طرف خيط… الجزء الثالث والأخير

بقلم – جلال الدين محمد
عن قصة حقيقية
المشهد السابع
وزع النقيب “كمال” فريقه على نحو جيد، كانت نقطة الالتقاء في وسط الحي فطلب من المخبر “شوقي” والنقيب “علاء” الجلوس معًا على أحد المقاهي، فيما ذهب مع المخبر “عبد العال” إلى مقهى مجاور. كان الجميع يرى الفتاة بوضوح التي أخبرها الشقي “عبد ربه” أنه سوف يأتي لاصطحابها بعد خمسة دقائق، ولكن ما حدث أنه تأخر خمس ساعات.
سيطر القلق والتوتر على الجميع، النقيب “كمال” كان يعلم أنه سوف يكون مجبرًا على تنفيذ القانون مع “هنادي” وأخذها إلى السجن إذا لم يحضر، والفتاة كانت خائفة على مصير ابنها الرضيع، وأنه سوف يُصبح تربية ملاجيء وربما لن تراه مرة أخرى.
وبدأ التعب ينال من الشرطيين، بعد أن قضوا الكثير من الوقت بدون نوم، حتى انشقت الأرض عن الشقي المطلوب.
كان طويل القامة ذو لحية كثيفة غير منسقة، يرتدي بنطال قديم قبيح باللون الأخضر الباهت، ومعطف من المشمع أحمر اللون. كُتلة من القبح تحركت على مرمى بصرهم، لتمر بجوار الفتاة وتهمس لها “امشي ورائي”.
تحركت “هنادي” فبدت وكأنها تركض خلفه. أشار النقيب “كمال” لفريقه فانطلقوا على الفور، الخطة كانت واضحة، يجب أن نتركه حتى يأخذنا إلى شقته، فلو قبضنا عليه في الشارع لن نستطيع توجيه أي تهمة له، ولن يأخذنا أبدًا إلى الشقة.
لم يترك أي واحد من رجال الشرطة الأربعة هاتفه من يده، لم يستطيعوا بالطبع استخدام أجهزة اللاسلكي، وكان كل واحد منهم يتابع مع الآخر أنه يرى “عبد ربه” حتى لو تاه عن عيني أحدهم، فالآخر يراه، حتى حدث ما جعل “كمال” يشعر أن أحدهم سكب الماء البارد على رأسه.
دخل “عبد ربه” إلى حارة جانبية، ثم أشار بيده إلى “هنادي” لتدخل خلفه، وهكذا اختفوا عن أنظاره. ولم يكن “علاء” ولا المخبر “شوقي” يراهم أيضًا، ولم يرد “عبد العال” على اتصاله. هو لا يعلم ما الذي يوجد في الحارة، ولو اقتحم الثلاثة، سوف يُعرف على الفور أنهم من الشرطة، حتى صالحه اتصال من “عبد العال” الذي قال: ادخل من أول شمال يا باشا من عند المدرسة، المطلوب قدامي.
المشهد الثامن
هرول النقيب “كمال” والنقيب “علاء” والمخبر “شوقي” إلى الشارع. ثم تفرقوا كأنهم ليسوا معًا، أمامهم “عبد العال” يتظاهر بأنه يشتري شيئًا ما، ويشير لأحدهم بالتقدم لتتبع المشتبه به، وقد كان، حتى تم رصده وهو يهم بالصعود إلى أحد العمارات قبيحة الشكل، التي هي عبارة عن كتلة من الطوب الأحمر، مكونة من عدد كبير من الطوابق.
أشار النقيب “علاء” إلى زميله أنه حان الوقت لإيقافه لا يمكنهم تركه في هذه المرحلة، وبالفعل أشهر كل واحد منهما مسدسه، وقالا معًا “اثبت مكانك”.
استدار “عبد ربه” بثبات مُجرم عتيد في الإجرام، وبثقة منقطعة النظير في نفسه، ودون أن يظهر عليه أي علامة للتوتر أو الارتباك، رد بقوة: من أنتما؟ هل أنتما لصوص؟
– نحن من الشرطة.
– شرطة؟! لا أرى أمامي سوى اثنين فقط، أي شرطة هذه التي سوف تُهاجم باثنين. أريد أن أرى هوياتكم.
أظهر كل واحد منهما بطاقة إثبات شخصيته، وأخبراه أنهما في مهمة تابعة لمكافحة المخدرات.
كان يبدو على ملامح “عبد ربه” أن قد فهم كل شيء، واستوعب أن “هنادي” سلمته لهما، فنظر إليها بطريقة جعلتها تذوب من الخوف، ثم انتقل بعينيه إلى رجال الشرطة وقال في ثبات: حتى لو كنتما من رجال الشرطة، ماذا تريدان مني؟ أنا رجل شريف نزلت من شقتي لشراء بعض الفول والفلافل من أجل الفطور، هل أصبح شراء الفطور تهمة في البلد الآن؟
أشار النقيب “كمال” إلى المخبرين ليقوما بتفتيش الرجل، فقال لهما في استنكار وبأي حق تقوما بتفتيشي، هل معكما إذن من النيابة لفعل ذلك؟
– أين تسكن يا رجل؟ قال “علاء”.
– لقد انتقلت إلى هذه المنطقة منذ وقت قصير، ولم أحفظ الشوارع والعمارات بعد. ربما تكون هذه العمارة التي أسكن فيها، أو التالية، أو ربما تلك التي في بداية الشارع. لا أتذكر.
– ومن هذه الفتاة؟ قال “كمال”
– أجاب “عبد ربه”: هذه ابنة أختي، جاءت من البلد لزيارتي. ألستِ ابنه أختي يا “هنادي”؟
– قالت “هنادي” في صوت خافت: نعم يا خالي.
– أمر “كمال” المخبرين بالتحفظ على “عبد ربه”، ثم نظر إلى “علاء” وقال لم يعثروا معه سوى على مائة جنية، وبطاقته الشخصية، ومفتاح شقة، ماذا نفعل؟
– اسمعني يا “كمال” لقد خرجنا في هذا الأمر لمطاردة المجهول، لم نكن نعلم إلى أين ستأخذنا أرجلنا، ونحن حتى لا نعلم مدى خطورة هذا الرجل أو ربما الفتاة خدعتنا. لدينا المفتاح، لنحاول أن نفتح به كل شقة في هذه العمارة، لدينا هنا خمسة طوابق وكل طابق به شقة واحدة.
– هل تعلم ماذا تقول يا “علاء”؟ نحن لا نعلم ماذا يوجد في هذه الشقق؟ وربما نروع الآمنيين في بيوتهم، ونتسبب في مشكلة كبيرة للغاية.
– ليس لدينا حلًا آخرًا، لنحاول أنا وأنت. سأخرج بطاقة هويتي ليعلم من يرانا أننا من الشرطة.
– استجاب له “كمال” في يأس وصعدا درجات سلالم العمارة. لم يحتاجا لفعل شيء في الطابق الأول، فقد خرجت طفلة صغيرة وأخيها، وخلفهما صوت أمهما تقول: اشتروا الملح أيضًا يا صغار.
– وفي الطابق الثاني، كانت زوجه تصرخ وتستغيب بالجيران بينما يضربها زوجها لأنها أنفقت كل مصروف الشهر في الأسبوع الأول منه، واستدار الرجل نحو “كمال” وقال له: المرأة تريد أن تخرب بيتي، ثم دفع زوجته إلى الداخل وتابع ضربها.
– في الطابق الثالث، لم يكن هناك أي أصوات. حاول النقيب “علاء” فتح الباب فلم ينفتح. إذن الشقة مغلقة ولا أحد هنا.
– في الطابق الرابع، فتح أحدهم الباب في ذعر، فأشهر النقيبان بطاقاتهما الشخصية في وجهه. تفحصها الرجل وقال: هل هناك شيء يا باشا؟ فأشار له “كمال” ليدخل إلى منزله.
– وفي الطابق الخامس لم يفتح المفتاح الباب ولم يكن هناك أحد في الشقة، لكن المخبر “عبد العال” قال: يا باشا انظر.
التفت “كمال” فوجد سلم حديدي ينقل إلى السطح، وحين صعد تغيرت ملامح “عبد ربه” هناك توجد غرفة، وضع في بابها المفتاح، فدار وفتح الباب.
المشهد التاسع
صدمت الرائحة التي انبعثت من الغرفة العلوية أنف النقيب “كمال” بعنف، وكأن كل ما يوجد في مصر من أفيون قد تم تخزينه فيها. تقدم إلى داخل الغرفة وتبعه زملائه وهم يجرون “عبد ربه”، وتقدمت أيضًا “هنادي” وهي تحمل نجلها.
نظر النقيبان حولهما في صدمة حقيقية، كمية الأفيون الموجودة كانت كبيرة للغاية. فاستدار “كمال” بوجهه نحو “عبد ربه” وقال له في شماتة: وقعت في أيدينا.
رد “عبد ربه” في استسلام: مبروك يا باشا. ثم غير لهجته والتفت إلى “هنادي” قائلًا: سلمتيني لهم أيتها العاهرة. فقالت في خوف: لا شأن لي بما حدث. إلا أن “عبد ربه” بصق عليها، فارتعدت ووقفت خارج الغرفة، وتبعها المخبر “شوقي” لإبقائها تحت إشرافه.
تحرك “علاء” نحو الحمام الموجود في الغرفة لقضاء حاجته، وهناك كانت الصدمة أكبر.
الحمام القذر الموجود في الغرفة كان “عبد ربه” يستخدمه لفرز الأفيون الذي حصل عليه، ثم تعبئته في اسطوانات تمهيدًا لبيعها، ما وجدوه في الحمام يُضاعف الكمية التي عثروا عليها. ولكنه جعل قضاء “علاء” لحاجته أمرًا مستحيلًا. هذه مشكلة ثانوية على أي حال.
اتصل “كمال” بالعميد “زكريا” وأخبره بكل ما حدث.
تهللت أسارير العميد “زكريا” وعبر عن فخره بما فعله النقيب “كمال” والنقيب “علاء” وظل يردد كلمة “مبروك” مرات عديدة، ثم طلب منه أن يجعل المتهم يحدثه على الهاتف.
– أهلًا يا “عبد ربه” لقد أرهقتنا يا رجل. قال العميد “زكريا”.
– مبروك يا باشا، لا يقع إلا الشاطر.
– أخبرني هل تم ضبطك بكمية صغيرة؟
– رد “عبد ربه” بشيء من الفخر: كان لدى 15 طنًا من الأفيون يا باشا.
– يا “كمال” هكذا قام العميد بالنداء على الشرطي، وبعد أن أجابه قال له، لقد ألقيت أنت وزميلك القبض على “عبد ربه العتال”، هذا الشخص هارب من حكم بالإعدام في جريمة قتل، وحكم بالسجن المؤبد في قضية مخدرات. تحفظ عليه وسوف اتصل بمديرية أمن القاهرة، لإرسال قوة للقبض عليه ومصادرة المخدرات.
المشهد العاشر
أكمل وصول رجال مديرية أمن القاهرة الصورة في ذهن “كمال” وزميله “علاء”، فقد كان “عبد ربه” بمثابة حلقة الوصل بين من يقوموا بزراعة الأفيون في سيناء، وبين من يبيعه في الصعيد. حيث تصل كمية الأفيون إليه، ويقوم هو بعملية الترتيب اللوجستي لنقلها إلى الصعيد، وكان أحد أهم التروس في آلة بيع الأفيون.
نال “كمال” و”علاء” الكثير من المديح من زملائهم في القاهرة، وتم إعداد المحضر على نحو يضمن حصول “هنادي” على البراءة من أي اتهامات؛ لتتمكن من الخروج وتربية صغيرها.
أخبرها “كمال” أنه سوف يتحدث لشخص يعرفه يعمل في إحدى الجمعيات الخيرية في القاهرة؛ من أجل توفير عمل في أحد المصانع، ومحل سكن لها، بعد أن أصبحت العودة إلى الصعيد مستحيلة عليها، وقد صدق وعده معها بالفعل. ولم يتوقف لسان “هنادي” عن الدعاء للشرطي الشريف “كمال”.
أما صاحبنا فقد ركب السيارة مع زميله “علاء” والمخبرين، وبينما يلتفت للحديث إلى “علاء” وجد أن الأخير قد غرق في سُبات عميق وصوت شخيره يُغطي حتى على صوت محرك السيارة، فما كان منه إلا أن استغرق في الضحك هو والمخبرين، على الشرطي النائم.



