الدولار في مرحلة التحول : هل يفقد عرشه أم يعيد تشكيل قوته؟

✍️ يوحنا عزمي
إذا أردنا أن نفهم إلى أين يتجه الدولار فعلينا أولًا أن نبتعد قليلًا عن الشعارات المتداولة والتحليلات السريعة ، ونواجه حقيقة كثيرون يفضلون تجاهلها ، وهي أن قوة الدولار لم تكن يوماً مجرد انعكاس مباشر لقوة الإقتصاد الأمريكي فقط ، بل نتيجة بنية نظام مالي عالمي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية واستمر لعقود طويلة، نظام يقوم في جوهره على اعتماد العالم كله تقريباً على الدولار كعملة للتجارة والاحتياط وتسعير السلع الاستراتيجية. ما يحدث الآن ليس انهياراً لتلك القوة ، بل تحول تدريجي في شكلها، وتغيير في طريقة عملها ، مع بقاء الأساس قائماً حتى اللحظة.
خلال السنوات الممتدة من 2021 إلى 2024 عاش الدولار فترة صعود قوي للغاية مدفوعاً بسياسات نقدية مشددة في الولايات المتحدة، حيث تم رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة لسحب السيولة من الأسواق ومحاربة التضخم ، وهو ما أدى إلى ضغط اقتصادي على كثير من الدول، خصوصاً الناشئة ، التي وجدت نفسها مضطرة لمجاراة الفائدة الأمريكية أو مواجهة نزيف في عملاتها المحلية. في تلك المرحلة كان الدولار أشبه بالملاذ الوحيد، والعملة التي تجذب رؤوس الأموال من كل مكان ، فارتفعت قيمته وأصبح في نظر المستثمرين “ملك الساحة” بلا منازع.
لكن مع دخول عامي 2025 و2026 بدأت الصورة تتغير تدريجياً ؛ الفائدة توقفت عن الارتفاع ، والتضخم الأمريكي تراجع نسبياً، والنمو الاقتصادي بدأ يفقد جزءًا من زخمه ، والأسواق بدأت تتوقع نهاية دورة التشديد النقدي. النتيجة الطبيعية لذلك كانت أن الدولار فقد جزءًا من اندفاعه السابق ، لكنه في الوقت نفسه لم يدخل في مسار انهيار، بل تحرك نحو مرحلة توازن جديدة أكثر هدوءاً، وهذا الفارق مهم للغاية بين عملة تتراجع قليلًا بعد موجة صعود قوية ، وعملة تدخل في مسار سقوط حقيقي.
العامل الآخر الذي ساهم في إضعاف الدولار نسبياً لم يكن فقط قرارات البنك الفيدرالي ، بل التحولات السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها. مع عودة سياسات مالية توسعية ، وطرح وعود بخفض الضرائب ، ووجود استعداد سياسي أكبر لقبول قدر من التضخم مقابل الحفاظ على النمو وفرص العمل، بدأت الأسواق تقرأ المشهد على أن واشنطن قد تتقبل دولاراً أضعف قليلًا إذا كان ذلك يدعم الصناعة والوظائف ويقلل من قوة العملة التي كانت تضغط على الصادرات الأمريكية.
هذا الضعف النسبي لا يبدو عشوائياً أو خارج السيطرة ، بل أقرب إلى تخفيف محسوب للضغط، حيث تفضّل الإدارة الأمريكية اقتصاداً يتحرك على عملة أقل صلابة بدل اقتصاد متباطئ على عملة قوية جدًا.
في الوقت نفسه ، جاء صعود الذهب إلى مستويات تاريخية خلال بداية عام 2026 ليزيد التساؤلات حول مستقبل الدولار، خاصة مع زيادة مشتريات البنوك المركزية للذهب وارتفاع المخاوف الجيوسياسية عالمياً. لكن التمييز هنا ضروري ؛ فالذهب رغم كونه ملاذاً آمناً وقت الأزمات ، لا يعمل كعملة يومية لإدارة التجارة أو تسوية الديون أو تشغيل الاقتصاد العالمي. الذهب أداة تحوط تحفظ القيمة عند الخوف ، لكنه ليس بديلاً نقدياً قادرًا على إدارة حركة التجارة والتمويل بين الدول. لذلك فإن صعود الذهب لا يعني بالضرورة سقوط الدولار، بل يعكس ارتفاع القلق العالمي، بينما يبقى الدولار في قلب النظام المالي الذي تدور حوله حركة التجارة والتمويل الدولية.
كذلك يتكرر الحديث عن اقتراب نهاية هيمنة الدولار مع صعود الصين ومحاولات استخدام اليوان في التجارة الدولية ، إضافة إلى ظهور العملات الرقمية السيادية التي تطورها البنوك المركزية حول العالم. ورغم أن هذه التطورات حقيقية ، فإن توقيتها لا يزال مبكرًا لإحداث انقلاب جذري في النظام القائم.
اليوان لا يزال خاضعاً لقيود حكومية ولا يتحرك بحرية كاملة، والصين نفسها لا تبدو مستعدة حالياً لتحمل أعباء عملة مهيمنة عالمياً بما يتطلبه ذلك من فتح الأسواق وتحمل تدفقات رؤوس الأموال الخارجة والداخلة دون قيود ، بينما العملات الرقمية الحكومية ما زالت تأثيراتها محلية في معظمها ولم تتحول بعد إلى أدوات دولية تنافس الدولار. بمعنى آخر ، الدولار قد يتآكل تدريجياً ، لكن هذه العملية بطيئة للغاية وتحتاج سنوات طويلة قبل أن تغير شكل النظام المالي جذرياً.
هناك أيضاً عنصر قوة أساسي كثيراً ما يتم تجاهله ، وهو سوق السندات الأمريكية ، الذي يمثل أعمق وأكبر سوق سيولة في العالم. في لحظات الخطر الكبرى ، سواء كانت حروباً أو أزمات مالية أو انهيارات في الأسواق ، يتجه المستثمرون حول العالم تلقائياً إلى شراء سندات الخزانة الأمريكية والدولار باعتبارهما الملاذ الأكثر أمانًا وسيولة. ورغم كل الخلافات السياسية داخل الولايات المتحدة ، فإن هذه السوق لا تزال الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات العالمية، وهو ما يمنح الدولار شبكة أمان يصعب على أي عملة أخرى توفيرها في الوقت الحالي.
عند محاولة رسم صورة لما قد يحدث خلال عامي 2026 و2027، تبدو السيناريوهات الأكثر واقعية بعيدة عن فكرة السقوط المفاجئ. السيناريو الأقرب يتمثل في دولار أضعف قليلًا مقارنة بذروة قوته السابقة ، لكنه يظل العملة المهيمنة عالمياً مع تذبذبات طبيعية في قيمته. السيناريو الثاني قد يشهد عودة قوة الدولار مؤقتاً إذا انفجرت أزمة عالمية كبرى أو اندلع صراع واسع أو حدث اضطراب مالي كبير، حيث يعود المستثمرون إلى الدولار بوصفه الملاذ الأكثر أمانًا.
أما السيناريو الثالث ، وهو الأبعد زمنياً ، فيتمثل في تراجع تدريجي لاحتكار الدولار مع ظهور نظام مالي متعدد العملات ، لكن ذلك سيكون عملية بطيئة تمتد لسنوات طويلة وليس انهيارًا مفاجئاً.
في النهاية يمكن القول إن الدولار في بداية عام 2026 لا يعيش مرحلة انهيار ، ولا يقف عند ذروة قوته السابقة ، بل يمر بمرحلة انتقالية يعاد فيها توزيع موازين القوة داخل الاقتصاد العالمي. قوته المستقبلية لا تعتمد فقط على أداء الولايات المتحدة ، بل أيضاً على ضعف البدائل وصعوبة تفكيك نظام مالي قائم منذ عقود ، حيث تبقى تكلفة كسر النظام الحالي مرتفعة على الجميع، وهو ما يمنح الدولار وقتاً أطول للبقاء في موقعه، حتى لو تغير شكل هذه الهيمنة تدريجياً.



