعية هذا الموعد، وماذا سيكون لدى هذا العجوز موعد؟ إنه لأمر عجيب، بل والأعجب، هو ابتسامته؛ أتذكره ذاك الموعد، وظننت أنه لديه موعد غرامي، ولكن سرعان ما اندمجت مع الحالة التالية.

لقد اقترب موعد الزيارة التالية لهذا العجوز، لابد لي من معرفة هذا الأمر، فضولي يقتلني، حسنًا لأنهي هذا الأمر، وحين يأتي غدًا، سأستفسر منه عن كل شيء.

حضر العجوز وقال لي: هيا لننتهي من الأمر، لدي موعد مهم جدًا، التاسعة والنصفؤ نظرت له وأنا في فضول شديد، أولًا عليك بالإجابة على سؤالين، الأول: ما هذا الموعد الذي في كل مرة تركض إليه مسرعًا؟ والثاني: لما أراك مبتسمًا وأنت ذاهب لهذا الموعد؟ أأنت عاشق!

ضحكة عالية من هذا العجوز، علت المكان، وقال في كل مرة آتي إليك، يكون لديّ موعد مع زوجتي العزيزة، قرة عيني، أذهب لتناول الفطور معها في دار العجزة، إنها ليست بعيدة من هنا، لكن أخاف أن أتأخر عليها، فتغضب.
قلت له: دار للعجزة، أأنت جاد! كيف لك أن تتركها هناك؟ ماذا فعلت لك؟ ولما كل هذا؟

‏قال العجوز: مهلًا لقد أسأءت الظن، إنها مريضة بالزهايمر، لا تتذكر أي شيء، لقد أصابها المرض لكبر سنها.
‏قلت له: ولما قلت تخاف أن تتأخر عليها، ستغضب.
‏قال بنبرة شبه باكية: إنها لا تذكرني حتى، ولكنها تغضب كالأطفال إذا تأخرت عنها، تعودت على وجودي، ولكن لا تعلم من أنا، يكفيني أنني بجوارها.
‏اندهشت وقلت له: لا تذكرك، وتغضب، وكل مرة على عجالة من أمرك، وتذهب لها في الموعد، لما تفعل كل هذا.

ضغط على يدي، وقال بابتسامته المعهودة: هي لا تتذكرني، لكني لا زلت أتذكرها، كيف لي أن أنسى، أو حتى احاول الابتعاد عنها؟ أتعلم إنها ابنتي، ولتعلم أنني أدللها الآن أكثر فأكثر، ترتمي لاحضاني حينما تراني، تُمسك بيدي وتقبّلها، كيف لي أن أبتعد ولو دقيقة، بل وماذا يجعلني أتأخر عنها؟ إنني أود أن أجري كل يوم، بل وكل دقيقة؛ لأجلها، أتمنى لك يومًا سعيدًا، لقد تأخرت على موعيدي، ستكون أنت السبب، سأذهب لشراء بعض الزهور حتمًا ستعشقها، ولتعلم أن من سكن الفؤاد سيظل فيه، حتى لو لم يذكرنا، هي لن تتذكرني، وقال الأطباء نسبة شفائها معدومة، ولكن لتعلم أمرًا هامًا، إنني لا زلت أذكرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!