أخبار

الخليج يشتعل .. ونتنياهو يدفع الشرق الأوسط نحو حرب مفتوحة لفرض “الشرق الأوسط الجديد”

✍️ يوحنا عزمي

ما يحدث الآن في الخليج لم يعد مجرد توتر عابر بين واشنطن وطهران ، ولا حتى جولة تقليدية من جولات “الردع المتبادل”

التي اعتاد عليها الشرق الأوسط طوال العقود الماضية ، بل نحن أمام محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة بالكامل تحت ضغط النار والدخان والابتزاز السياسي المباشر.

اللافت في المشهد ليس فقط الضربات المتبادلة في مضيق هرمز وبحر عمان، ولا الانفجارات التي هزّت بندر عباس وسواحل الخليج الإيراني ، وإنما التوقيت شديد الحساسية الذي جاءت فيه هذه التطورات ، بالتزامن مع حديث متصاعد عن اقتراب اتفاق أمريكي إيراني كان من المفترض أن يخفف التوتر ويمنع الانفجار الكبير.

لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن أي اتفاق مع إيران لا يمكن أن يمر دون ثمن سياسي ضخم تدفعه المنطقة العربية أولًا، ودون مكاسب استراتيجية تمنحها واشنطن لتل أبيب مقابل السكوت أو القبول. وهنا تحديداً يظهر نتنياهو باعتباره اللاعب الأخطر في المشهد، لأنه يدرك جيداً أن أي تهدئة مع إيران تعني تلقائيًا تراجع مبررات الحرب ، وانخفاض مستوى الخوف الإقليمي، وربما بداية ضغوط دولية حقيقية عليه لوقف نزيف غزة ولبنان.

لهذا لم يكن غريباً أن تتحول المفاوضات فجأة إلى منصة ضغط علني لفرض ما يسمى باتفاقيات إبراهام على أكبر عدد ممكن من الدول الإسلامية ، وكأن المطلوب ليس فقط وقف التصعيد ، بل إعادة تعريف شكل الشرق الأوسط بالكامل وفق الرؤية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة.

ترامب لا يتحدث هنا كرئيس يسعى لاتفاق سلام، بل كرجل يحاول صناعة “الصفقة التاريخية” التي تمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحروب وحدها؛ اعتراف إقليمي واسع يجعلها كياناً طبيعياً ومقبولًا داخل المنطقة ، حتى لو كان ذلك على حساب القضية الفلسطينية أو توازنات المنطقة أو سيادة الدول نفسها.

المثير للسخرية أن الطرح الأمريكي يصل إلى حد الحديث عن إمكانية إدماج إيران نفسها في هذا الترتيب الجديد ، في الوقت الذي تتعرض فيه مواقع إيرانية للقصف وتشتعل فيه مياه الخليج بالمواجهات العسكرية. وهذا يكشف التناقض الأمريكي المعتاد؛ تفاوض بيد ، وضغط عسكري باليد الأخرى ، في محاولة لإجبار الخصوم على تقديم تنازلات تحت التهديد.

لكن المشكلة أن نتنياهو لا يريد أصلًا الوصول إلى تسوية نهائية. الرجل يعيش سياسيًا على الحروب والأزمات ، وكلما اقتربت المنطقة من التهدئة، اقترب هو من السقوط الداخلي. لذلك يدفع بكل الاتجاهات نحو توسيع دائرة النار، من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي، لأنه يعرف أن استمرار الحرب يعني استمرار بقائه.

ولهذا أيضاً بدأنا نرى التصعيد الإسرائيلي العنيف تجاه لبنان يتسارع بصورة مرعبة ، مع حديث واضح عن الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الحسم العسكري. إسرائيل تريد فتح جبهات متعددة في توقيت واحد حتى تفرض واقعًا جديدًا قبل أي اتفاقات دولية قد تقيّد حركتها لاحقًا.

المشهد الحالي يقول إن المنطقة لم تعد تقف على حافة حرب فقط، بل على حافة إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات بالقوة. والخطورة الحقيقية ليست في الصواريخ أو الغارات وحدها، بل في محاولة تحويل الدم والدمار إلى وسيلة لفرض مشروع سياسي كامل على الشرق الأوسط.

وفي وسط كل هذا الضجيج ، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشعوب هي من تدفع الثمن دائماً ، بينما تتحول العواصم إلى ساحات مساومة بين مشاريع النفوذ الكبرى، ويصبح السلام نفسه مجرد ورقة ضغط تُستخدم حينًا وتُحرق حيناً آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى