*خارج الإيقاع*

بقلم : داليا عبدالناصر
كان يقف في قلب المشهد كما تقف الأشياء التي اعتادت البقاء لا يُلفت الانتباه، ولا يطلبه، ومع ذلك يحتسب حضوره كما تُتحسب الأعمدة في الأبنية القديمة، لا تُرى لكن السقف يعرفها جيدًا.
لم يكن ناقصًا، ولم يكن وحيدًا بالمعنى المتداول، غير أن شيئًا ما فيه كان يعيش زمنًا آخر.
ذلك الشعور لا يُسمّى، لأن الأسماء تنتمي للعصر الذي تُقال فيه،أما هو فكان يتحرك خارج اللحن
يؤدي دوره بإتقان، يبتسم في الموضع الصحيح، يصمت حين يليق الصمت به
كأن الحياة كتاب قرأه مسبقًا، ولم يعد يتفاجئ بسطوره.
في داخله، لم يكن ضجيج ولا انهيار، بل تراكم هادئ لأشياء لم تجد لغتها بعد، أفكار تمشي على أطرافها
ومشاعر تتحفظ مسافتها كي لا تُساء قراءتها.
لم يكن يخشى القرب
لكنه لم يعد يؤمن بأن القرب يعني الوصول.
وهكذا نشأت فجوة لا تُرى.
فجوة لا تفضحها الوحدة، ولا يملؤها الاحتواء
كأن الروح كانت تقيم في طبقة أعمق من الزمن الجاري
تراقب العالم وهو يمرّ، لا تعترض ، ولا تندمج
تتسلل الأسئلة في هذه المساحة، لا كسؤالٍ مباشر، بل كإحساسٍ ثقيل:
هل ما يبدو انسجامًا ماهو إلا براعة في التكيّف؟
وهل الثبات اختيار ، أم نتيجة تأخر داخلي عن اللحظة؟
وهل يمكن للإنسان أن يكون كامل الحضور
دون أن يكون كامل الانتماء؟
وفي النهاية، لا تُكتب الخاتمة كما يتوقع القارئ.
لا اعتراف، ولا خلاص، ولا انهيار درامياً.
فقط وعي متأخر يصل بهدوء:
أن بعض الأرواح لا تخطئ الطريق
بل خُلقت وهي تمشي بجواره.
وأن الهدوء الذي يراه الآخرون اكتمالًا
قد يكون في الحقيقة
أثر كاتبٍ
يعيش في زمنٍ
لم يُكتب له بعد.



