طرف خيط… الجزء الثاني

بقلم – جلال الدين محمد
عن قصة حقيقية.
المشهد الرابع
أحاطت الهالات السوداء بعيني النقيب “كمال” وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر. ركن السيارة عند مدخل طريق الفيوم، بعد أن قاد بسرعة جنونية أملًا في أن يسبق الحافلة المنشودة ويمنع عملية نقل المخدرات. بدأت قطرات من اليأس تتساقط على أفكاره فتجعلها تذوب كأنها لم تكن. إذا لم يلحق بالفتاة لن يلومه أحد، هو أصلًا لم يكن يمتلك ما يكفي من المعلومات لإيقافها، ولا الوقت لفعل ذلك، ولكنه يكره الفشل أكثر من أي شيء آخر في هذا العالم.
تصاعد التوتر في السيارة، حتى كاد كل من فيها أن يتنفسه بدلًا من الهواء. وفجأة سطعت “النجمة”.
ظهرت حافلة تحمل شعار شركة “النجمة” أمامه، فتهللت أسارير “كمال” وأشار لزميله الذي تسرب النوم إلى عينيه فأخذ غفوة قصيرة. أدار “كمال” محرك السيارة وانطلق من فوره في إثرها، حتى أصبح على خط موازي مع السائق فأشار له أنه يتوقف. تجاهل السائق الإشارة في غضب، ظنًا منه أنه أمام شاب طائش قد تعاطي ما يذهب عقله، وخرج على الطريق بالسيارة التي حصل عليها من والده ليُضايق الناس.
بدأ “علاء” يصرخ في السائق بأنهما من الشرطة وأن عليه التوقف حالًا، ارتبك السائق قليلًا، في البداية تردد، ولكنه قام بركن الحافلة، مع إصرار السيارة التي تطارده على أمره بالتوقف.
استجمع الكمسري رباطه جأشه، وصرخ في “كمال” مطالبًا إياه بإظهار ما يُثبت أنهما من الشرطة، وضع الأخير بطاقته أمام عيني الكمسري، الذي تجمد في مكانه وقال “خير يا باشا”.
رد “كمال”: لن يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق.
صعد “كمال” وزميله “علاء” إلى الحافلة، بدأ يتفقد وجوه الناس، ويتنقل بينها في أمل لعله يجد ضالته. بينما كان الجميع يُحدق فيه بدهشة وغضب أيضًا، وكان هناك من يطالبه بإنهاء ما يفعله سريعًا حتى لا يتعطلون عن أعمالهم.
“كمال” أنظر. هكذا أشار “علاء” لزميله، لينتبه إلى فتاة في العشرين من عمرها، غلبها النعاس، وعلى حجرها يوجد طفل رضيع. هذا هو ما كانا يبحثا عنه.
في ثبات توجه “كمال” إلى الفتاة وأيقظها، ارتبكت الأخيرة وسألت في خوف: من أنت؟ ماذا هناك؟
– النقيب “كمال” من الشرطة، يجب أن تأتي معنا. هل هذه الحقيبة لكِ؟
– أجابت الفتاة: لا ليست حقيبتي.
– تدخل الكمسري وقال للشرطي: بلى، هي حقيبتها.
وضع “كمال” يده على الحقيبة، وأمر الفتاة بأن تحمل الطفل وتتحرك فورًا معه لمغادرة الحافلة، فأزعنت في استسلام ونزلت معهم.
المشهد الخامس
شعر “علاء” بشيء من الحيرة، فلا يُمكنهم تفتيش الفتاة دون وجود امرأة لتفعل ذلك، ولكنه باغتها بقوله: العميد زكريا أخبرنا بكل شيء، ونحن على علم بخط سيرك منذ البداية، والبضاعة التي بحوذتك، لا داعي إذن للخداع، اعترفي بالحقيقة لنُساعدك.
كان “كمال” قد انتهى من تفتيش حقيبتها، ولم يجد فيها سوى ملابس الطفل، وحفاظات، وعلبة حليب أطفال.
بينما أنهارت الفتاة في البكاء وقالت، العميد زكريا يعلم بأمري، إذن قد علمت قريتنا بالكامل بما أفعل، لن أتمكن من العودة إلى هناك أبدًا. ثم مدت يدها في صدرها وأخرجت كمية من مُخدر الحشيش كانت قد دستها في ملابسها. وقالت: أخبروني أن أذهب بهذا الحشيش إلى رجل في حي “شبرا” هناك رجل طلب هذا النوع، ولم يكن موجودًا سوى عند التاجر في الصعيد، وكل ما علي فعله هو نقله إليه ليتعاطاه، وأتقاضى 1000 جنية عن هذه المهمة، بجانب تحملهم لتكاليف الانتقال من وإلى القاهرة.
عرضوا علي هذا الأمر أكثر من مرة وكنت أرفض لأني أريد تربية هذا الولد بالحلال، ولكن أغلقت في وجهي كافة الأبواب. هرب والد الفتى وتركني بعد أن عجز عن الإنفاق علينا، وأبي رفض أن أعود إلى منزله، وأخبرني أنه تخلص من همي بتزويجه لي، وغير مسؤول عني بعد ذلك، ولم أجد ما يُعينني على تربية الصغير، فكنت مجبرة على الموافقة. أنهت كلامها وتابعت البكاء.
رق النقيب “كمال” لحالها، لا يمكنه أن يتجاهل القانون، ولكنه تذكر المادة 48 والتي يمكنه استخدامها لمساعده الفتاة، عليها أولًا أن تُسلمه مُجرمًا خطيرًا ليقوم بمساعدتها.
– أخبريني يا “هنادي” هل هذه المرة الأولى التي تفعلين فيها هذا الأمر؟ كوني صادقة.
– لا يا باشا، هذه المرة الثالثة، سبق وأن ذهبت مرتين من قبل، لرجل عجوز يسكن في حي المطرية.
– وما قصته؟ هل هو مجرد متعاطي؟
– لا يا باشا، كنت أرى عنده الكثير من الأموال، وفي المرة الثانية راودني عن نفسي، فضربته ورفضت أن أمنحه ما يريد، فقام بجذبي من شعري، وألقى بي خارج المنزل وقال أنه سيقتلني ويقتل ابني إن عدت مرة أخرى.
– هل تعرفين ما عمله؟
– سمعته ذات مرة يتحدث في الهاتف، كان يقول لأحدهم أرسل لي البضاعة، لأقوم بعملية الفرز والتوزيع ونسبتك محفوظة كما اتفقنا. لم يخشى من التحدث أمامي فهو يعلم أني لا أجرؤ على قول شيء، كما أني لا أعرف أصلًا طبيعة البضاعة، ولا نشاطه.
– هل يمكنك أن تأخذينا إلى شقته؟
– لا أتذكرها المرة الأخيرة التي ذهبت فيها إلى هناك، كانت عندما حاول الاعتداء علي، خرجت باكية أحمل ابني، وأحاول إخفاء ما مزقه من ثوبي.
– حسنًا، اتصلي به وأخبريه بما يلي. أحضرت بضاعة إلى أحد الزبائن في القاهرة، وتجاهلني ولم يرد على اتصالي، الآن أنا في القاهرة، ولا أملك المال للعودة إلى الصعيد، وليس لدي أموال من أجل طفلي، وأنا مستعدة لفعل ما تريد.
– لن يُصدق أبدًا بعد مقاومتي له المرة الماضية.
– لا تقلقي، سنجعله يطلب منكي الحضور إليه.
المشهد السادس
جلست “هنادي” في مقدمة السيارة بجوار النقيب “كمال” واتصلت برقم “عبد ربه” الرجل الذي راودها عن نفسها.
– عم “عبد ربه” أنا “هنادي” الفتاة التي أحضرت لك الحشيش.
– ما هذا الصباح البشع؟ ما الذي تريدينه أيتها العاهرة؟ كيف تجرؤين على الاتصال بي بعد فعلتك الأخيرة؟ وفي هذا الوقت المبكر من اليوم، هل أنا خادم والدكِ أيتها المرأة؟
– أتوسل إليك أن تستمع إلي، أحضرت بضاعة لأحد الزبائن، ولم يأخذها مني والآن لا أملك المال للعودة إلى الصعيد، ولا لإطعام ابني. أرجوك هل تقبل بأن تأخذ مني البضاعة؟
– لأنكِ سيئة النية، كيف سيُبارك الله لكِ؟
ضحك المُخبر “عبد العال” على الجملة الأخيرة، فيما رمقه النقيبان بنظرة أسكتته على الفور.
– قال “عبد ربه” للفتاة، تعالي لقضاء بعد الوقت معي، وإذا وجدتك مطيعة سوف أشتري منكِ البضاعة كلها.
– حفظك الله يا عم “عبد ربه” أخبرني أين ألقاك.
وصف لها الرجل سيء الخلق النقطة التي سوف يقلها منها، وأخبرها أن تتصل به فور وصولها. وهكذا انطلق الفريق إلى “المطرية”.



