معركة القرن : هل تبدأ نهاية الهيمنة الأمريكية من إيران؟

✍️ يوحنا عزمي
عند النظر بعمق إلى مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ، يبدو المشهد وكأنه يتجه تدريجياً نحو معادلة استنزاف طويلة بين الولايات المتحدة وإيران ، معادلة لا تحسمها ضربة سريعة ولا عملية عسكرية خاطفة ، بل صراع نفس طويل بطيء يتراكم فيه الضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي.
الإيرانيون لم يدخلوا هذه المواجهة على حين غرة ؛ فالمؤسسة العسكرية والسياسية في طهران كانت تتعامل منذ ما يقرب من عقدين مع فكرة المواجهة الكبرى مع ما يسمونه “الشيطان الأكبر”. خلال تلك السنوات جرى بناء شبكة واسعة من التحالفات الإقليمية، وتطوير منظومات صاروخية وطائرات مسيرة ، والأهم من ذلك صياغة عقيدة قتالية تقوم على إنهاك الخصم لا مواجهته في معركة تقليدية مباشرة.
في العام الماضي خاضت المنطقة ما يشبه اختباراً مصغراً للقوة عندما اندلعت مواجهة استمرت نحو اثني عشر يوماً، كانت بالنسبة لطهران فرصة ذهبية لفحص ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية، وتحليل سرعة الاستجابة العسكرية، ومعرفة حدود القدرة الدفاعية لمنظومات الصواريخ والقواعد العسكرية في المنطقة.
بعد ذلك الاختبار امتلك الإيرانيون عدة أشهر لإعادة ترتيب أوراقهم، وتطوير خططهم عبر حلفائهم المنتشرين في الشرق الأوسط ، من جماعات مسلحة في العراق وسوريا إلى قوى أخرى في لبنان وغزة واليمن. خلال تلك الفترة لم يكن الهدف شن حرب شاملة ، بل فهم العقلية الأمريكية، وطريقة اتخاذ القرار في واشنطن، ونقاط الضعف في النظام العسكري والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة.
اللافت في هذا الصراع هو الفارق الهائل في الكلفة العسكرية.
فبينما تعتمد الولايات المتحدة على منظومات دفاعية وصواريخ باهظة الثمن تصل تكلفة الواحد منها إلى ملايين الدولارات، تستطيع الطائرات المسيرة الرخيصة التي لا تتجاوز كلفتها عشرات الآلاف أن تستنزف هذه المنظومات بسهولة. هذه المعادلة وحدها تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول استدامة التفوق العسكري التقليدي الذي بنت عليه واشنطن هيمنتها طوال العقود الماضية ، خاصة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي عندما أصبحت القوة الأمريكية شبه مطلقة في النظام الدولي.
لكن ما يجري الآن لا يتعلق فقط بميزان القوة العسكرية ، بل ربما يشير إلى تحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي. فالنظام المالي الذي تشكل منذ سبعينيات القرن الماضي حول ما يعرف بالبترودولار جعل النفط مرتبطاً بالدولار الأمريكي ، وهو ما منح واشنطن قدرة هائلة على التحكم بالتجارة العالمية والاحتياطيات النقدية للدول. إذا تعرض هذا النظام لأي اهتزاز كبير بسبب اضطراب إمدادات الطاقة أو خروج دول رئيسية عن هذا الإطار، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه الولايات المتحدة اللاعب الأوحد كما كانت طوال العقود الماضية.
السيناريو الأكثر خطورة الذي يتحدث عنه كثير من المحللين هو احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى مواجهة برية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية. فالتاريخ العسكري يقول إن تغيير الأنظمة بالقوة الجوية وحدها أمر نادر للغاية ، وغالباً ما يتطلب وجود قوات على الأرض. غير أن فكرة إرسال قوات برية إلى إيران تبدو بالنسبة لكثيرين داخل الولايات المتحدة كابوساً استراتيجياً ، فإيران دولة كبيرة جغرافياً وسكانياً ، وتملك تضاريس معقدة وجيشاً عقائدياً مدرباً على حرب العصابات والاستنزاف. لذلك يرى البعض أن أي مغامرة برية قد تتحول إلى حرب طويلة مكلفة تتجاوز في تعقيدها ما حدث في العراق وأفغانستان.
في الوقت نفسه تتزايد الضغوط على واشنطن من حلفائها الإقليميين الذين يشعرون بأنهم في قلب العاصفة. فدول الخليج تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الأمني في المنطقة لضمان استمرار تصدير النفط وتدفق الاستثمارات ، كما أن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على حماية الممرات البحرية الحيوية.
إذا تعرضت هذه الممرات أو البنية التحتية للطاقة لهجمات متكررة ، فإن ذلك سيهدد ليس فقط استقرار المنطقة بل أيضاً النظام الاقتصادي الذي يرتبط بالدولار والاستثمارات المتبادلة بين الخليج والولايات المتحدة.
المشكلة الأكبر أن الحرب الحديثة لم تعد تقتصر على استهداف القواعد العسكرية ، بل باتت تمتد إلى البنية التحتية الحيوية. فمضيق هرمز مثلاً يمثل شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية. كذلك فإن دول الخليج تعتمد بشكل كبير على محطات تحلية المياه لتوفير مياه الشرب ، وهو ما يجعل هذه المنشآت الحساسة هدفاً استراتيجياً في أي حرب غير تقليدية. ضرب مثل هذه الأهداف قد يخلق أزمات إنسانية واقتصادية سريعة في دول تعتمد على الاستقرار اللوجستي بشكل شبه كامل.
اقتصادياً ، تلعب دول الخليج دوراً محورياً في ضخ الاستثمارات داخل الأسواق الأمريكية ، سواء في أسواق الأسهم أو في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وإذا تراجعت قدرة هذه الدول على تصدير النفط أو إعادة تدوير عائداته في الاقتصاد الأمريكي ، فإن ذلك قد يخلق اضطراباً واسعاً في الأسواق المالية العالمية التي تعتمد إلى حد كبير على هذه التدفقات الاستثمارية.
أما على المستوى العسكري ، فإن كثيراً من الخبراء يرون أن المؤسسة العسكرية الأمريكية صُممت أساساً في سياق الحرب الباردة، حيث كان التركيز على التفوق التكنولوجي الهائل والردع الاستراتيجي أكثر من خوض حروب استنزاف غير متكافئة. لهذا نجد أن العقيدة العسكرية الأمريكية تعتمد على أسلحة متقدمة ومعقدة تحتاج إلى موارد ضخمة لتطويرها وتشغيلها، بينما تعتمد القوى غير التقليدية على وسائل أبسط وأرخص لكنها قادرة على إرباك الخصم واستنزافه بمرور الوقت.
وفي خلفية كل هذه المعادلات تقف الحسابات السياسية المعقدة داخل الولايات المتحدة نفسها. فالحروب الخارجية كثيراً ما تتداخل مع الصراعات السياسية الداخلية ، سواء من حيث التأثير على الانتخابات أو على شعبية القيادة السياسية.
ومع ذلك تشير استطلاعات الرأي إلى أن جزءاً كبيراً من الرأي العام الأمريكي متردد بشدة تجاه الدخول في حرب جديدة واسعة في الشرق الأوسط بعد التجارب المكلفة في العقود الماضية.
كل هذه العوامل تجعل الصراع الحالي أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. إنه اختبار لنظام عالمي كامل تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ، واختبار أيضاً لقدرة القوى الكبرى على الحفاظ على توازناتها في عالم يتغير بسرعة.
السؤال الحقيقي الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس فقط من سيربح هذه الحرب ، بل ما إذا كانت هذه المواجهة ستعيد رسم خريطة القوة العالمية وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد لا تكون فيها الهيمنة الأمريكية كما عرفها العالم خلال العقود الماضية.



