أخبارمقالات

حرب اليمن .. حين تتحول الإنتصارات العسكرية إلى هزائم إستراتيجية

بقلم : يوحنا عزمي

ما كنت أحذر منه طوال السنوات الماضية بشأن الحرب في اليمن لم يكن مبالغة سياسية، ولا محاولة لاستشراف سيناريوهات بعيدة الاحتمال ، بل كان قراءة لطبيعة التحولات التي شهدتها الحروب الحديثة، وللمعادلات الاستراتيجية التي باتت تحكم الصراعات في المنطقة. واليوم، ومع استمرار تداعيات هذا الصراع، تعود الأسئلة التي طرحتها سابقاً إلى الواجهة : هل كان التصعيد العسكري هو الطريق الصحيح لضمان أمن المملكة العربية السعودية؟ وهل يمكن تحقيق استقرار مستدام عبر حرب مفتوحة تستنزف الموارد، وتُبقي الحدود والمنشآت الحيوية تحت تهديد مستمر؟

لقد أكدت مراراً أن تكلفة السلام أقل بكثير من تكلفة الحرب، وأن الرهان على الحسم العسكري في اليمن ينطوي على مخاطر تتجاوز حدود الساحة اليمنية ، وتمتد إلى الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للمملكة والمنطقة بأكملها. وحذرت من أن امتلاك جماعة الحوثيين قدرات صاروخية وطائرات مسيرة قد يمنحها القدرة على تهديد منشآت الطاقة والمطارات والبنية التحتية الحيوية ، بما يفرض أعباء أمنية واقتصادية طويلة الأمد على السعودية، حتى في حال تحقيق مكاسب عسكرية ميدانية.

وقد يرى البعض في هذه التحذيرات مبالغة ، انطلاقاً من الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية بين الدول والجماعات المسلحة. لكن طبيعة الحروب المعاصرة لم تعد تسمح بالاعتماد على معايير التفوق التقليدي وحدها ، فالتفوق في الطائرات والدبابات والقوات النظامية لا يعني بالضرورة القدرة على منع الخصم من إلحاق أضرار مؤثرة ، خصوصاً عندما يمتلك وسائل هجومية منخفضة التكلفة نسبياً، وقادرة على استهداف منشآت مرتفعة القيمة الاقتصادية والإستراتيجية.

وهنا تكمن إحدى أخطر معادلات الصراع الحديث: قد تنفق دولة مليارات الدولارات لحماية منشآتها الحيوية، بينما يستطيع خصم أقل تكلفة في التسليح أن يفرض عليها استنزافاً مستمراً، ويجبرها على تخصيص موارد إضافية للدفاع والاعتراض وإعادة بناء ما يتضرر. وبذلك ، لا يعود معيار النجاح مقتصراً على السيطرة على الأرض أو تحقيق التفوق العسكري، بل يمتد إلى القدرة على حماية الاقتصاد، والحفاظ على الاستقرار ، ومنع الخصم من فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد.

ومن هذا المنطلق ، فإن القول إن السعودية تحقق مكاسب استراتيجية لمجرد استمرار الحرب أو تحقيق بعض الإنجازات العسكرية يظل استنتاجاً يحتاج إلى مراجعة دقيقة. فحتى لو استطاعت المملكة تحقيق أهداف عسكرية محددة، فإن السؤال الأهم سيبقى: ما العائد الاستراتيجي النهائي من حرب لا تنتهي، وما حجم التكاليف التي تتحملها الدولة مقابل تلك المكاسب، وما احتمالات تحول الإنجاز العسكري المؤقت إلى عبء أمني واقتصادي دائم؟

إن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش في الميدان، وإنما أيضًا بما تتركه من نتائج بعد توقف المدافع. وقد تكون الدولة متفوقة عسكرياً ، لكنها تجد نفسها أمام معادلة سياسية معقدة تجعل تحويل هذا التفوق إلى سلام مستقر أمراً بالغ الصعوبة. ولهذا فإن الانتصار العسكري ، مهما بلغت أهميته ، لا يمثل بالضرورة انتصاراً استراتيجياً إذا لم يؤد إلى بيئة أكثر أمناً واستقراراً.

والأخطر من ذلك أن استمرار الصراع قد يضيّق تدريجياً مساحة الحلول السياسية. فكلما طال أمد الحرب ، تراكمت الخسائر، وتعقدت الحسابات، وازدادت صعوبة تقديم التنازلات، خصوصاً عندما تتحول المواجهة من خلاف حول المصالح إلى صراع يرتبط بالشرعية والنفوذ والردع والاعتبارات الداخلية لكل طرف.

ومن هنا تأتي أهمية التعامل بجدية مع مسارات التفاوض والوساطة، بما فيها الجهود العُمانية، وغيرها من المبادرات الإقليمية والدولية. أما الحديث عن رفض الحوثيين لبعض المبادرات أو تعثر مسارات التهدئة ، فينبغي التعامل معه وفق الوقائع والتطورات الموثقة في كل مرحلة ، دون افتراض أن الأبواب الدبلوماسية أُغلقت نهائياً. فالمواقف التفاوضية قابلة للتغير ، كما أن فرص التسوية قد تتراجع أو تتقدم تبعاً لحسابات الأطراف والضمانات المتاحة.

لكن الدرس الأهم هنا هو أن السلام لا يمكن أن يقوم على افتراض أن أحد الأطراف قادر على فرض إرادته بالكامل على الآخرين، أو أن الحل العسكري وحده كفيل بإزالة جذور الصراع. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن تجاهل المصالح والمخاوف الأمنية للأطراف المختلفة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات، حتى بعد سنوات من المواجهة.

ومن هذا المنطلق ، تبرز أهمية الرؤية التي تقوم على إنهاء الصراعات عبر تسوية سياسية شاملة ، تعيد تعريف مفهوم الأمن في المنطقة، وتبتعد عن منطق المحاور والإقصاء، وتسعى إلى بناء ترتيبات تضمن المصالح المشروعة لجميع الأطراف. فالأمن السعودي لا ينفصل عن استقرار اليمن ، وأمن دول الخليج يرتبط بوجود قنوات تفاهم فعالة مع إيران، كما أن استقرار الشرق الأوسط عمومًا يتطلب معالجة المخاوف المتبادلة بدلًا من تركها تتحول إلى صراعات مفتوحة.

هذه ليست دعوة إلى تجاهل التهديدات أو التنازل عن حق الدول في حماية أراضيها ومواطنيها، وإنما دعوة إلى إدراك أن الحماية العسكرية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء أمن دائم. فالدفاع الفعال يحتاج إلى ردع، لكنه يحتاج كذلك إلى دبلوماسية نشطة، وتسويات سياسية قابلة للاستمرار، وتفاهمات تحد من احتمالات التصعيد، وتمنع تحول الخلافات الإقليمية إلى حروب متجددة.

إن معادلة الأمن الجماعي تنطلق من حقيقة بسيطة: لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد في منطقة يشعر فيها كل طرف بأن أمنه يتحقق على حساب أمن الآخرين. فأمن السعودية واليمن، وأمن الخليج وإيران، ومصالح القوى الإقليمية الأخرى، ليست بالضرورة مصالح متعارضة بصورة دائمة، بل يمكن إيجاد مساحات مشتركة بينها إذا توافرت الإرادة السياسية، والضمانات المتبادلة، والاستعداد للتفاوض بعيداً عن الحسابات الصفرية.

أما الرهان على استنزاف الخصم حتى ينهار، فقد يحمل في طياته مخاطر تتجاوز التقديرات الأولية. فالطرف الذي يتعرض للضغط قد لا يتراجع بالضرورة، بل قد يطور أدواته، أو يوسّع نطاق المواجهة، أو يبحث عن وسائل جديدة لفرض كلفة على خصومه. وهنا تتحول الحرب من أداة لتحقيق هدف سياسي محدد إلى مسار يستنزف الجميع، دون ضمان الوصول إلى النتيجة المنشودة.

ومن الخطأ أيضًا الاعتقاد بأن المبادرات السياسية يمكن أن تنجح بمجرد طرحها، أو أن الحياد بين الأطراف يعني تجاهل مسؤولياتها عن العنف والانتهاكات. فالتسوية الجادة تحتاج إلى تقييم موضوعي لسلوك جميع الأطراف ، وآليات واضحة لوقف الاعتداءات، وضمانات تمنع استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ والمراقبة.

وفي هذا السياق ، فإن أي مبادرة تقوم على الوحدة والتعاون الإقليمي ينبغي أن تتحول من شعار سياسي إلى مشروع عملي، يبدأ بوقف التصعيد، وفتح قنوات التفاوض، ومعالجة الملفات الأمنية والاقتصادية ، واحترام سيادة الدول ، ووضع ضمانات متبادلة تحول دون استخدام الأراضي أو القدرات العسكرية لتهديد الجيران. فالأفكار لا تُقاس بجاذبية شعاراتها، بل بقدرتها على تقديم حلول واقعية لمشكلات معقدة.

لقد كانت المشكلة الأساسية في كثير من الصراعات الإقليمية هي الاعتقاد بأن القوة وحدها تستطيع حسم الملفات السياسية، بينما تشير تجارب المنطقة إلى أن الحسم العسكري لا يضمن بالضرورة إنهاء الخصومة، ولا يمنع ظهور تهديدات جديدة. ومن ثم، فإن مراجعة الاستراتيجيات ليست علامة ضعف، بل قد تكون ضرورة لحماية المصالح الوطنية وتجنب دفع أثمان أكبر في المستقبل.

إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، ولا البحث عن طرف يعلن انتصاره على حساب الآخرين ، وإنما إجراء مراجعة استراتيجية صريحة لما تحقق وما لم يتحقق ، وتحديد الأهداف التي يمكن الوصول إليها سياسياً ، وتلك التي قد تتحول محاولة فرضها بالقوة إلى عبء طويل الأمد. فالمصالح الوطنية لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالقرارات التي توازن بين القوة والتكلفة والنتائج المتوقعة.

وإذا كان الهدف الحقيقي هو حماية السعودية، وإنهاء الحرب في اليمن، وصون أمن الخليج، ومنع اتساع دائرة المواجهة مع إيران، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بإعادة الاعتبار للحل السياسي، وإدراك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة من خلال إضعاف طرف لمصلحة طرف آخر ، بل عبر بناء ترتيبات تضمن الأمن المتبادل، وتقلل دوافع الصراع ، وتفتح المجال أمام التنمية والتعاون.

لقد حذرت من أن الاستمرار في مسار الاستنزاف قد يجعل الوصول إلى التسوية أكثر صعوبة ، لكن ذلك لا يعني أن الحل أصبح مستحيلًا. فما دامت هناك مصالح مشتركة، وقنوات يمكن إعادة تفعيلها، وأطراف تدرك أن استمرار الحرب يحمل مخاطر متزايدة، فإن الفرصة تظل قائمة لتغيير المسار قبل أن تصبح كلفة التأخر أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال.

فالتاريخ لا يمنح جوائزه لمن يطيل أمد الحرب، بل لمن يمتلك القدرة على إنهائها بشروط تحفظ أمنه ومصالحه وتمنع تكرارها. والسلام ليس تنازلًا عن القوة ، وإنما استخدام للعقل السياسي حتى لا تتحول القوة نفسها إلى عبء على أصحابها.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام صناع القرار هو: هل تستمر المنطقة في دفع ثمن صراعات مفتوحة لا تضمن نتائجها، أم تبدأ في بناء معادلة جديدة للأمن الجماعي ، يكون فيها استقرار الجار جزءًا من استقرار الدولة ، وتصبح التنمية بديلًا عن الاستنزاف، والتفاوض طريقًا لتسوية الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها؟

إن الفرصة لا تزال قائمة، لكن استثمارها يتطلب شجاعة سياسية تعترف بتعقيدات الواقع، وتراجع الحسابات عند الضرورة، وتضع أمن الشعوب ومستقبل المنطقة فوق رهانات التصعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى