ابداعات

هكذا تحدث ميكياڤيلي

 

 

أحمد المقدم

——————————–

 

لم تكن فلورنسا قد استفاقت من كبوتها منذ أن سقطت على يد جيش إسباني قد أطاح بهذه الجمهورية الإيطالية الصغيرة ومعها عائلة ميديتشي عام 1512. وفي كوخ معزول قد شكل منفى الداهية نيكولو ميكياڤيللي في قرية سان كاشيانو جنوب فلورنسا، قام ميكياڤيلي بكتابة مرشد يظل واحدا من أهم مائة كتاب في التراث الإنساني قاطبة. 

 

رأى كتاب الأمير النور عام 1532 أي بعد خمس سنوات من وفاة نيكولو ميكياڤيلي، وهو الأمر الذي لم يروق للموالين للكنيسة البابوية في الڤاتيكان وكذلك رجالات الملوك الكاثوليك. حتى أصدرت الكنيسة البابوية مرسوما عام 1559 بحظر أعمال ميكياڤيلي ولاسيما كتاب الأمير بعد أن رأت أن ما فيه بحسب وصف الكاردينال الإنكليزي ريجينالد بول قد كتب بيد الشيطان.  

 

ولازال الأمير الآن وبعد خمسة قرون كتابا مثيرا للجدل ويطرح الكثير من التساؤلات حول نية ميكياڤيلي حول إمكانية أن يكون الكتاب بمثابة محاولة للتملق لعائلة آل ميديتشي المتأصلين في السياسة والحكم وقد دارت الدائرة على نيكولو، السياسي المحنك الذي قد ألقاه قدره في المنفى دون عمل، فيما يرى بعض آخر أن ميكياڤيللي قد ألف كتابه بغية أن يسخر من آل ميديتشي حيث أنهم بالفعل قد سقط نظامهم في فلورنسا

 

هل رسخ ميكياڤيلي للميكياڤيلية؟  

الميكياڤيلية قد يكون المعنى الأشمل منها هو البراجماتية، كلاهما يعت على تحليل الوقائع واستغلال الأحداث من أجل تحقيق الأهداف المنشودة. ولكن هل كان ميكياڤيلي شريرا أو شيطانا تحت قبة السياسة؟  

 

لم يذكر ميكياڤيلي في كتاب الأمير أبدا جملة قد نسبت إليه أن الغاية تبرر الوسيلة. فكل من يمر على ميكياڤيلي يلقي بهذه العبارة فورا ناسبا إياها له ولكنها ضحلة نوعا ما. لقد كان ميكياڤيلي سياسيا ومفكرا ولكن للمتأمل لكتاب الأمير سيجد أن أهم ما يميزه أنه واقعيا قد نجح في سبر أغوار النفس البشرية وما تحمله فطرة الإنسان من جشع السلطة وحب التملك.  

 

لقد كان ميكياڤيلي صادقا في حديثه وقد نأى بنفسه عن تزيين حقائق العوام والحكام. لقد كان قارئا حصيفا للأحداث مستشهدا بالحوادث التى قد وقعت في روما واليونان وتركيا غيرها من إمبراطوريات كان لا بد من وجود نظام صارم يمكن من يسير عليه من السيطرة على الغوغاء. لقد قدم ميكياڤيلي دليلا يمكن من خلاله للحاكم التحكم في تابعيه عندما يريد له القدر أن يكون رأس الدولة.  

وفي طيات الأمير، تحدث ميكياڤيلي عن أنواع الجمهوريات وكيف يصل الحاكم خلالها إلى سدة الحكم بشتى الطرق الممكنة. لقد أعطى الكتاب نظرة موضوعية عن كيفية توطيد ركائز القيادة دون الوقوع في فخاخ الضعف والفتور والركون إلى من يمكنه أن يخون يوما ما. كيف يمكنك أن تعلم أن هذا قد يحمل في يد وردة وفي يد خنجرا. كيف يمكنك أن تكسب احترام من حولك وكيف تكون مهيبا. كيف يمكنك أن تجعل من حولك يطيعون احتراما ورهبة في ما قد يحدث لو أنهم وقعوا في بئر الخيانة. كيف تطوع من سواك كي يدافعون عنك إما لمنفعة متبادلة أو خوفا من البقاء في الجانب المظلم.  

 

كانت إيطاليا في القرن السادس عشر دولة مقسمة لدويلات وإمارات تعج بالحروب والفتن. لاشيء مثالي ولا ملاذ سوى الواقع، فكان لابد لسياسي مخلص لآل ميديتشي أن لا يقدم حلولا وردية لسليلهم لوريزنو دي ميديتشي حتى يستتب له الأمن.  

 

يمثل كتاب ميكياڤيلي واقع كل شخص. فقد تحدث عن الخير والشر على حد سواء. وقد وضع بين يدي الأمير، وكل قاريء أمير، كل جوانب الوصول للسلطة الممكنة لأي منا والغير ممكنة. لقد كان إنسانا متسقا مع ذاته التى ليست بالخيرة ولا بالشريرة. وكيف يتخذ أي منا ردة فعل تجاه ما قد يجلبه له القدر من نوائب من فعل الغيرأسوياء وكيف نكوّن لمن لا يريد لنا السوء مكانة تمكننا نحن من الشعور بالمزيد من الأمن والحماية.  

 

لقد تحدث ميكياڤيلي بلسان الواقع ونصح الحكماء الذين لا يتورعون عن الوقوف بالشر في وجه الشر كأحد الحلول التى قد نلجأ لها لصد دسائس قد تعصف بنا في أي مناسبة كانت. ألسنا نحدث أنفسنا بذلك مرارا وتكرارا؟ وهب أن ميكياڤيلي مستغلا كما وسمه الناس على مر العصور، فبداخل كل منا ذلك الإنسان مع اختلاف الظروف والطرق.. إن كل منا مستغلا بشكل ما وتلك فطرتنا لا مهرب من ذلك.  

 

وختاما، كان ميكياڤيلي واقعيا وقد تحدث بكلمات صاغها للأمير بما نحدث نحن به أنفسنا. وحتى لا ننسى، قد يحدث دائما أو غالبا أو ربما أحيانا أن الغاية قد تبرر الوسيلة. قانون لم يصغه ميكياڤيلي ولكنه، كأي شخص، قد تحدث عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!