مقالات

شائعة إستدعاء الإحتياط .. فهل تحولت الشائعة إلى سلاح لتضليل الرأي العام؟

بقلم : يوحنا عزمي

منذ عام 2013 وحتى أكتوبر 2026، لا يزال المشهد يتكرر بالآلية نفسها ، وبالسيناريو ذاته ، وكأن بعض الأطراف التي تدير حملات الشائعات لم تتعلم شيئًا من السنوات الماضية، أو ربما لم تعد ترى ضرورة لتغيير أدواتها، طالما أن هناك من يستقبل كل ما يُنشر دون تدقيق أو مراجعة أو حتى محاولة بسيطة للتحقق من صحة المعلومات.

وفي كل مرة ، تظهر شائعة جديدة تتعلق بالجيش المصري ، وهذه المرة تحت عنوان استدعاء قوات الاحتياط ، لتبدأ موجة من المنشورات والتكهنات والتفسيرات التي تحاول تصوير الأمر وكأن مصر على أعتاب حرب وشيكة، وأن هناك تطورات عسكرية خطيرة يجري إخفاؤها عن المواطنين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كم مرة تكررت هذه الرواية منذ عام 2013؟ وكم مرة جرى تداول السيناريو نفسه بصياغات متشابهة، ثم اتضح أن الضجيج الذي صاحبها لم يكن دليلًا على صحة ما يُقال؟

المشكلة الحقيقية ليست في ظهور الشائعات، فالشائعات جزء من أدوات الصراع السياسي والإعلامي، وتستخدمها أطراف مختلفة لتحقيق أهداف متعددة ، وإنما تكمن المشكلة في تحويل الشائعة إلى حقيقة بمجرد تكرارها ، وفي استغلال القلق الشعبي لصناعة حالة من الارتباك والذعر ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة بحجم القوات المسلحة المصرية، أو بملف شديد الحساسية مثل الأمن القومي والاستعدادات العسكرية.

فهناك فارق كبير بين متابعة التطورات العسكرية بوعي ومسؤولية، وبين التعامل مع كل منشور مجهول المصدر باعتباره تسريبًا خطيراً أو معلومة مؤكدة من داخل مؤسسات الدولة.

واللافت أن بعض الروايات المتداولة لا تتغير إلا في تفاصيل محدودة، بينما تظل الفكرة الأساسية كما هي: استدعاء الاحتياط، وتحركات عسكرية غامضة ، وحرب على الأبواب ، ثم سيل من التحليلات التي تُبنى على افتراضات لم يثبت أصلًا أنها صحيحة. وكأن المطلوب ليس تقديم معلومة موثقة بقدر ما هو إنتاج حالة مستمرة من الترقب والخوف، تجعل المتلقي أسيراً لسيناريوهات مجهولة، وتدفعه إلى إعادة نشر المحتوى دون أن يسأل عن مصدره أو عن مدى منطقيته أو عن وجود أي دليل رسمي يدعمه.

وهنا تحديدًا تظهر خطورة توظيف الشائعات سياسياً ، لأن الهدف قد لا يكون إقناع الجمهور برواية واحدة بقدر ما يكون إغراقه في سيل من الروايات المتضاربة، بحيث يفقد القدرة على التمييز بين المعلومة والتحليل، وبين الخبر الحقيقي والتخمين، وبين المؤشرات العسكرية الفعلية والتفسيرات التي يصنعها أصحاب المصالح. وفي عصر أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل منشور مجهول إلى قضية رأي عام خلال ساعات ، لم يعد تكرار الشائعة مجرد خطأ فردي، بل قد يتحول إلى جزء من عملية تأثير إعلامي تستهدف تشكيل الوعي العام وتوجيهه نحو استنتاجات بعينها.

لكن بعيداً عن السجال السياسي، هناك نقطة جوهرية ينبغي التوقف عندها : هل يعني أي تحرك عسكري مصري ، أو أي عملية محتملة خارج الحدود ، بالضرورة استدعاء قوات الاحتياط؟

الإجابة العسكرية ليست بهذه البساطة التي تحاول بعض المنشورات تصويرها بها. فالجيوش الحديثة لا تعمل وفق قاعدة واحدة تصلح لكل الظروف ، ولا تستدعي قوات الاحتياط تلقائياً كلما ظهرت احتمالات لعملية عسكرية أو ارتفعت حدة التوتر في إحدى المناطق المحيطة بالدولة.

إن طبيعة المهمة، وحجم القوة المطلوبة، ومدة العمليات المتوقعة، ومستوى التهديد ، ومدى الحاجة إلى تعزيز القوات الموجودة بالفعل، كلها عوامل تؤثر في تقدير القيادة العسكرية لاحتياجاتها.

فمن الناحية العسكرية ، هناك فارق أساسي بين تنفيذ عملية محدودة تستهدف تهديداً بعينه، وبين الانخراط في حرب واسعة النطاق تتطلب تعبئة مستدامة للقوات والموارد.

فالعمليات المحدودة قد تعتمد ، وفق طبيعة الموقف والقدرات المتاحة، على وحدات عاملة بالفعل، أو تشكيلات متخصصة، أو قدرات جوية واستخباراتية، بينما قد تتطلب الحرب الممتدة تعزيز القوة البشرية ، وتوسيع الإمدادات ، وتأمين خطوط المواصلات، ورفع مستويات الجاهزية في أكثر من اتجاه.

وهذا لا يعني أن العمليات المحدودة لا تحتاج إلى استعدادات إضافية ، أو أن الطيران والقوات الخاصة يستطيعان وحدهما معالجة كل التهديدات، وإنما يعني أن تقدير الاحتياجات العسكرية يرتبط بالمهمة الفعلية ، وليس بمجرد افتراض وجود مواجهة.

ولذلك، فإن تصوير استدعاء الاحتياط باعتباره الإجراء الأول الذي لا بد منه قبل أي تحرك عسكري خارجي، هو تبسيط مخل لطبيعة التخطيط العسكري. فالاحتياط جزء من منظومة أوسع لتوليد القوة وتعويض الاحتياجات البشرية وتعزيز القدرات عند الضرورة، وليس زراً يُضغط عليه تلقائياً مع كل أزمة إقليمية. وقد تتوافر للقوات المسلحة العاملة قدرات كافية لتنفيذ مهمة محددة ، بينما تتطلب مهمة أخرى توسيع نطاق التعبئة والاستعداد ، حتى لو لم تتغير طبيعة الخصم بصورة جوهرية.

خذ مثلًا احتمالات التوتر على الحدود المصرية مع ليبيا أو السودان، وهما دولتان ترتبط التطورات الأمنية فيهما باعتبارات معقدة تتعلق بأمن الحدود ، وحركة الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب والجريمة المنظمة ، فضلًا عن التداخلات الإقليمية والدولية.

إن التعامل مع تهديد أمني محدد في هذه البيئات يختلف اختلافاً جوهرياً عن الدخول في حرب شاملة تستهدف حسم صراع عسكري طويل. ففي الحالة الأولى ، يتوقف شكل الاستجابة على طبيعة التهديد وموقعه وحجمه والقواعد القانونية والسياسية المنظمة للتعامل معه ، وقد تتنوع الخيارات بين تأمين الحدود، وتعزيز المراقبة والاستطلاع، والتنسيق الأمني، واستخدام الوسائل العسكرية المناسبة عند توافر مبرراتها.

أما الانتقال إلى عمليات عسكرية خارج الحدود، فهو قرار آخر تحكمه اعتبارات السيادة والقانون الدولي وحسابات التصعيد وتداعياته الاستراتيجية، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد إجراء ميداني بسيط.

وهنا ينبغي التمييز بين القدرة العسكرية والقرار السياسي. فامتلاك دولة ما قدرات جوية وبرية وبحرية متقدمة لا يعني أن استخدامها متاح في كل ظرف أو أن توظيفها يخلو من القيود والتكاليف.

فالعمليات العسكرية خارج الحدود قد تترتب عليها مخاطر تتعلق بتوسيع دائرة الصراع ، وردود الفعل الإقليمية ، وحسابات القوى الدولية، واحتمالات الانزلاق من عملية محدودة إلى مواجهة ممتدة. ومن ثم، فإن القول إن دولة ما تستطيع تنفيذ عملية عسكرية معينة لا يكفي وحده لإثبات أنها ستنفذها ، كما أن عدم إعلان استدعاء الاحتياط لا يصلح دليلًا على أن عملية عسكرية تجري بالفعل أو أن الدولة تستعد لخوض حرب.

أما فيما يتعلق بقوات الاحتياط ، فإن أهميتها لا تقتصر على الحروب الشاملة بالمعنى التقليدي ، كما لا يصح القول إنها لا تُستدعى إلا عند خوض حرب برية وبحرية وجوية واسعة. فقد تقتضي بعض الظروف العسكرية أو الأمنية استدعاء أعداد محددة من الاحتياط لتلبية احتياجات بعينها ، وقد تتطلب ظروف أخرى تعبئة أوسع نطاقاً. وتظل هذه المسألة مرتبطة بالقوانين المنظمة للخدمة العسكرية ، وبطبيعة الاستدعاء ، وبالاحتياجات الفعلية للقوات المسلحة. ولذلك، فإن اختزال الأمر في معادلة تقول إن أي عملية خارجية لا تحتاج إلى الاحتياط، بينما لا يُستدعى إلا عند اندلاع حرب شاملة، هو أيضاً تعميم لا يستند إلى قاعدة عسكرية مطلقة.

وبالمنطق نفسه، فإن افتراض أن أي مواجهة محتملة مع إسرائيل، أو مع أي دولة أخرى ، ستؤدي بالضرورة إلى استدعاء الاحتياط على نحو معين ، يظل افتراضاً يحتاج إلى النظر في طبيعة المواجهة وحجمها ومدتها والخطط الموضوعة للتعامل معها. فالتعبئة العسكرية ليست مسألة تخضع للتوقعات الشعبية أو للتحليلات المتداولة على مواقع التواصل، بل لاعتبارات عملياتية وتقديرات مؤسسية لا يمكن الجزم بتفاصيلها من خارج الجهات المختصة.

ومن هنا ، فإن المشكلة في الشائعة المتداولة بشأن استدعاء الاحتياط لا تكمن فقط في احتمال عدم صحتها، بل في الطريقة التي يجري بها بناء استنتاجات واسعة على معلومة لم يُتحقق منها أصلًا. فبدلًا من البدء بالسؤال البسيط : هل صدر إعلان رسمي؟

وهل توجد أدلة موثوقة على حدوث استدعاء بالفعل؟ ينتقل البعض مباشرة إلى رسم خرائط للحرب المقبلة، وتحديد ساحات المواجهة ، وتفسير التحركات الإقليمية باعتبارها مقدمات لقرار عسكري وشيك. وبهذه الطريقة، يتحول التخمين إلى خبر، والخبر غير المؤكد إلى تحليل ، ثم يعود التحليل نفسه ليتداول بوصفه دليلاً على صحة التخمين الأول.

وإذا كانت هناك أطراف تتعمد توظيف مثل هذه الروايات للتأثير في الرأي العام، فإن أفضل وسيلة لمواجهتها ليست الانجرار إلى خطاب مضاد يقوم على التخمينات نفسها ، بل الالتزام بالتحقق، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والاحتمالات النظرية، وعدم منح المنشورات مجهولة المصدر سلطة لا تستحقها. فالدفاع عن الوعي العام لا يتحقق بمجرد اتهام كل مخالف بالتآمر ، وإنما بتقديم معلومات دقيقة ، وتفكيك الحجج الضعيفة ، وشرح الحقائق العسكرية والسياسية في سياقها الصحيح.

وفي النهاية، فإن تكرار شائعة استدعاء الاحتياط لا يجعلها حقيقة، كما أن تكرارها سنوات طويلة لا يثبت وحده أن جهة بعينها تقف وراء كل مرة يجري فيها تداولها. المعيار الحقيقي هو الدليل، لا عدد المشاركات ، ولا حدة اللغة ، ولا الثقة المبالغ فيها التي يتحدث بها أصحاب الروايات غير الموثقة.

وإذا كان هناك بالفعل استدعاء رسمي لقوات الاحتياط، فإن إثباته يكون من خلال المصادر الموثوقة والإجراءات المعلنة ، لا عبر منشورات تتناقل بعضها بعضاً وتستمد مصداقيتها الظاهرية من كثرة التكرار.

إن الأمن القومي المصري أكبر من أن يتحول إلى مادة للمزايدات الإلكترونية، وأخطر من أن يُختزل في شائعات عابرة أو توقعات غير موثقة. فالدول لا تُقاس قوتها بعدد الأخبار المتداولة عنها، ولا تُقرأ قراراتها العسكرية من خلال منشورات مجهولة المصدر، بل بقدرتها على تقدير المخاطر ، وإدارة مواردها ، واختيار التوقيت والوسيلة المناسبين لحماية مصالحها. أما المواطن الواعي ، فلا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لما يثير قلقه ، بل طرفاً قادراً على مساءلة الرواية، وطلب الدليل، وفهم الفارق بين الاستعداد العسكري الطبيعي وبين التعبئة الفعلية، وبين احتمال الحرب وقرار خوضها.

فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم التعامل مع هذه القضية واضحة: لا تجعلوا من الشائعة خبراً ، ولا من الاحتمال حقيقة ، ولا من الخوف بديلًا عن التفكير. فالتاريخ لا يُكتب بما يتداوله الناس على منصات التواصل، والقرارات العسكرية لا تُثبتها المنشورات، وإنما تؤكدها الوقائع والمصادر الموثوقة والأدلة التي يمكن التحقق منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى