انتكاسة رقم ١٠١:

ندى يحيى
أرى نفسي هناك، أختبئ في زاوية غرفتي المظلمة رغم النور الذي يُحيط بها، فالظلمة لا تسكن المكان بقدر ما تعكس ما بداخلي، وكأنني لم أعهَد النور من قبل، يشبه ذلك تمامًا شروق الشمس من مغربها؛ فحين تختلّ موازين العالم ينقلب إلى العدم ويختفي إلى الأبد، وهذا يُشبه اليوم الذي فقدتُ فيه نفسي، حين اختلّ ميزاني الداخلي فضعت، وبقي ما تبقّى منّي يحاول النجاة كل يوم في تلك الزاوية، في حربٍ أبديّة مع الحياة، أو مع ما يُسمّى زورًا بالحياة، إذ ما علاقة ما نعيشه حقًّا بالشعور بالحياة، وكيف يمكن لشيءٍ أن يكون اسمًا على غير مسمّاه إلى هذا الحد، كأننا نعيش في صفوفٍ متضادّة، لا يجتمع أطرافها لتعمير الخراب، بل يتصارعون فقط للقضاء على بعضهم البعض، دون أن تصبح الحياة حياةً فعلًا.
الموت حتميّ، لكن الموت ونحن على قيد الحياة لعنةٌ أشدّ قسوة، لعنة تجعل الإنسان يتمنّى حتميّة الموت الحقيقي، فكل شيءٍ من حولك يدعوك للهروب، لكره الفوضى، والناس، والعالم بأكمله، حتى يصبح سؤال البقاء نفسه عبئًا ثقيلًا؛ كيف يمكن للمرء أن يشعر بكل هذا اللاانتماء ويبقى مع ذلك مُكترثًا بالاستمرار، وكأن البقاء فعل شجاعة لا رغبة، وليت لنهاية الحياة زرًّا نضغط عليه حين نفقد كل أسلحتنا، ونخسر غنائمنا، ونستيقظ كل يوم على فوضى وغضبٍ كبيرين تجاه كل ركنٍ في هذا العالم الذي لا يشبه أبدًا تلك الحديقة الخضراء، ولا الشجرة المثمرة، ولا الضحكة الكبيرة التي رسمناها على لوحاتنا ونحن صغار، فكيف يُطلَب من طفلٍ كانت رؤيته للعالم في طفولته مغمورة بالألوان أن ينتمي، حين يكبر، إلى حقيقةٍ وحشيّة بهذا القدر.
لم يعد الأمر يتمحور حول فقدان الهوية بعد فقدان شخصٍ نحبه، بل إن اللعنة الحقيقية تكمن في لغة العالم ذاتها في التعامل مع البشر، وفي الحقيقة الطاغية للبشر أنفسهم، وهي أنهم لا ينتمون أبدًا إلى مصطلح «إنسان»، فقد فقد الجميع إنسانيتهم، وأصبح كسر رقبة أحدهم، أو اقتلاع قلبه، أو الفوز بغنيمةٍ من أحشاء الآخرين، مجرّد وسيلة لإثبات السيادة على أرضٍ لا تعرف الرحمة، فكيف لك أن تزرع في هذا العالم شجرةً واحدة وأنت لا تأمن حتى التربة التي تقف عليها، إذ لا شيء يُؤتمن هنا سوى بقايا روحك المنكمشة في زاوية الغرفة، تجهل متى وأين وكيف ستكون نهايتها، وكل ما ترجوه أن تخرج من هذا العالم دون أن تتحول إلى أشلاء بلا ملامح.
كتبتُ هذا النص في لحظة الخروج الأخير من زاوية تلك الغرفة بعد الانتكاسة رقم ١٠١، لا بوصفه إعلان نجاة، ولا اعتراف هزيمة، بل محاولة أخيرة للفهم، ورغبة صامتة في ألا أفقد إنسانيتي كاملة، في عالمٍ جعل الاحتفاظ بها فعل مقاومة.



