مقالات

المفاوضات الفاشلة مع إيران : صراع النفوذ الأمريكي الروسي الصيني يهدد إستقرار الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي

المفاوضات التي جرت بين الوفد الأمريكي ونظام إيران اختتمت يوم أمس دون أن يتم التوصل إلى أي اتفاق ، وبشكل بسيط، انتهت على “لا شيء”. هذا الموقف قد يبدو غريباً للوهلة الأولى ، لكنه يعكس بوضوح طبيعة اللعبة السياسية التي يخوضها الطرفان، والتي تُعرف في علم السياسة بـ”المباراة الصفرية”، أي الحالة التي يسعى فيها كل طرف إلى تحقيق مكاسب كاملة على حساب الطرف الآخر ، دون أي مجال للتسويات الجزئية أو التنازلات، وهو ما يجعل أي ضعف أو استسلام من جانب أحد الأطراف مكلفاً سياسياً واستراتيجياً بشكل هائل.

الولايات المتحدة بقيادة ترامب حاولت إدارة المفاوضات بعقلانية وحسابات الورقة والقلم ، لكن المقارنة بين قوة الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى غير متكافئة على أي مستوى عملي أو سياسي، ومع ذلك فإن إيران لم تستسلم، وهو أمر يعكس منطقاً داخلياً عميقاً في الحسابات الإيرانية.

النظام الإيراني هو نظام سلطوي إلى أقصى الحدود ، يركز بشكل أساسي على الحفاظ على استقراره الداخلي وضمان إستمرار سيطرته على مفاصل الدولة، وهذا يعني أن أي تنازل أمام الضغوط الأمريكية يُعد تهديداً مباشراً لبقائهم السياسي.

قيادات إيران ترى في الاستسلام للضغط الأمريكي بداية لنهايتهم على الصعيد الداخلي ، حيث ستتهمهم القوى المحلية بالخيانة والتخلي عن المشروع القومي الأكبر ، وهو ما يجعل أي خطوة نحو الموافقة على مطالب أمريكية بمثابة تمكين خارجي يخرج إيران من المعادلة الإقليمية لصالح إسرائيل. هذه الرؤية الداخلية كانت العامل الرئيس وراء عدم التوصل لأي اتفاق.

أما العامل الثاني فهو الثقة بالنفس التي يتمتع بها النظام الإيراني، والتي لم تأت من فراغ ، بل من دعمه الدولي المباشر، خصوصاً من روسيا والصين ، اللتين قدمتا دعماً عسكرياً واستراتيجياً كبيراً.

فإيران منذ ديسمبر 2025 أبرمت صفقات صواريخ سرية مع روسيا بقيمة 500 مليون يورو ، تضمنت صواريخ محمولة على الكتف ومنصات إطلاق صواريخ متعددة ، كما استلمت 2,500 صاروخ من طراز “9M336″، هذا إلى جانب صفقة صواريخ كروز مضادة للسفن من الصين من طراز CM-302، وهي صواريخ تفوق سرعة الصوت ، مصممة للطيران على ارتفاع منخفض لتجنب دفاعات السفن ، ومدى يصل إلى 290 كيلومترًا.

هذه التدفقات العسكرية عززت بشكل كبير ثقة النظام الإيراني بقدرته على الصمود وعدم الاستسلام، وجعلتهم متمسكين بحقهم في تخصيب اليورانيوم ومطالبتهم المشروعة دون تنازل.

إلى جانب هذه الاستعدادات العسكرية ، فإن التحركات الأخيرة تشير بوضوح إلى التصعيد المحتمل في المنطقة. الولايات المتحدة طالبت رعاياها بمغادرة إسرائيل، والصين فعلت الأمر نفسه لرعاياها في إيران ، في حين وصلت حاملة الطائرات “جيرارد فورد” إلى إسرائيل ، مصحوبة بزيادة غير طبيعية في عدد طائرات الدعم العسكري الأمريكية في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالمملكة العربية السعودية ، ما يوحي بأن الولايات المتحدة ستستخدم هذه القواعد لتقديم الدعم اللوجيستي والتزود بالوقود أثناء أي عملية محتملة ، وليس للهجوم المباشر على إيران.

في حال اندلاع الحرب ، فإن إيران لن تستطيع الوصول إلى الولايات المتحدة نفسها ، لكن الأسلحة الروسية والصينية قد تدفعها إلى اتخاذ خطوات هجومية في المنطقة ، مثل استهداف طرق الملاحة في الخليج ، وهو ما سيقود حتماً إلى شلل في التجارة الدولية وارتفاع الأسعار ، وتحويل الشرق الأوسط إلى مسرح عمليات للقوى الكبرى. الصراع لن يكون محصوراً بالسيطرة الإقليمية فحسب ، بل قد يتحول إلى صراع على شكل النظام الدولي بأكمله ، ما يجعل المخاطر عالية جداً للدول العربية ، والتي لن يكون أمامها خيار سوى ممارسة الضغط الدبلوماسي والسياسي لمنع الانجرار إلى الحرب.

الأمر يتطلب وعياً جماعياً وفهماً دقيقاً للتحركات الجارية، ومشاركة هذه التحليلات مع الآخرين حتى يدرك الجميع حجم المخاطر الحالية والمستقبلية. كل هذه المعلومات والتحليلات تم جمعها ضمن سلسلة مقالات “علم السياسة” للدكتور رامي عاشور بتاريخ 27 فبراير 2026، وهي تقدم رؤية متخصصة لأبعاد هذه اللعبة السياسية الدقيقة ، مع التركيز على التعقيدات العسكرية والدبلوماسية المحيطة بالصراع الأمريكي الإيراني الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!