مومياء باشيري

وائل الهاشمي
ليست كل الآثار قابلة للنهب، ولا كل المومياوات تصلح للعرض خلف زجاج بارد، بعضها يقاوم بصمت.
مومياء باشيري واحدة من تلك الحالات النادرة التي كشفت حدود القوة الغربية، وفضحت وهم التفوق العلمي، وأسقطت أسطورة نحن نعرف كل شيء.
باشيري ليست مجرد مومياء مصرية في متحف أوروبي؛ بل وثيقة اتهام حضارية.
علي مدى قرون، تعاملت المؤسسات الغربية مع التراث الإنساني بمنطق بسيط، ما يمكن استخراجه يمكن امتلاكه، وما يمكن عرضه يمكن تفسيره، وما ينقل إلى المتحف يصبح محفوظًا، حتى لو فصل عن أرضه وسياقه وتاريخه.
لكن بين آلاف القطع المصرية المعروضة في متاحف أوروبا، تقف مومياء باشيري كاستثناء مربك.
جسد موجود ومعنى غائب.
أثر مأخوذ؛ لكنه غير مستباح بالكامل.
تعود مومياء باشيري إلى العصر البطلمي، وهي اليوم محفوظة في متحف اللوفر بباريس ، مثلها مثل عشرات المومياوات التي خرجت من مصر في زمن كانت فيه القوة الاستعمارية تحدد من يملك الماضي ومن يحق له تفسيره.
لكن على عكس غيرها، لم تفتح باشيري.
ليس احترامًا لقدسية الموت،
بل لأن فتحها يعني تدميرها.
لفائف الكتان نسجت بنظام هندسي بالغ التعقيد، يجعل أي محاولة للفك إلغاءًا للعمل الفني نفسه. وهنا، وللمرة النادرة، يصبح الفضول العلمي مكلفًا أخلاقيًا، ويصبح العبث فضيحة لا يمكن تبريرها.
استخدمت المؤسسات العلمية أحدث تقنيات التصوير المقطعي والأشعة السينية، رأت العظام، الأسنان، التمائم الجنائزية، لكنها لم تلمس.
وهذا مهم ؛ لأن علم الآثار الغربي تأسس تاريخيًا على فكرة أن كل شيء قابل للفتح، وأن المعرفة تنتزع كما تنتزع الآثار.
باشيري تقطع هذا التسلسل، هناك حد لا يمكن تجاوزه دون اعتراف ضمني بالعنف.
الثقافة الشعبية الغربية تحب روايات اللعنات الفرعونية، لأنها تريح الضمير
الخوف يصبح خرافة، لا سؤالًا أخلاقيًا.
لكن باشيري ليست لعنة، هي استراتيجية.
المصريون القدماء لم يكتبوا تحذيرًا، بل صمموا تحنيطًا يجعل الانتهاك مستحيلًا دون تشويه. فهموا، قبل آلاف السنين، أن التعقيد أحيانًا أبلغ من القوة، وأن حماية الجسد تبدأ من حماية الفكرة.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تفتح باشيري؟
بل: لماذا هي هناك ؟
كيف خرج جسد دفن وفق طقوس مقدسة، ليعرض في قاعة أجنبية، خارج لغته وسياقه وذاكرته الجماعية؟
وكيف ما زال هذا الوضع يبرر بخطاب قديم يقول: نحن حملة الحضارة؟.
باشيري وحدها تفكك هذا الادعاء.
فهي محفوظة دون أن تفهم، وموجودة دون أن تستوعب.
في وقت يتصاعد فيه الجدل العالمي حول استرداد الآثار المنهوبة، لا ترفع باشيري لافتة، ولا تطالب ببيان.
وجودها نفسه حجة.
هي تذكير صامت بأن الامتلاك لا يعني الفهم، وأن العرض لا يمنح الشرعية، وأن المتحف ليس نهاية القصة.
مومياء باشيري لا تواجه الغرب بالغضب، بل بالحدود.
حدود ما يمكن أخذه، وما لا يمكن امتلاكه.
قد يكون الجسد هناك، لكن المعنى لم يغادر مكانه أبدًا.
وفي عالم بدأ أخيرًا يعيد النظر في إرثه الاستعماري، تهمس باشيري بحقيقة لا يمكن تجاهلها.
الآثار يمكن نقلها ، لكن السلطة على التاريخ لا تسرق بسهولة.



