هكسوس ولكن…

وائل الهاشمي
الهكسوس ليسوا العار الذي قيل لنا، كفي كذبًا باسم التاريخ.
من أسهل الأكاذيب التي تعلمناها في المدرسة أن نحتاج عدوًا تاريخيًا نعلق عليه فترات ضعفنا، فاخترعنا الهكسوس كشيطان جاهز، غزاة، همج، دنسوا أرض مصر واغتصبوا مجدها.
الحقيقة أن هذا تبسيط فج، يريح الضمير القومي أكثر مما يخدم التاريخ.
حيث يذكر اسم الهكسوس، يقفز إلى الذهن فورًا صورة الغازي الهمجي، القادم من الشرق ليهدم الحضارة المصرية، ويدنس قدسيتها، لكن التاريخ حين يقرأ بهدوء ومن دون أحكام جاهزة، لا يحب الأبيض والأسود، ولا يعترف بالأساطير المدرسية.
نحن لا نكره الهكسوس لأنهم حكموا مصر ، نكرههم لأنهم يشبهون لحظات ضعفنا.
ولأن الإعتراف بأنهم لم يكونوا مجرد غزاة همج، يعني الإعتراف بأن الخلل كان في الداخل قبل أن يأتي من الخارج.
الهكسوس لم يدخلوا مصر بالدبابات، بل دخلوا كما يدخل أي نفوذ حديث.
تجارة قبل السياسة، نفوذ قبل السلطة، اندماج قبل السيطرة .
أليس هذا ما نراه اليوم؟
قوي لا ترفع أعلامها، لكنها تتحكم في الأسواق، وتعيد تشكيل الوعي، وتدير المشهد من خلف الستار.
نلعن الهكسوس لأنهم أجانب، لكننا نصمت حين تدار أوطان كاملة الأن بعقول مستوردة، ونستهلك منتجات فكرية وسياسية لا نملك قرارها، ثم نصرخ ( مؤامرة).
ففي أواخر الدولة الوسطي، كانت مصر تعاني من انهيار مركزي حاد.
السلطة في الجنوب، والدلتا بلا يد قوية، والحدود الشرقية مشرعة، ففتح لهم الباب، لا ضعف المصريين في الحضارة ، أو الإدارة، بل تفكك السلطة المركزية، لم يفرض الهكسوس أنفسهم ، بل فرضوا كحل.
حين تغيب الدولة، يصبح للأجنبي إدارة.
وحين يفشل النخبة، يصبح للوافد ضرورة.
نحن لا نتحدث عن محتل يسعي للمحو، بل عن سلطة حاكمة اندمجت جزئيًا مع البلاد التي حكمتها.
الهكسوس لم يسقطوا مصر، الذي أسقطها آنذاك كما الأن هو الانقسام، الفساد، وغياب الرؤية.
لا أحد يهزم وهو موحد، ولا دولة تخترق وهي تعرف ما تريد.
لا توجد رواية معاصرة واحدة تصف معركة كبري دخل بها الهكسوس مصر.
لا أسوار سقطت، ولا جيش إبادة اجتاح الوادي ؛ بل تسللوا تسللًا اقتصاديًا وبشريًا تدريجيًا.
قبائل سامية عاشت في دلتا النيل، عملت، تاجرت،وتزاوجت من السكان المحليين، حتي صارت قوة واقعية داخل نسيج المجتمع، لا طارئة عليه.
لم يحرقوا المعابد، ولم يلغوا الآلهة، ولم يمحو اللغة، بالعكس تعلموا من المصريين بقدر ما فرضوا أنفسهم عليهم، حكموا عبر نظم إدارية قريبة من النمط المصري، وحافظوا على الاقتصاد الزراعي، وتركوا الكهنة يعملون.
وحين أدخلوا الحصان والعربة الحربية، لم يكونوا يزرعون الشر، بل كانوا يعلنون أن زمنًا عسكريًا جديدًا قد بدأ، وأن من يتأخر عنه سيدفع الثمن.
والسخرية المؤلمة أن مصر التي طردتهم، لم تنتصر عليهم إلا بأسلحتهم، ولا نهضت بعدها إلا بدروسهم.
الأكثر غرابة أن المصريين لم يتعلموا من الهكسوس إلا بعد أن ذاقوا الهزيمة.
تعلموا السلاح الجديد، وبنوا جيشًا حديثًا، ثم طردوا من سبقهم.
أما نحن اليوم، فنرفض التعلم، ونكتفي بالصراخ، ونعتبر كل احتكاك بالعالم ( تهديدًا للهوية).
الدولة الحديثة، بكل مجدها الإمبراطوري، هي ابنة مباشرة لتلك الصدمة التي نحب أن نلعنها ولا نفهمها.
التاريخ لا يحترم الشعارات، ولا يدار بالأغاني الشعبية.
التاريخ حساب قاسي للأخطاء ، وتسجيل بارد لمن فهم اللحظة ومن ضيعها.
الهكسوس لم يكونوا ملائكة، لكنهم لم يكونوا الكابوس الذي رسم لنا.
الكابوس الحقيقي هو قراءة التاريخ بعين المنتصر فقط، ورفض الإعتراف بأن الاحتكاك، حتي مع الخصم، قد يكون هو الشرارة الأولى للنهضة.
كفي دفن للعقل تحت ركام الأساطير.
التاريخ لا يخاف الأسئلة، نحن الذين نخافها.



