كيف تعيد إسرائيل رسم خرائط الشرق الأوسط بالنار والتهجير؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو عملية أمنية محدودة كما تحاول إسرائيل تسويقها للعالم، بل يبدو أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة المسلحة ، وفق منطق استعماري قديم يعود اليوم بأدوات أكثر خبثاً وغطاء دولي أكثر وقاحة.
فحين تبدأ إسرائيل في رسم ما تسميه “الخطوط الصفراء” داخل الأراضي العربية، فإن الأمر لا يتعلق بإجراءات ميدانية مؤقتة، بل بمحاولة فرض حدود جديدة بالنار والدمار والتهجير، تماما كما فعلت في غزة، وكما تحاول اليوم أن تفعل في جنوب لبنان تحت غطاء الحرب على المقاومة وحماية الأمن الإسرائيلي.
المشهد هناك يكشف بوضوح عن سياسة تقوم على تفريغ الأرض من سكانها وتحويلها إلى منطقة رعب مفتوحة ، بحيث يصبح النزوح الجماعي نتيجة طبيعية للخوف المستمر والقصف والتدمير المنهجي للبنية التحتية. إنها وصفة الاحتلال ذاتها حين يريد أن يبتلع الأرض بلا ضجيج سياسي كبير؛ يجعل الحياة مستحيلة ثم يراقب الناس وهم يفرون منها قسراً ، وبعدها يبدأ الحديث عن “واقع أمني جديد” و”ضرورات دفاعية” و”مناطق عازلة”، بينما الحقيقة أن الخرائط يعاد رسمها على حساب الدم العربي.
وما يزيد المشهد خطورة أن لبنان نفسه يقف اليوم في أكثر لحظاته هشاشة منذ سنوات طويلة. دولة مثقلة بالانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي والعجز المؤسساتي، بالكاد تستطيع إدارة أزماتها الداخلية، تجد نفسها فجأة أمام تهديد وجودي مفتوح ، بينما يتعمق الشرخ الداخلي بصورة تنذر بانفجار أكبر.
دعوات حزب الله للنزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة تحت اتهامات العمالة والتفريط بالمقاومة، مقابل إصرار الدولة اللبنانية على حصر السلاح بيدها، لا تعكس فقط أزمة سلطة، بل تكشف أن لبنان أصبح ساحة صراع على تعريف الدولة نفسها : هل هي دولة سيادة مركزية أم جبهة مفتوحة ضمن مشروع إقليمي أوسع؟
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ، لأن الانقسام حين يصل إلى سؤال السلاح والهوية والعدو، فإنه يتحول سريعًا إلى وقود لحروب أهلية لا تبقي ولا تذر.
في المقابل ، لا تبدو واشنطن معنية أصلًا بإطفاء الحرائق بقدر اهتمامها بإدارة الفوضى بما يخدم توازنات القوة الإسرائيلية.
فبدلًا من الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية، يمنحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غطاءً سياسياً مفتوحاً تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”، وهي العبارة التي تحولت في الخطاب الأمريكي إلى تصريح دائم باستخدام القوة بلا سقف ولا مساءلة. المعنى الحقيقي لهذا الموقف أن إسرائيل تملك وحدها قرار استمرار الحرب أو توسيعها، بينما يتحول القانون الدولي إلى مجرد نصوص بلا قيمة أمام الإرادة الأمريكية.
الأخطر أن هذا الانحياز لا يهدد لبنان وحده، بل ينسف أي إمكانية واقعية لتفاهمات إقليمية مستقرة، خصوصًا مع إيران التي تعتبر الجبهة اللبنانية جزءًا مباشراً من أمنها القومي. لذلك فإن أي حديث عن سلام أو استقرار في المنطقة بينما تستمر الحرب في لبنان وغزة يبدو أقرب إلى الخداع السياسي منه إلى مشروع حقيقي للتسوية. فالسلام لا يُبنى فوق المدن المدمرة، ولا يولد من رحم الحصار والتجويع وإعادة الاحتلال.
المفارقة الصادمة أن بعض القوى الإقليمية لا تزال تتحدث عن ترامب بوصفه “صانع سلام”، رغم أن الوقائع على الأرض تقول العكس تماماً. فالرجل الذي يحاصر مضيق هرمز عسكرياً، ويشعل المواجهة مع إيران، ويمنح إسرائيل ضوءًا أخضر مفتوحًا في غزة ولبنان، لا يمكن تقديمه باعتباره راعي استقرار. إن ما يحدث اليوم يكشف أن المنطقة لا تعيش مرحلة تسويات ، بل مرحلة إعادة تشكيل بالقوة ، حيث تستخدم الحروب لإنتاج خرائط جديدة ووقائع سياسية مختلفة بالكامل.
وفي خضم هذا كله ، يتراجع الحديث عن غزة وإعادة إعمارها ووقف الحرب فيها ، بينما تتسارع الوقائع الميدانية التي تؤكد أن إسرائيل تمضي نحو فرض سيطرة طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع، مع تفريغ تدريجي للوجود الفلسطيني وتحويل ما تبقى من الأرض إلى جيوب معزولة ومحاصرة. وكأن المنطقة كلها تتحرك داخل مشروع أكبر هدفه إنهاك الدول العربية المحيطة، وتفكيك ما تبقى من تماسكها الداخلي ، وتحويلها إلى ساحات مفتوحة للصراع الدائم.
لهذا فإن أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم العنف الإسرائيلي، بل اعتياد العالم عليه، وتحول الجرائم اليومية إلى تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار. وحين يصل العالم إلى مرحلة يصبح فيها التهجير الجماعي والتدمير الشامل مجرد “حق دفاع عن النفس”، فذلك يعني أن النظام الدولي نفسه دخل مرحلة سقوط أخلاقي وسياسي غير مسبوقة. أما المنطقة ، فهي تقف اليوم أمام لحظة فاصلة؛ إما أن تدرك حقيقة ما يجري باعتباره مشروعاً لإعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة ، أو تستمر في التعامل معه باعتباره سلسلة أزمات منفصلة ، بينما النار تقترب من الجميع بلا استثناء.



