ابداعات

رسالة إلى شجرة الدر

 

الشيماء أحمد عبد اللاه 

 

يا شجرةَ الدر، يا امرأةً خرجت من هامش الحكاية لتجلس في صدر كتب التاريخ، أكتب إليكِ في زمنٍ يظن أن العظمة حكرٌ على السيوف، لا على العقول، أكتب إليكِ لأن اسمكِ ما زال يوقظ الدهشة، ولأنكِ كنتِ سؤالًا جريئًا في عصرٍ اعتاد الإجابات الجاهزة.

 

 

كنتِ أكثر من زوجة سلطان، كنتِ عقلًا يُدبّر حين اضطربت الدولة، وصوتك ثابتًا حين تلعثمت ألسنة الرجال، في لحظةٍ فاصلة أمسكتِ بزمام الحكم لا طلبًا لسلطة، بل خوفًا على وطنٍ كان مهددًا بالسقوط والهوان، فهمتِ أن السياسة ليست زينة عرش، بل مسؤولية تُحمل على الأكتاف مهما أثقلت.

 

علّمتِ التاريخ أن القيادة لا تُقاس بنوع اليد التي تمسكها، بل بثباتها، حين أخفيتِ موت السلطان، لم يكن ذلك خداعًا، بل إنقاذًا لدولةٍ كاملة من الفوضى، كان قرارك قاسيًا، لكنه كان ضروريًا، وكأنكِ تقولين إن الوطن أحيانًا يحتاج إلى قسوة الحكمة لا إلى رحمة التردد.

 

لكنهم لم يغفروا لكِ أنكِ امرأة جلست على العرش، فالتاريخ كثيرًا ما يُسامح الخطأ إذا صدر من رجل، ويُدين الصواب إذا خرج من امرأة، حاكموكِ لا على أفعالكِ، بل على جرأتكِ، وكأن جريمتك الحقيقية أنكِ كسرتِ القالب الذي أرادوكِ حبيسةً في داخله فقط.

 

سقطتِ، نعم، لكنكِ لم تسقطي من ذاكرة التاريخ، بقي اسمكِ شاهدًا على أن العدل لا ينتصر دائمًا في وقته، وأن العظماء يدفعون ثمن سبقهم لعصورهم، كنتِ درسًا قاسيًا في أن من يقترب من السلطة بلا حماية المجتمع، يُترك وحيدًا في النهاية.

 

يا شجرة الدر، لستِ أسطورةً نُزيّن بها الكتب، بل حقيقة تُربك الضمائر، أنتِ المرآة التي تكشف خوف المجتمعات من المرأة القادرة، والعقل الذي يُصرّ على أن الكفاءة لا جنس لها، وأن الحكم امتحان أخلاقي قبل أن يكون كرسيًا.

 

أكتب إليكِ اليوم لأقول: ما زال في الأمة من يتعلم من قصتكِ، وما زال في التاريخ متسعٌ لإنصافكِ، فالأسماء التي تُكتَب بالمسؤولية لا تمحوها الهزيمة، بل تحفظها الذاكرة طويلًا، وتعيدها كلما احتاج الزمن إلى شجاعة تشبهكِ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!