ابداعات

البطل المظفر قطز

 

وائل الهاشمي

 

ولد قائدًا، لكن في الزمن الخاطئ. 

طفلًا من بيت ملكي، لكنه لم يرث تاجًا، بل رأى النار.

حمله التتار على سيوفهم قبل أن يحمل اسمه فذبحوا أهله وأحرقوا بلاده وألقوه عبدًا في أسواق لا تباع فيها الأجساد فقط، بل الأعمار.

هناك سمي ( قطز) كلمة تعني الكلب الشرس بلغتهم، وكأنهم لم يعلموا أنهم يطلقون علي خوفهم القادم أسمًا.

تنقل قطز بين الأيادي حتي أنتهي به الحال إلى مصر، وفي مدرسة المماليك لم يتعلم الفروسية وحدها بل تعلم الصمت، الانضباط، 

كبر وفي داخله وطن مكسور؛ فأصبح فارسًا حاد الذكاء، شديد البأس، لا يذكر إلا في ميادين القتال، تعلم أن السلسلة قد تصنع سيفًا، وأن العبودية قد تنبت سيادة، وأن الكرامة قد تولد في قلب العبودية.

لم يخرج من حرير القصور، بل من قسوة القيود ، وحين اضطربت الدولة، ويهديدها التتار من الشرق تقدم قطز لم يطلب الحكم، بل صعد إلى امتحان التاريخ.

تولي السلطة ومصر يومها علي حافة الرعب ، سقطت بغداد، وقتل الخليفة. 

 

لم يأتِ التتار كجيش، بل كنهاية تمشي، مدن تمحى، ومآذن تكسر، وكتب تغرق في الأنهار حتى يسود الماء من الحبر، وبدا أن العالم الإسلامي يتراجع خطوة أخيرة إلي الهاوية.

جاءت رسل التتار بكتبهم الملطخة بالرعب، لم تكن تطلب استسلامًا، بل إعلان وفاة ؛ فكان رده حاسمًا كضربة قدر: رؤوسهم على باب زويلة.

 منذ تلك اللحظة، لم تعد القاهرة تقرأ رسائل الخوف.

 

وحشد قطز الجيش، وجعل من الظاهر بيبرس مقدمة له، وسار شمالًا عند عين جالوت، انكسرت الأسطورة، مال ميزان المعركة، وتردد الصف؛ فأنطلق قطز بنفسه إلى القلب، نزع خوذته، وصاح صيحته التي لم تكن نداء جيش، بل نداء أمة:

( واإسلاماه ) 

فهب الجنود ؛ فانقلب الغبار نصرًا، وانتفض الجيش، وسقط وهم التتار الذي لا يهزم، وسقط قائده، وسقط معه عصر كامل من الرعب.

لم يعش قطز طويلًا بعد نصره، كأن الحياة اكتفت منه بلحظة؛ ففي طريق عودته إلي مصر، وعلي مشارف الصالحية، نزل قطز عن فرسه ليستريح بعد أيام من القتال، فاقترب منه بعض الأمراء يتقدمهم بيبرس، بحجة التهنئة ، وما إن اطمأن إليهم، حتي باغته بيبرس بضربة سيف وتتابعت الطعنات، حاول قطز أن ينهض لكن الجراح سبقته.

مات قطز كما عاش ترك للتاريخ حقيقة واحدة لا تموت :

أن طفلًا حمله التتار أسيرًا ، وهو نفسه من حملهم مهزومين خارج المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!