من الحرب إلى التطبيع .. كيف يعيد ترامب تشكيل الشرق الأوسط؟

✍️ يوحنا عزمي
وسط أجواء التهدئة الحذرة ، والحديث المتفائل عن تثبيت وقف إطلاق النار، واحتفالات العيد وموسم الحج، بدا المشهد وكأنه يتجه أخيرًا نحو لحظة استقرار مؤقت في الشرق الأوسط. لكن السياسة الأمريكية لا تعترف كثيرًا بالهدوء ، خصوصاً حين يكون هناك مشروع أكبر يُعاد ترتيبه خلف الستار.
فجأة ، يتحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه السعودية وقطر ، طالباً بشكل مباشر الانضمام إلى ما يُعرف بأتفاقيه إبراهام ، وكأن الرجل يريد أن يقول إن الحرب لم تكن سوى مقدمة لطاولة تفاوض جديدة ، وإن الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية يقترب من نهايته السياسية.
اللافت هنا ليس مجرد طلب الانضمام للاتفاقيات ، بل توقيته.
فالضربات الأمريكية الأخيرة لم تكن فقط رسالة عسكرية لإيران ، بل كانت إعلاناً مزدوجاً : واشنطن ما زالت قادرة على استخدام القوة حين تريد ، لكنها في الوقت نفسه تفضل الوصول إلى صفقة كبرى تعيد ضبط الإقليم بالكامل. وهنا تحديدًا يظهر العامل المشترك الذي يحكم كل التحركات الحالية : تحجيم إيران ، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يخدم المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي طويل المدى.
كثيرون يعتقدون أن ترامب يتحرك بعشوائية أو بمنطق استعراضي، لكن القراءة الأعمق تكشف أن الرجل يتعامل بعقلية “التاجر السياسي” الذي يحوّل كل أزمة إلى فرصة تفاوض.
هو لا يريد فقط اتفاقًا مع إيران ، بل يريد أن يخرج من أي اتفاق بمكاسب استراتيجية إضافية ، أهمها توسيع دائرة التطبيع العربي مع إسرائيل، وتحويله من مجرد اتفاقات منفصلة إلى نظام إقليمي كامل تقوده واشنطن وتستفيد منه تل أبيب.
ومن هنا يمكن فهم الضغط على السعودية وقطر تحديداً.
صحيح أن الدولتين أعلنتا مراراً أن أي انضمام مرهون بحل الدولتين ، لكن بالنسبة لترامب، حتى الرفض نفسه قد يصبح ورقة ضغط مستقبلية. فإذا فشلت المفاوضات مع إيران ، يمكن تسويق الأمر على أن سبب الفشل هو رفض دول المنطقة الانخراط في “المنظومة الجديدة” التي تريدها واشنطن.
الأخطر في المشهد أن القائمة لا تتوقف عند الخليج فقط، بل تمتد نحو تركيا وباكستان ، ما يعني أن الهدف الحقيقي يتجاوز التطبيع التقليدي إلى محاولة بناء محور سياسي وأمني واسع يعيد صياغة خريطة التحالفات في الشرق الأوسط وآسيا الإسلامية.
أما تركيا ، فالمعادلة معها أكثر تعقيداً.
واشنطن وأوروبا تدركان أن النفوذ التركي لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على الامتداد الأيديولوجي والسياسي أيضاً ، ولهذا جاء التصعيد ضد الجماعات المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين كجزء من عملية تقليم أظافر النفوذ التركي في المنطقة، تمهيدًا لإدخاله في توازنات جديدة بشروط مختلفة.
وبعد تحجيم الدور التركي نسبياً، يبقى الهدف الأكبر : إيران وأذرعها الإقليمية.
وهنا يصبح السؤال الأهم : هل يمكن فعلًا أن تنجح أي تسوية مع طهران بينما تظل شبكات نفوذها العسكرية والسياسية ممتدة من لبنان إلى العراق واليمن وسوريا؟
الإجابة على هذا السؤال تفسر كثيراً مما يحدث الآن؛ من التصعيد الإسرائيلي في لبنان ، إلى الإصرار الأمريكي على تفكيك ملف اليورانيوم المخصب الإيراني ، وصولًا إلى الضغوط السياسية والعسكرية المتواصلة في أكثر من ساحة.
ما يجري ليس مجرد مفاوضات حول برنامج نووي ، بل عملية إعادة هندسة كاملة للشرق الأوسط.
شرق أوسط جديد تُرسم فيه التحالفات على أساس : من يقبل بالمنظومة الأمريكية الجديدة ، ومن يبقى خارجها ويدفع الثمن سياسياً أو اقتصادياً أو حتى عسكرياً.
ولهذا ، فالأيام المقبلة لن تكون مجرد اختبار لنجاح اتفاق مع إيران، بل اختبار لشكل المنطقة كلها .. ومن سيبقى لاعباً فيها، ومن ستتم إزاحته بهدوء من فوق الطاولة.



