ابداعات

مركز ميت حي قبلي

 

شريف جلال القصاص 

 

كانت برلين صامتة كصفحة ثلج لم تُكتب بعد، البياض يهبط خفيفًا، كأن المدينة تُدفَن ببطء، والناس يسيرون تحت المطر الثلجي وكأنهم يخشون أن يصدروا صوتًا غير مناسب لهذا الهدوء الجنائزي.

 

جلس يونس مراد أمام نافذته، يحتضن فنجان قهوة فقد حرارته.

 

حياته كلها تسير بانضباط: المعمل، المواصلات، الحسابات الدقيقة، كل شيء…

إلا الرسائل الأخيرة من خالته هالة.

 

خالته… المرأة التي كانت أقرب إليه من الجميع، والتي ربّته كما لو كان ابنها، والتي ظلّ يونس يشعر تجاهها بدَينٍ عاطفي لا يستطيع سداده، آخر مرة رآها قبل سفرها إلى الصعيد، حدثته بنبرة غريبة عن حقها في الميراث، عن رغبتها في “إغلاق أبواب قديمة”، وعن شعور لا تعرف كيف تسميه، يومها أحسّ يونس أنها تخفي شيئًا، لكنها اكتفت بابتسامة مطفأة، ثم رحلت.

 

رنّ الهاتف. اسمها ظهر.

 

فتح الرسالة:

 

“يبدو أنني لن أحصل على حقي في الميراث، يقولون إن البنات لا يرثن حتى لا يستولى عليه من لا يستحق… يقصدون زوجي.

لكن ليس هذا المهم… استسلمت للأمر الواقع.

أريد العودة بأقصى سرعة.

الأمور هنا تغيّرت… وأصبحت غريبة.

هالة.”

 

رفع يونس الهاتف… وحاول النهوض.

لكن الألم الذي يعرفه انقضّ على صدره.

مرضه المزمن الذي يرافقه منذ سنوات، نوبة ثقيلة تمنعه من الحركة ومن السفر، تجعله يتنفس بصعوبة وكأنه يحمل وزناً غير مرئي فوق ضلوعه.

كلما همّ بالرد أو التفكير في العودة، شدّه الألم إلى المقعد من جديد.

 

قبل أن يستعيد أنفاسه، جاءت الرسالة التالية:

 

“يونس… نحن محاصَرون.

لا أحد يدخل أو يخرج.

الطائرات تلقي لنا الطعام من السماء كأننا زومبي.

في موتا-أنخ… لا أحد يموت.”

 

تجمّد يونس.

لا يعرف كيف، لكن الكلمات تحوّلت إلى يد باردة امتدت إلى صدره.

 

اهتز الهاتف من جديد:

 

“الشيخ عبدالقادر يعظ الناس أن ما يحدث فتنة… وأن الله رفع الروح وترك الجسد طليقًا وملعونًا بلا نهاية.

الأب سمعان في القداس يقول إن الخلاص قريب وأن علينا انتظار حكمة الرب.

 

الناس تائهة… تبحث عن تفسير يشبهها ولا تجده.

الرعب يلقي بجناحيه فوق الجميع.”

 

يونس حاول الوقوف… لكن المرض أعاده جالسًا.

ارتمى جسده إلى الخلف كأن النوبة تسحبه بعيدًا عن أي قرار.

 

جاءت رسالة ثالثة، مرتجفة:

 

“يوسف، طفل في السابعة… وقع من أعلى البيت.

صرخت أمه… ثم زغردت حين جرى نحوها رغم جرحه البليغ.”

 

ابتلع يونس ريقه بصعوبة.

حاول الوقوف.

لم يستطع.

 

رسالة أخرى:

 

“الأطفال يلعبون بالحيات والعقارب السامة، الرجال يتشاجرون كوحوش، أطرافهم تتمزق ولا يكترثون…

الناس نسيت البكاء، كأن الدموع تجمّدت.

يظنون أنه يوم القيامة…

أو قبر فرعوني تحققت نبوءته.”

 

كان يونس ينظر إلى الشاشة بينما نوبة المرض تشتد، كأنها تعاقبه على كل ثانية يتأخر فيها.

نظر من النافذة إلى الثلج… لكنه لم ير الثلج.

رأى شيئًا يشبه الفراغ.

 

ضغط زر الاتصال.

لا رد.

“الهاتف مغلق أو خارج التغطية.”

 

أغلق الهاتف وبقي ممسكًا به، وكأنه ينتظر أن تمتد من داخله يد تسلمه خالته.

 

مرّ يومان.

نوباته لم تهدأ إلا قليلًا—تحسن هشّ لا يكفي للسفر، لكنه يكفي للسير خطوة بخطوة.

 

وفي الثالثة فجرًا، جاءته رسالة قصيرة، كأنها كتبت في منتصف صرخة:

 

“شيء هنا… يقتل الموت نفسه.”

 

ذلك السطر كسر ما تبقى من مقاومته.

 

جمع أدواته العلمية:

مقياس العينات، محلول الحفظ، بدلة العزل، مفكرته، ودواءه الذي يحتاجه دائمًا… الدواء الذي يعرف مكوناته، والذي سيعيد تركيبَه يومًا عندما يضطر إليه.

 

جلس لحظة.

قال لنفسه:

 

“خالتي هالة… لا يمكن أن تمزح.”

 

أخذ جواز السفر.

أغلق الحقيبة.

اتجه إلى الباب.

 

قبل أن يفتحه…

جاءت آخر رسالة، مقطوعة كما لو أن شيئًا خطف نهايتها:

 

“يونس… لا تأتي فا—”

 

وتوقفت.

 

تجمّد يونس.

تجمّد العالم.

 

ثم قال بصوت يكاد لا يسمعه:

 

“فات الأوان يا هالة؟”

 

وفتح الباب.

 

وبدأ رحلته…

من مدينة يغطيها الثلج،

إلى قرية في الجنوب…

يغطيها شيء أبرد من الثلج بكثير.

أبرد…

وأغرب…

وأقرب إلى الموت من الموت نفسه.

 

… يتبع

 

ميت حي

 الفصل الثاني 

 

كانت الشمس تهبط نحو حافّة الرمال ببطءٍ غريب، كأنها تتردّد قبل أن تغيب نهائيًا، حين توقّفت سيارة الدفع الرباعي عند مشارف ميت حياة قبلي.

 

ترجّل يونس، ودخل هواء الصحراء إلى صدره ككتلة ثقيلة أيقظت مرضه القديم: دوارٌ لاذع، رعشة في أطرافه، وضيقٌ طفيف في النفس جعله يتشبّث بباب السيارة لثوانٍ.

لو لم تكن خالته هناء تستغيث عبر رسائل مشوشة، لما خطا خطوة واحدة داخل هذا الفراغ.

كانت كلماتها تدور في رأسه بلا توقف:

«الناس… لا تموت… ولا تعيش…»

 

ومع اقترابه من القرية تغيّر الهواء.

لم يعد صحراويًا صافياً؛ بل صار محمّلًا برطوبة خانقة ورائحة دخانٍ قديم، كأن شيئًا احترق هنا منذ زمنٍ بعيد وما زال يشعل الرماد سرًا تحت التربة.

نزع الكمامة… وتمنى بعد ذلك لو لم يفعل.

 

ظهرت البيوت كأشلاء مبعثرة فوق الرمل:

حجارة، طوب أحمر، طوابق متفرقة، قريةٌ نمت عشوائيًا كأنها تشكّلت بالصدفة.

لكنها ليست مهجورة.

هناك حركة… حركة لا تشبه الحياة تمامًا.

 

وقف يونس عند بيت تكسوه فسيفساء القيشاني، تعلو واجهته صورة مريم العذراء تحتضن المسيح، يقابله بيت أعلى منه بطابقين، على جداره صورة الكعبة وعبارة “حج مبرور وذنب مغفور يا أبو سليم”.

 

وبينهما…

جلست امرأتان على جذوع شجر، تتبادلان الشكوى كأنهما تتبادلان ما تبقّى من أنفاس الصبر.

 

“أم ميلاد” بثوب أسود كأنها في حدادٍ دائم، تحدّق في نقطة ثابتة لا تتزحزح، بينما أبنها فوق السطح يطارد الفراغ ويلقي الحصى على الأطفال.

 

لم تنهَرْه.

لم تتحرّك أصلاً.

وكأن الأمومة في داخلها ماتت، أو أن الألم استُنزف منها حتى آخر قطرة.

 

أما “أم سليم” فكانت تكرر الشكوى ذاتها: زوجٌ لا يُطاق، بيتٌ بلا دفء، حلمٌ بالهرب لا يسمح به مجتمع ولا عقيدة.

 

امرأتان سجينهُما الحياةُ ذاتها… التي توقفت عن النمو.

فالموت—الذي كان حدًّا أخيرًا لكل ما لا يُحتمل—لم يعد يزور هذا المكان.

وصارت الأيام تُعاد دون وعدٍ بالخلاص.

 

تردّد يونس في مقاطعتهما، وحين همّ أن يسأل عن بيت خالته، شقّ الهواء ارتطامٌ حاد.

 

سقط الطفل ميلاد من فوق السطح.

 

صرخة أم ميلاد … صوت جاف نزعت منه الرحمة.

لم تتحرك.

لم تقترب.

ظلت تحدّق فقط.

 

ركض يونس نحو الجسد الصغير. رفعه… الدم يسيل في خيطٍ رفيع على خدّه.

هل مات؟

 

نظر إلى السيدتين بدهشة…

كانتا تكملان الحديث بنفس الوتيرة.

كأن السقوط… ليس حدثًا.

 

تذكّر رسائل خالته.

 

حمل الطفل وانطلق يلتمس له النجاة، أو ربما يكون أراد أن يتأكد من موته ليحل لغز هذه اللعنة.

بينما تتأرجح أفكاره وخطواته لمح لافتة:

“مستشفى ميت حياة قبلي”

 

 

دخل يونس وهو يصرخ يطلب طبيب الطوارئ.

استقبلته الممرضة هناء—ابتسامة باهتة، مرهقة—وقالت بلا اندهاش:

“ثانية يا ميلاد؟”

 

ثانية؟

هل يحدث هذا كثيرًا؟

 

كان نبض الطفل يبهت… عيناه ترتجفان وكأنها تفاضل بين الحياة والموت.

 

أسرع الطبيب راشد نحوه، يضمّد جراحه بخبرة كاهن يملك سر التحنيط يغلف جسد الملك الصغير .

عيناه كانتا تتّسعان… كأنهما تحملان تحذيرًا، لا دهشة.

 

قطع راشد صمت يونس:

“إنت غريب… كيف دخلت هنا؟”

ظن يونس أنه يقصد المستشفى… لكن الطبيب كان يقصد القرية المحاصرة خلف السلك الأمني.

 

وفجأة… انتفض الطفل وركض خارج المستشفى كأنه لم يسقط.

لم يجد يونس وقتًا للذهول.

 

صرخت الممرضة:

“دكتور راشد…حمدان! يريد أن يشعل النار تانيةً!”

 

ركضا خارجًا.

وجدا حمدان—الرجل الأربعيني—يمسك شعلة زيتية ووعاء كيروسين.

عيناه خاويتان، كأن شيئًا انطفأ يوم ماتت زوجته وابنته في الحادث.

 

سأل يونس:

“ما السبب في هذا، هل هو مجنون ؟”

 

قال راشد:

“لا احد يملك اجابة، من يوم الحادث وهو لا ينطق…

 الناس تقول إن لعنة إصابته حين حاول يفتح مقبرة تحت بيته، تسببت في موت زوجته ثم اغلقت بوابة الموت ليسجن الجميع في حياة أبدية خالية من الحياة.”

 

لم يكمل راشد جملته…

لأن شخصًا غريبًا كان يقف بعيدًا، يراقبهم من ظلّ جدارٍ محطّم، قبل أن يتحرك خلسةً ويختفي بين البيوت.

لم يعلّق يونس… لكنه التقط الشعور الغريب: هذا الرجل ليس من أهل القرية.

 

غادر يونس المكان.

الضوء تغيّر.

الشمس داكنة، كأنها مغطاة بطبقة رماد.

تذكّر ما قرأه عن القرن السادس حين اختفى النهار لشهور…

التاريخ يكرر نفسه هنا؟

 

نظر في ساعته: الثالثة والنصف.

توقيت العصر.

لكن الصمت… غياب الطيور… كل شيء جعل الزمن مختلًا.

 

بحث عن المسجد برائحة الأذان.

وحين سمع النداء أخيرًا، انقطع عند: “حي على الصلاة”.

لكنه صوت طفل…

 

اقترب، فوجد القس سمعان عند باب المسجد، ينتظر الصغير .

دخل يونس، ورأى الطفل يخرج مسرعًا… 

 

لماذا يُؤذّن طفلٌ مسيحيّ في مسجد؟

 

أجاب القس دون أن ينظر إليه:

 

الشيخ عبد القادر- إمام المسجد- المرض حبسه في بيته، وقد وعدته أن أرسل ابن أختي ليُقيم النداء حتى يعود صوت صديقي عبدالقادر- يصعد عبر المئذنة إلى السماء.

 

تذكّر يونس كلمات خالته:

الإيمان شحّ… ودور العبادة تتنفس الخواء أكثر من الزائرين.

 

الكنيسة بدورها… بلا قدّاس.

لا فرح، لا جنازات.

طقوس الحياة توقفت… كأن الموت نفسه ينتظر.

 

بعد العصر، اتبع يونس الإشارات التي وصفته بها خالته.

كان بيتها أكبر من بيوت الجيران، ورائحة بخورها القديم تسبقه إليه… 

 

طرق الباب:

“يا خالتي؟”

 

لم يأتِ رد.

ثم جاءه همس… قريب جدًا، كأنه يمر عبر الخشب:

“يونس… أنا هنا يا ابني… تعال.”

 

نبرة هناء… لكن ببرودة لم يسمعها منها قط.

 

فتح الباب.

الظلام خفيف، ينساب على الأشياء دون أن يغطيها.

عباءتها، صندوق حليها الخشبي، كوب الشاي…

لكن الهواء….

ثقيل… رطب… كأنه يحتضر.

 

“يا خالتي؟”

 

جاءه الصوت مرة أخرى…

لكن هذه المرة لم يسمعه بأذنه فقط.

بل شعر به تحت جلده:

 

«اقترب… تعال… الجو بارد.»

 

بارد؟

الحر يعضّ الجدران.

 

ثم… أنفاس أخرى.

أنفاس ليست لأنثى مسنّة.

 

اقترب من الغرفة الثانية…

والظلال تتحرك بخفّة على الجدار—لا يعرف إن كانت من الضوء، أم من شيء آخر.

 

وفي اللحظة التي تجاوز فيها العتبة…

شعر يقينًا أنه لم يدخل على خالته وحدها.

 

بل دخل على شيءٍ آخر… كان ينتظره بصمت.

 

يتبع

 

ميت حي 

 

شريف جلال القصاص 

 

في بيت لا يكاد يستر اسرار من فيه، الكل يعلم بكل ما يحدث، بين فايز وزوجته نعمات، بيت بسيط داخل مركز ميت حياة قبلي التابع لمحافظة الأقصر.

 

لم يبدأ الشجار في ذلك اليوم بصوتٍ عالٍ، قالت نعمات فقط إنها تريد أن تزور أمها المريضة، أن تخدمها أيامًا قليلة، و قال فايز لا.

 

لم يكن الرفض هو ما فجّرها، بل الطريقة؛ الهدوء القاسي، النظرة التي تقول: أنتِ لا تملكين هذا الحق، صرخت.

لا لتقنعه، بل لأن القهر خرج دفعة واحدة، جاءت الصفعة سريعة، صافية، كأنها ردٌّ طبيعي على الصوت، سقطت، ارتطم جانب رأسها بالأرض، ورأت السقف يدور لحظة، حين اعتدلت، كانت تلعنه.

 

لم ترفع صوتها، لكنه سمعها، كانت الكلمات تخرج مكسورة، حارّة، رفع جلبابه بعصبية، اقترب أقرب مما ينبغي، ضاقت المسافة بينهما حتى لم يبقَ للهواء مكان.

 

التفّت يداه حول عنقها، لم تكن غاضبة اليدان…

كانتا ثابتتين، واثقتين، كأنهما تنفّذان أمرًا مؤجَّلًا، اختفى الصوت أولًا، ثم بدأ العالم يضيق، لم تفكّر في الهرب، ولا في الموت، فكّرت في طفلها، إن ماتت الآن…

سيبقى مع ذاك الأب القاسى.

 

مدّت يدها، ضربته بأي شيء طالته، لم ترَ ما أمسكت، لم تسمع الصوت، شعرت فقط بقبضته ترتخي، سقط.

 

هذه المرّة، كان الصوت واضحًا، ركعت بجانبه، لم تنادِ اسمه،

لم تهزّه، كانت تعرف الموت حين تراه:

الرقبة الملتوية، العين نصف المفتوحة، الفم…

كأنّه حاول أن يقول شيئًا ثم نسيه، لم يكن احتضارًا.

كان موتًا نظيفًا، حاسمًا، بلا مساحة للشك.

 

جلست دقائق لا تُحصى، تحدّق في جسدٍ تعرفه…

ولا تعرفه.

من الغرفة الأخرى، بكى الطفل، صوته بدا بعيدًا، كأنه قادم من بيتٍ آخر.

 

في المستشفى، كانت رائحة المطهّرات أقوى مما يجب، كأن المكان يحاول إخفاء شيء لا يُرى، دخلت دون تردّد، لم تسأل عن الطوارئ، لم تطلب إسعافًا.

 

قالت للممرضة بصوت منخفض، ثابت على نحوٍ مريب:

— هل مات؟

رفعت الممرضة رأسها، نظرت إليها، ثم إلى الجسد على النقالة خلفها، الرجل ممدّد، صدره ساكن، هدوؤه كامل… أكثر مما ينبغي.

قالت:— أبقي هنا.

 

وقفت بجوار النقالة، يدها على الحافة المعدنية، كأنها تراقب شيئًا قد يتحرّك دون إنذار، اقترب الطبيب.

نظر إلى الجسد طويلًا، لم يسأل كيف، لم يسأل متى، قال فقط:

— انتظري.

 

وفي اللحظة ذاتها، انفتح باب العناية المركزة بعجلة.

— دكتور!

أكملت الممرضة وهي تلهث:

— السيدة هناء… قريبة العمدة مهران، حالتها تسوء.

ترك الجسد دون كلمة، وتبعها، داخل العناية المركزة،

كانت هناء تحت جهاز التنفّس الصناعي، الصوت المنتظم للآلة يملأ المكان، الأرقام تضيء وتخفت، كأنها تتنفّس بدلًا عنها، يونس، ابن أخيها، جلس قريبًا من السرير، منحنيًا قليلًا، عيناه لا تفارقان وجهها.

 

مهران، العمدة الجديد، وقف خلفه بخطوة، يحاول أن يبدو متماسكًا، لكن قبضته كانت مشدودة على ظهر الكرسي،

لم تكن هناء مجرّد بنت خالته.

كانت حبّه القديم، لم يستطع منعها من الزواج والهجرة إلى ألمانيا.

 

قالت الممرضة:

— التشبع نزل فجأة، انحنى الطبيب، عدّل القناع، ضغط بخفة على صدرها، ساد صمت قصير، ثم عاد الصوت.

ارتفعت الأرقام، استقرّ المؤشر.

 

لم يبتسم الطبيب، قال فقط:

— تابعوا الحالة، وبلغوني بأي تغيير.

 

أطلق يونس أنفاسه ببطء، كأنها كانت محبوسة منذ أيام.

مهران أدار وجهه بعيدًا، مسح عينيه بكفه، دون أن يراه أحد.

 

في الخارج، كانت المرأة ما تزال واقفة، لم يُسجَّل اسم.

لم تُطرح أسئلة، لم تُستدعَ الشرطة، اقترب الطبيب أخيرًا.

نظر إلى الجسد، وضع السماعة على صدره.

قالت، بصوت لا يكاد يسمع:

— هو… مات؟

نظر إليها، لم ينفِ، لم يؤكّد، قال فقط:

— انتظري.

نُقلت النقالة إلى غرفة جانبية، قريبة من العناية، تبعتهم بخطوة…

ثم توقّفت، من خلف الزجاج، رأت الطبيب والممرضة ينظّفان الجرح، ضغط الطبيب على صدره مرة…

ثم أخرى، ثم حدث الخطأ.

ليس النبض، ليس التنفّس، بل تقلّصت أصابعه، ابتلع ريقه، فتح عينيه، لكن عينيه لم تبحثا عنها، ولا عن السقف، ولا عن الطبيب، كانتا تنظران إلى الفراغ، كأن شيئًا آخر عاد قبله، قال الطبيب، بهدوءٍ أشدّ رعبًا من الصراخ:

— قُم.

جلس، ثم وقف،نظر إليها…

وابتسم، ليست ابتسامة نجاة، ولا سخرية، ابتسامة شخصٍ تذكّر شيئًا كان قد نسيه، اقترب خطوة.

 

تراجعت.

قال بصوتٍ طبيعي تمامًا:

— إنتِ حاولتِ قتلي.

لم يكن اتهامًا، كان تقريرًا، همست وهي ترتجف:

— لا أبدًا … كنت فقط ادافع عن نفسي.

 

في تلك اللحظة…

فهمت شيء لا يمكن تخيله، خرجت نعمات مع من يبدوا أنه فايز، كانت تمشي إلى جواره، تنظر إليه من طرف عينها.

هو يمشي طبيعيًا، يتنفّس، ينظر حوله، لكنها تشعر بالخوف من الذي خرج معها…

 

 

 

قبل ثلاثة ثلاثة أشهر 

 

حيث كان كل شيء تقليديا وقبل أن ينقلب كل شيء إلى كابوس يعيشه الناس كلهم في وقت واحد، أنه ميت حياة قبلي مركزٌ قائم بذاته، ليس كبيرًا بما يكفي ليُذكر، ولا صغيرًا إلى درجة أن يُهمَل، يقع حيث يجب أن يقع مركز ريفي عادي، تابع لمحافظة الأقصر، طريق رئيسي يمرّ به دون أن يتوقّف طويلًا، وترعة تشقّه بهدوء، وأراضٍ زراعية تمتدّ حوله كأنها تحرسه.

 

بيوته متقاربة، بعضها قديم بطابق واحد وسقف خشبي،

وبعضها أحدث قليلًا، بطوابق متعدّدة لم تكتمل واجهاتها،

الشوارع ضيّقة في أغلبها، تتّسع فجأة ثم تعود لتضيق،

كأنها لم تُخطَّط مرة واحدة، بل نمت مع الزمن.

 

بيت واسع، قديم نسبيًا، له سور واضح وبوابة ثقيلة،

في هذا المكان العادي بكل ما فيه، سيبدأ ما لم يكن عاديًا أبدًا.

 

 

داخل قصر العمدة، لم يكن الاحتضار صاخبًا كما يُشاع؛ بل كان أشبه بانسحابٍ بطيء لشيءٍ غير مرئي، يترك الجسد في مكانه كما يُترك بيتٌ أُفرغ من ساكنه قبل أن تُغلق أبوابه، أو كثوبٍ هجره صاحبه فانسلّ عنه وبقي معلّقًا، مصلوبًا على مشجبٍ داخل صندوقٍ خشبيٍّ مُحكم.

 

داخل القصر، غَرِقت الغرفة الكبيرة في رائحة بخور الجاوي، ممزوجة بقليلٍ من الزعفران واللبان، تلك رائحة تعرفها البيوت القديمة؛ البيوت التي يُقال إن لها زوّارًا أو عُمار لا يُرَون، وإنها لا تفرغ تمامًا، حتى بعد رحيل أصحابها.

 

استلقى السبيكي — الذي ما زالوا ينادونه بالعمدة، رغم أن العمودية انقضت منذ عقود — على فراشه، وصدره يعلو ويهبط بتردّدٍ غير منتظم، كأن الجسد فقد قدرته على موازنة نفسه، أو كأن وظائفه تعمل بذاكرةٍ واهنة لا بثقةٍ كاملة.

 

الضوء المتدلّي من المصباح لم يكن كافيًا ليكشف الغرفة، ولا خافتًا بما يسمح بإخفائها؛ ضوءٌ متردّد، لا يحسم أمره، كما لم يحسم العجوز مصيره بعد.

 

منذ أيامٍ تتناوب عليه الحُمّى ارتفاعًا وانكسارًا، ويأتيه السعال ثم ينقطع بلا نسقٍ مفهوم، احتاج التنفس الصناعي مرات، كأن العِلّة لا تسعى إلى شفاء، ولا تُعلن عن نفسها بوضوح، بل تبحث عن موضعٍ خفيٍّ تستقرّ فيه.

 

 قال الطبيب الذي زاره قبل عشرة أيام إن ما أصابه يبدو انتكاسةً سببها عدوى لمرضٍ غير مُشخَّص، انتقلت إليه على الأرجح من أحد زوّاره؛ وربما كان حفيده أشرف، صاحب البازار السياحي، بعد استقباله وفدًا آسيويًا في الأيام الماضية، امتنع الطبيب عن معاودة الزيارة، وتحجج بكثرة المرضى الذي يفدون إلى المستشفى الوحيدة في المركز.

 

جلس مهران عند طرف السرير، لا بوصفه حفيدًا يودّع جدَّه، بل كمن ينتظر إشارةً لا يعرف شكلها بعد، على وجهه جمودٌ غير مألوف، وفي عينيه حذرٌ لا يليق بشابٍّ لم يحمل بعدُ ثِقَل المكان، لكنه يشعر بثقله ينساب إليه ببطءٍ لا مهرب منه.

 

قال محاولًا أن يبدو طبيعيًا:

— الحكيم طمأنّا… قال إنها وعكة وستزول.

 

تحرّكت شفتا العمدة ببطء، كمن يستخرج كلمةً من عمقٍ بعيد:

— كلّ إنسان طبيب نفسه يا ولدي.

 

سكت لحظة، وكأن النفس تأخّر عن موعده، ثم قال بصوتٍ أخفت:

— طمّنّي على ناس المركز.

لم يحتج مهران إلى تفكير؛ كان يعرف ما يعنيه:

— الأمور مستقرة… كأنك ما زلت تسير بينهم.

 

أغمض العمدة عينيه، وبدا السعال قريبًا، ثم قال كمن يضع قاعدة لا رأيًا:

— النظام يلزمه ميزان… وإلا مال.

كأن الجملة أنهكته؛ ارتجف صدره قليلًا، وسعل سعالًا مكتومًا، قصيرًا، ثم استعاد صوته وسأل:

— وشوقية؟

— القابلة؟ هي لا تقصّر، تدخل البيوت من شرق المركز لغربه، أخبرتني إن فهيم تاجر المواشي…

تردّد مهران لحظة، ثم أكمل:

— يفكّر في الترشّح للبرلمان، وقالت إن ابنه علاء ناوي يطلّق امرأته بعد ما عرف …

تحرّكت يد العمدة إشارةً إلى الاكتفاء.

 

— المعرفة يا ولدي ليست كلّها حقًّا، ولا كلّها سترًا، خذ منها ما تحتاجه فقط.

— صدقتَ يا جدي، ربّنا حليمٌ ستير.

فتح العمدة عينيه فجأة، وقال بوضوحٍ لا يقبل التأجيل:

— الثوب الأبيض في الدولاب… جاهز منذ يوم جنازة أبيك، رحمه الله.

 

شدّ مهران قبضته على ركبته:

— لا داعي لمثل هذا الحديث.

نظر إليه العمدة طويلًا؛ نظرةَ من يسلّم أمانةً يعلم أنها لن تعود اليه.

 

 

دخلت عائشة تحمل إناء ماء، توقّفت عند الباب حين رأت وجه جدّها، كأنها تخشى أن تُربك ترتيبًا خفيًا يجري في الغرفة، ثم اقتربت بحذر:

— أرح نفسك يا جدي.

 فقال لها وهو يحاول أن يبتسم لها:

— الراحة ليست في الجسد يا بُنيّتي… الراحة أن نعرف متى نتوقّف.

 

مدّ يده بصعوبة، فاقترب مهران تلقائيًا، كانت القبضة واهنة، لكنها مقصودة؛ كأن العمدة أراد أن يتأكّد أن الرسالة وصلت إلى الجسد قبل العقل:

— هذه البلدة… ليست بيوتًا ولا أرضًا، إنما هي ناس، والناس أمانة في عنقك.

أومأ مهران، ثم قال بعد تردّد:

— وأرض حسّان القناوي القبلية؟

سكنت الغرفة فجأة، حتى أنفاس العمدة بدت كأنها توقّفت احترامًا للسؤال.

فتح عينيه ببطء:

— حارس الأرض… هل أصابه مكروه؟

— إبانوب؟ صحته ليست على ما يرام، لكنه ما زال يحرسها ليلًا ونهارًا، هو وثلاثة من أقاربه.

 

سكت العمدة لحظة، ثم قال:

— سيحتاج إلى المال قريبًا.

— نعم، يريد أن يجهّز ابنته، وينوي بيع قيرطين.

— اشترِ منه قيراطًا واحدًا، وأعطه ثمن اثنين؛ فالحاجة إذا اشتدّت، فتحت أبوابًا لا تُغلق.

ساد صمتٌ أثقل من سابقه.

قال العمدة بصوتٍ خافت، كأنه لا يخاطب مهران وحده:

— أرض حسّان يا ولدي… لا يُقترب منها، ما تحتها خطرٌ لا يُحتمل، إن خرج، فلن يعود كما كان.

 

اتصال مهران بالطبيب وطلب منه أن يرسل سيارة الإسعاف، لكن نظرات السبيكي كانت تشير أن الأوان قد فات.

 

وقبل أن يرحل نظر إلى عائشة نظرة وداع، جعلتها تسقط عبرات من عينيها كفكفها بضعف، وهو يقول انه يعرف أن الأجل يسابقه، تنفّس العمدة بعمق، وهمس كمن يزن الكلمات الأخيرة:

الموت نعمة… به تستقيم الحياة،

لكن الإنسان يعتادها فلا يشعر بها.

 

لمعت في عينيه صحوة خاطفة، كأن الموت تراجع خطوة. اتكأ قليلًا، مصرًّا أن يرحل منتصبًا، ليغرس في روح حفيده وصية لا تُقال، قال إن وجعه الحقيقي أن يسبقه الموت، قبل أن تشتد يد مهران على المركز.

 

ساد صمتٌ كثيف، .لم يكن فراغًا، بل رسالة. مهران فهم، وسكنت ملامحه، صار التنفيذ واجبًا، وتأجيل الموت جزءًا منه. 

 

يتبع

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!