ابداعات

سواف

شريف جلال القصاص

خريف 2010…
داخل مقر الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة والجريمة المنظمة، بمدينة نصر، كان الممر مزدحمًا حين ظهر الرجل المقنّع، توقّف أحد رجال الاستقبال، ثم صاح:
– كيف سمحتم لهذا الرجل بالدخول؟
ارتفعت الأسلحة في لحظة، وتراجع المواطنون مذعورين.
– من أنت؟
رفع الرجل يديه ببطء، كان يرتدي قفازين، وفي يده بطاقة هوية، قال بهدوء، وبشيء من السخرية:
– سواف عماد عبد الكريم.
ساد الصمت، تبادلت العيون النظرات، بدا الاسم كأنه يحمل خبرًا لا يريد أحد سماعه، وفجأة لم يعد المقنّع رجلًا غريبًا؛ بدا لهم أشبه بشبح يحمل الموت معه.
قال سواف بصوت مرتفع:
– أريد مقابلة العميد وحيد الجرحي.
خرج وحيد من مكتبه، تلاقت عيناهما، لم يقل أيٌّ منهما شيئًا، ظل سواف رافعًا يديه، ثم خفضهما ببطء وأمسك بطاقته.
– سواف؟
ابتسم الرجل خلف القناع ولم يجب، ظل الصمت بينهما لحظة.
– عرفت أنني متهم بعدد من جرائم القتل… دون دليل.
لم يجب وحيد، كان ينظر إلى القناع، وسواف ينظر إلى عينيه.
– وماذا تريد؟
نظر إليه سواف لحظة، ثم قال:
– أنت من ينبغي أن ي…بُسأل.
صمت قليلًا، ثم أكمل:
– جئت لمقابلتك…
ثم أضاف، وهو يتجاوز نظرات الرجال والأسلحة الموجهة إليه:
– وحدك.
حدث هذا قبل عدة أشهر.

كان أول الأمر إصابته بمتحور من إنفلونزا الخنازير، واحتجازه في مستشفى التأمين الصحي، وعلى غير المعتاد طبيًا، تكررت إصابته، لم تمنع تسجيل جهازه المناعي الشفرة الوراثية للمرض من عودته، أخذ طبيبه المتابع لحالته عينة دم كاملة؛ لمعرفة السبب، وأعد له علاجًا خاصًا يخفف مضاعفات المرض المتكررة.

كان سواف يعمل في شركة تأمين كبرى، محققًا في المطالبات الكبيرة والاحتيال، لم يكن يؤمن بالانطباعات الأولى. بالنسبة إليه، البشر مساحات رمادية متغيرة، لهذا لم يكن يسأل عن صاحب المطالبة، بل كان يسأل سؤالًا واحدًا: هل يجب على الشركة أن تدفع له؟

كان يكره القصص الجاهزة، الأرملة قد تكون ممثلة بارعة، الابن المفجوع قد يحتال ليحصل على وثيقة التأمين، حتى الوثيقة الصحيحة قد تخفي شيئًا لا يظهر إلا عندما توضع بجوار وثيقة أخرى.

كان سواف يسكن مع ثلاثة شباب مغتربين، سليم وفاروق من المنوفية، وأمجد من الفيوم. جمعهم الإيجار، والتوفير في الكهرباء، ثم جعلت الأيام من الغرباء شيئًا يشبه العائلة.
في إحدى الليالي، تشاجر سواف مع سليم لأن الأخير شرب نصف زجاجة عصير كان قد تركها في الثلاجة، انتهت المشادة بالضحك، واكتشف سواف أن سليم يحتفظ بحلقات قديمة من «المحقق كونان» التي يحبها أيضًا، ولا يراها ترتبط بعمر محدد، امتد الحديث، ولأول مرة منذ زمن شعر سواف براحة حقيقية بعيدًا عن ثقل عمله ومرضه القديم.

في صباح اليوم التالي أصيب سليم بحمى وسعال، تحسن بعد يومين، ثم انتكس بعد أسبوع ودخل المستشفى، حيث تدهورت حالته التنفسية سريعًا.
زاره سواف، فابتسم سليم وقال:
– جئت تحقق معي في موضوع العصير؟
– جئت أسترده.
ضحكا، ثم تحول ضحك سليم إلى سعال.
في اليوم التالي مات سليم، ذهب الثلاثة لأداء اخر واجب تجاه صديقهم في السكن.

عاد سواف مساءً إلى الشقة، فتح الثلاجة، نظر إلى مكان زجاجة العصير طويلًا، ثم أغلقها،زوفي الصباح عاد إلى عمله.

في شركة الأصدقاء لمقاولات الهدم الميكانيكي، تصارع الإفلاس، كان كشف الحساب المطبوع يستقر بين مراد ومحاميه، الأرقام في أسفل الصفحة مرعبة، أغلق المحامي الملف بهدوء، وطوى ذراعيه:
– ديونك أصبحت أكبر من قدرتك على السداد.
ظل مراد، ذو الخامسة والستين، ينظر من خلف زجاج المكتب إلى الشارع المعتم.
– نستطيع أن نبيع بعض الأسهم؟
– البيع الآن خسارة محققة، والشيكات المرتجعة ستتحول إلى بلاغات قبل نهاية الأسبوع.
بلع مراد ريقه في توتر:
– والحل؟
فتح المحامي الملف مرة أخرى.
– لديك أصل واحد غير مرهون حتى الآن، وثيقة التأمين على الحياة.

لم تكن الوثيقة بالنسبة إلى مراد مالًا، بل شيئًا تركه لعائلته ليوم لن يكون فيه موجودًا، لم يخطر له يومًا أن يستخدمه هو، أخرج المحامي بطاقة بيضاء من درج مكتبه ودفعها إليه.
– هناك جهات تشتري الحقوق الاقتصادية في هذه الوثائق، تحصل على سيولة فورية، وتتولى هي بقية الالتزامات المتعلقة بها.
– وهل هذا قانوني؟
ابتسم المحامي ابتسامة قصيرة.
– هذه إعادة هيكلة للالتزامات، أستطيع ترتيب مقابلة معهم.

تردد مراد، لم يكن لديه كثير من الخيارات، كان يأمل أن يتجاوز الأزمة ويضع ما يتبقى من المال لزوجته وأولاده.

في الطابق التاسع من مقر أمان كابيتال، استقبل رمزي، مسؤول الاستثمار، مراد ومحاميه، استمع أكثر مما تكلم.
طلب الوثيقة، راجع قيمة التغطية ومدة سريانها والأقساط والمستفيدين، ثم أعاد النظر في بعض الصفحات.
-قيمة الوثيقة عشرة ملايين.
أومأ مراد.
– ونحن نستطيع أن نقدم أربعة ملايين.
قال المحامي:
– ومتى يمكن إتمام الإجراءات؟
رفع رمزي عينيه عن الوثيقة.
– خلال يومين إذا لم يظهر ما يمنع.
أعاد الملف إلى مكانه.

غادر مراد وهو لا يزال يفكر في الرقم، أما رمزي، فانتظر حتى أغلق الباب خلفهما، ثم أخرج من درج جانبي ورقة تحمل رقمًا، كان عليها اسم العميل، رفع الهاتف وأجرى اتصالًا.

في المركز الرئيسي لشركة التأمين الحديثة بمدينة نصر، كانت نوال، مديرة إدارة المراجعة الداخلية والالتزام، تراجع ملفات العمليات والمعاملات، كانت تعرف من الملفات أكثر مما يعرفه أصحابها؛ لأنها تعرف طريقها داخل الشركة: من البداية إلى النهاية.

بدأت تلاحظ شيئًا صغيرًا، بعض المطالبات الكبيرة كانت تتحرك بسرعة غريبة، لم تكن هناك مخالفة واضحة؛ الأوراق مكتملة، والتوقيعات صحيحة، والإجراءات، على الورق، سليمة، لكن شيئًا في ترتيبها لم يكن مريحًا، العديد من الوثائق قد خضعت لتغييرات، مستفيد جديد، زيادة في قيمة التأمين، وثيقة إضافية، نقل ملكية.

استدعت نوال مسؤولة مراجعة وتسوية المطالبات الكبيرة، نور أمجد، بعد توقيعها في سجل الحضور، وصعدتا معًا إلى مكتبها في الطابق السادس.

داخل أمان كابيتال، أجرى رمزي الاتصال:
– اسم العميل: مراد…
رقم الوثيقة؟
— …….
– قيمة التغطية؟
– عشرة ملايين.
– تاريخ الإصدار؟
— …
— الجانب الصحي؟
— …
— المستفيدين؟
جاءه الرد كاملًا، قرأ البيانات مرة واحدة، ثم قال:
— تمام.
أغلق الهاتف.

كان هذا الاتصال التاسع خلال الشهر، وانتهت الصفقات دون أن يثير الأمر اهتمام أحد، أما العمولة، فلم تكن تُدفع بصورة مباشرة، كانت تمر عبر بنود تسوية ومصاريف استشارية وخصومات تخص المستفيدين، كل شركة تحصل على نصيبها.

بعد يومين عاد مراد إلى أمان كابيتال ووقع العقد، أربعة ملايين جنيه، وصل التحويل إلى حسابه قبل أن يغادر المبنى، جلس في السيارة للحظات وأغمض عينيه.
في اليوم التالي وصل إلى محاميه تحويل مالي كبير تحت بند أتعاب استشارية.

في شركة التأمين، كانت نور، بينما تقف في المصعد، تراقب السيدة نوال، لاحظت منذ اللحظة الأولى أن مديرتها حضرت مبكرًا على غير عادتها.

قالت نوال وهي تضع الطعام على المكتب:
– أحضرت الإفطار. نتناوله قبل أن يبدأ الزحام.
جلست نور.
– خير يا أستاذة نوال؟
ابتسمت نوال.
– لا شيء، أردت أن نتحدث بعيدًا عن ضغط الشغل.
ترددت قليلًا، ثم سألتها:
– وكيف حالك مع سواف؟ متى يتم الزواج؟
ابتسمت نور.
-لم نحدد بعد.
– هل تحبينه؟
ترددت نور.
– لا أدري… لست متأكدة.
ثم أضافت:
– نحن مختلفان في كل شيء تقريبًا، ولا أعرف إن كان هو متأكدًا من مشاعره أصلًا.

فتحت نوال أحد الملفات أمام نور.
– لهذا طلبتك.
دفعت الملف إليها.
– انظري إلى هذه.
رفعت نور عينيها. لم يكن اسم أمان كابيتال هو الشيء الوحيد الذي أثار انتباهها، وقبل أن تسأل، رن هاتف نوال.
نظرت إلى الشاشة، ثم أغلقت الاتصال.

– نكمل فيما بعد.

لم يكن عمل سواف مكتبيًا بالكامل، في المطالبات الكبيرة بدأ يزور أصحاب الوثائق، أو عائلاتهم، أو الأطباء، كان ذلك يحدث عندما يجد شيئًا لا يستطيع التقرير أن يشرحه.
عندما وصل إليه ملف مراد، لم يكتفِ بالأوراق.
كان الملف يحتوي على تفاصيل جعلته يتوقف.
لم يكن هناك دليل على احتيال، مجرد شيء يستحق السؤال.
سأله مديره:
– لماذا ستذهب بنفسك؟
قال سواف:
– لأن الملف يحتاج إلى إجابة من صاحبه.
استقبله مراد في مكتبه في الهرم، وتحدث معه عن الوثيقة، وعن سبب بيعها، وعن علاقته بالمستفيدين. أراد سواف أن يخفف توتر الرجل، فلاحظ لوحة مقلوبة على جانب المكتب.
– لماذا؟
نظر مراد إليها لحظة.
– أنها لزوجتي وأولادي.
ثم ابتسم بمرارة:
– أخشى أن أنظر إليهم… أشعر إني خذلتهم.
أعاد سواف نظره إليه، قبل أن يغادر، سأله رغم أن الإجابة بدت واضحة:
– أنت متأكد إنك وقعت التنازل بإرادتك؟
ضحك مراد بحزن وهو ينظر إلى ظهر الصورة المعلقة.
– نعم.
أغلق سواف دفتر ملاحظاته، وخرج، كانت تلك الزيارة استثنائية، مثل زيارات أخرى قام بها في الأسابيع التالية.
بعد أسبوع، وصلت إلى العميد وحيد شكوى من أرملة مراد، كانت تتهم شركة التأمين بالتعنت في صرف قيمة الوثيقة، عشرة ملايين جنيه، وتقول إن الشركة أظهرت عقدًا يثبت تنازل زوجها عنها قبل وفاته.

فتح وحيد الملف، في البداية بدا الأمر نزاعًا مدنيًا، لكن شيئًا في التوقيت لم يعجبه، طلب عمل تحريات، ظهر اسم أمان كابيتال، لم يتوقف عنده، بحث عن حالات أخرى في العام المالي نفسه، كلها تشترك في شيء واحد تقريبًا:
وثائق تأمين كبيرة، تغييرات أو تنازلات قبل الوفاة، وأمان كابيتال تظهر في الخلفية، رفع وحيد رأسه عن الملفات.
طلب تحريات عن بعض الأسماء من أصحاب المناصب العليا في الشركتين، ووضع دائرة حول:
نوال…
نور…
سواف.
ثم سواف، توقف عند اسم سواف طويلًا، وطلب استدعاءه.
في نفس اليوم وصلت رسالة إلى سواف عبر الهاتف من طبيبه المعالج:
«أريد أن أراك قريبًا. الأمر لا يحتمل تأخيرًا

في صباح اليوم التالي، وصل سواف إلى الشركة قبل التاسعة بقليل، لم ينم جيدًا، رسالة الدكتور شكري ظلت عالقة في رأسه :
«أريد أن أراك قريبًا، الأمر لا يحتمل تأخيرًا.»
وقبل أن يغادر المنزل، وصلته رسالة أخرى:
«استخدم كمامة مزدوجة.» لم ينتبه إليها إلا بعد أن دخل الشركة، صعد إلى الطابق الرابع، وجد الأستاذ رأفت- مدير إدارته- واقفًا أمام مكتبه، وإلى جواره نوال ونور ورجل ببدلة داكنة بلا رابطة عنق، لم يكن في هيئته أو ملابسه ما يميزه، لكن نظرات الآخرين إليه كانت كافية.

قال رأفت:
– لم يبقَ غير سواف، هو عادةً لا يتأخر.
اقترب سواف.
– صباح الخير.
أشار رأفت إلى الرجل.
– سيادة العميد وحيد، من مباحث الأموال العامة.
أضاف وحيد بهدوء:
– والجريمة المنظمة.
جلس الجميع حول الطاولة، فتح وحيد هاتفه، تصفح شيء ما:
– مدام عفاف ـأرملة مرادـ تقدمت ببلاغ بسبب عدم صرف وثيقة مراد، ثم سحبته.
رفع عينيه إلى رأفت، وهو يضيف:
– بعد أن استقبل حسابها البنكي مليوني جنيه.
قال رأفت:
– نحن لم ندفع لها شيئًا، ربما أمان كابيتال.
– وكيف عرفت؟
تردد رأفت لحظة.
– لأنها المستفيد الجديد من وثيقة التأمين.
– لكنها ليست المستفيد الوحيد.

انتقلت عيناه إلى سواف.
– أنت راجعت الملف؟
– نعم.
– هل وجدت في إجراءات التعديل ما يلفت النظر؟
– لا، الطلب كان مستوفيًا للإجراءات.
– ومن طلب التعديل؟
– مراد.
– وتحدثت معه؟
– مرة واحدة.
لم يضغط وحيد أكثر، ربما ادخر أسئلة أكثر أهمية لوقت آخر.

سأل عن مسار الملف، ومن يستطيع الاطلاع على البيانات الطبية، ومن يملك صلاحية تعديل الوثائق قبل اعتمادها، وقبل أن يغادر، قال لرأفت:
– أريد حصر الملفات التي شهدت تغييرات مماثلة خلال الفترة نفسها.
أجاب رأفت:
– نوال ونور تستطيعان تجهيزها.
هز وحيد رأسه، ثم نهض.
وعندما بلغ الباب، توقف أمام سواف وأخرج بطاقة.
– إذا تذكرت شيئًا عن مراد، اتصل بي.
أخذ سواف البطاقة.
وقبل أن يضعها في جيبه، اقترب وحيد منه أكثر وقال بصوت خافت:
– لا تنسَ موعد الدكتور شكري.
ثم خرج، ظل سواف ينظر إلى الباب لحظة أطول مما ينبغي، حتى بعد أن اختفى.

 

في مقهى قريب من أمان كابيتال، كان كريم يجلس في مواجهة رمزي، لم يكن الخلاف بينهما يحتاج إلى مقدمة.
قال رمزي:
– لماذا تأخرت في التواصل مع مدام عفاف؟
-لم يكن الأمر بهذه السهولة، مراد ترك ديونًا وملفات لم تُحسم، وكان لابد أن أنهي تسوية مديونياته أولًا.
– وماذا فعلت عفاف في هذه الأثناء؟
لم يجب كريم.
قال رمزي:
– قَدّمت شكوى.
ثم مال نحوه.
-كان الاتفاق واضحًا، أنت محامي مراد، وأنت من يتولى الأمر معها، ونحن نتولى الدفع لها.
-وقد فعلت.
-بعد فوات الأوان.
تنفس كريم ببطء.
-سوف تنتهي المسألة كغيرها قريبًا.
ابتسم رمزي بلا اقتناع.
ـرجال الأموال العامة كانوا في الشركة صباح اليوم.
رفع كريم عينيه.
– من أجل مراد؟
– لا، بل من أجل كل الملفات القديمة.
ظل كريم صامتًا.
خفض رمزي صوته:
-أنت لم تتأخر في الوصول إلى عفاف فقط.
ثم نظر إليه مباشرة.
-أنت فتحت علينا بابًا لا نعرف كيف سنغلقه.

 

بعد الحادية عشرة، وصل سواف إلى مستشفى التأمين،
اشترى كمامتين من الصيدلية قبل أن يدخل، كان شكري ينتظره، فتح الملف دون مقدمات.
– الفيروس ما زال موجودًا.
تغير وجه سواف.
– ظننت أنه انتهى.
– الأعراض انتهت، أما الفيروس كان له رأي آخر.
قلب شكري بعض الأوراق، ثم توقف عند نتيجة.
– وهناك مؤشرات لم أفهمها بعد.
– هل أنا معدٍ؟
تردد الطبيب.
– لا أعرف.
أشار سواف إلى الكمامتين على وجهه.
-إذن لماذا طلبت مني استخدام اثنتين؟
– لأنني لا أريد أن نجازف بشيء لا نفهمه.
ظل سواف صامتًا.
– تجنب الاختلاط غير الضروري، وتعال في مواعيدك.
رفع سواف عينيه.
– ومتى أكون خطرًا؟
– لا أعرف.

في الطريق إلى الخارج، حاول سواف أن يطرد وجه سليم من رأسه، وأن يتجاهل كلمات شكري، أزال إحدى الكمامتين عن وجهه، وقبل أن يصل إلى البيت كان قد أقنع نفسه بأن ما سمعه لا يعني شيئًا، لكن شيئًا في داخله ظلّ مستيقظًا، كأن الطمأنينة التي اختلقها لم تكن تكفي لإغلاق الباب.

 

في المساء اتصلت نور.
-أين أنت؟
-في البيت.
سكتت قليلًا.
-هل أنت بخير؟
-نعم.
وماذا قصد وحيد بميعاد الطبيب؟
-أراد أن يبدو ذكيًا.
-هل أنت مريض؟
-ومن منا لا يعاني الأمراض؟
سألها عما حدث في الشركة بعد استئذانه، فأخبرته أنها جمعت الملفات المطلوبة مع نوال وسلمتها إلى رأفت.
– ووجدتما شيئًا؟
– أشياء كثيرة… بعض الوثائق عُدلت قبل وفاة أصحابها، وظهرت معلومات طبية في ملفات قبل أن تصل إلى الشركة رسميًا.
صمت سواف.
– وأمان كابيتال؟
– اسمها ظهر أكثر من مرة.
ظل صامتًا لحظات، حاولت نور أن تستبقي الحديث، فسألته عن والدته، فلم تجد منه إلا إجابات مقتضبة، ودعته وأنهت المكالمة.

خلال الأيام التالية، عاد سواف إلى عمله كالمعتاد، لكن شيئًا تغير في طريقته دون أن يلاحظه أحد، احتفظ بالكمامة في جيبه، وارتداها في الأماكن المزدحمة، وتجنب الجلوس مع زملائه، كان يتواصل معهم باستخدام الهاتف.

 

أما نوال، فراحت تراجع سجلات دخول الموظفين إلى الملفات، وتقارنها بمواعيد وجودهم في الشركة، وبعد ثلاثة أيام، توقفت أمام مكتب سواف، تحمل دفتر ملاحظاتها.

هل حسابك الإلكتروني الخاص مؤمَّن بصورة جيدة؟
أظن ذلك.
وهل يستخدمه أحد غيرك؟
بالطبع لا.
دوّنت شيئًا في دفترها، ثم أغلقته وغادرت.
تاركه سواف يتابعها في دهشة حتى اختفت.

في صباح اليوم التالي، لم تأتِ نوال إلى الشركة، حين تأخرت إلى الظهر، اتصلت بها نور، هاتفها كان مغلقًا، وفي نهاية اليوم، أبلغ رأفت الشرطة، في الصباح، تحرى وحيد بنفسه، كانت شقتها مغلقة، ولم تظهر آثار اقتحام أو دخول عنوة، كما لم يثبت أن أحدًا زارها في الساعات الأخيرة، بدت بعض الأشياء في مكانها على نحو يوحي بأنها غادرت على عجل، لكن من دون ما يكفي لمعرفة إن كانت غادرت بإرادتها أم أُجبرت على ذلك، لم تُسجَّل باسمها حالة دخول إلى مستشفى، وكان هاتفها خارج التغطية، طلب من القسم الفني التحقق من آخر اتصالاتها وتواصلاتها، ثم استدعى نور وسواف ورأفت إلى مكتبه.
وصلت نور وسواف أولًا.

– متى رأيتها آخر مرة؟
– أمس، قبل أن أغادر.
– وهل قالت شيئًا؟
ترددت نور قليلًا.
– كانت تراجع بعض الملفات القديمة.
– لماذا؟
– قالت إن هناك بيانات تغيّرت فيها، وبعض الشهادات الصحية لا تتطابق مع البيانات الموجودة في الملفات.
سكت وحيد لحظة.
– هل بدت قلقة؟
– لا أعرف، كانت منشغلة أكثر من المعتاد.

دخل رأفت بعد ذلك، فأشار إليه وحيد بالجلوس.
– متى تحدثت إلى نوال آخر مرة؟
– أمس.
– وفي ماذا؟
– كانت تسألني عن ملفين قديمين، ثم عادت إلى عملها.
– هل قالت لماذا؟
– شيء يتعلق بمراجعة بيانات قديمة، أظن.
– هل لاحظت عليها شيئًا غير معتاد؟
فكر رأفت لحظة.
– كانت تدقق في التفاصيل أكثر من المعتاد، لكن هذا يحدث معها كثيرًا.

التفت وحيد إلى سواف.
– فتحت الملف؟
– نعم.
– هل عدّلت شيئًا فيه؟
– لا.
– هل أعطيت بياناته لأحد؟
– لا.
– وهل استخدم أحد حسابك؟
– لا.
سكت وحيد لحظة.
– ومراد؟
رفع سواف عينيه إليه.
– مراد؟
– لماذا ذهبت إليه؟
تردد سواف قليلًا.
– لاحظت أن أكثر من عميل غيّر المستفيد من وثيقته، ثم صُرفت قيمة الوثيقة بعد ذلك، كان مراد حيًّا، فذهبت إليه لأتأكد قبل أن يحدث معه ما حدث مع الآخرين.
– وماذا فعلت حين طالب المستحقين الجدد الوثيقة
— لا شيء، وقّعت على أحقية الصرف.

رن هاتفه وحيد.
استمع إلى المتصل.
– أرسلوا كل ما وجدتموه.
ظل صامتًا، ثم قال:
– والأسماء؟
دوّنها، وسأل:
– من الشركتين؟
استمع إلى الإجابة، ثم أنهى المكالمة، عاد إلى الأوراق.

كانت نوال قد جمعت ما لاحظته في الملفات: أسماء، تواريخ، عمليات تحويل، وتغييرات في وثائق التأمين، وفي آخر الأوراق نسخة من رسالة أرسلتها إلى شخص محفوظ عندها باسم «ظل».
رفع وحيد عينيه.
– «ظل» ؟
لم يصله جواب واضح.
– الرقم؟
اتصل وحيد بالرقم الذي حصل عليه، رن هاتف نور، ساد الصمت، نظر إليها ومد يده.
– هاتفك.
ناولته إياه.
– لماذا أخفيتِ عني اتصال نوال بك؟
لم تجب، ونظرت إلى سواف.

نظر إليها لحظة، ثم عاد إلى الأوراق، بدأ يقرأ الأسماء التي طُلب اتخاذ الإجراءات ضد أصحابها، واستخراج قرار بحبسهم احتياطيًا، كان اسم سواف الثامن، واصل القراءة.
حتى النهاية، لم يذكر اسم نور، التي أطلقت زفيرًا خافتًا،
ثم نظرت إلى سواف، الذي بدأ واجمًا، ينتظر مصيره الغامض.

كان الحجز أضيق من أن يتسع لهموم سواف، في اليوم الأول، لم يفكر في الدكتور شكري، ولا في المرض الذي لم يجد له اسمًا، بل في السؤال الوحيد الذي لم يجد له جوابًا:
من أوقع به؟ وكيف؟
ومع الوقت، اكتشف أن الناس لا يحتملون الحبس بالطريقة ذاتها، بعضهم ينكمش داخل همومه، وبعضهم يمد خيطًا رفيعًا من الكلام والضحك إلى من حوله، كأنه يحاول أن يجعل الحياة تستمر، ولو في أضيق مساحة، وجد سواف نفسه أقرب إلى الصنف الثاني، عرف أسماءهم وقصصهم، وإن أبقى بينه وبينهم مسافة.

كان نضال الشافعي أكثرهم ألفة إليه، كان قادرًا على تحويل أي حديث إلى حكاية عن زوجته والبيت الذي لم يكتمل، جلس إلى جواره ذات مساء وقال، كعادته وهو يتحدث عن الطفل الذي ينتظره:
ـ أنتظر مولودًا منذ أحد عشر عامًا.
ـ إن شاء الله ترزق به قريبًا.
ابتسم نضال.
ـ لو حدث، سأختار له اسمك.
رفع سواف عينيه إليه.
ـ سواف؟ لكنك لا تعرف معناه.
ـ وهل تعرف أنت؟
ضحك سواف، ولم يجب.

كان نضال قد تعلم حيلًا صغيرة لتمضية الأيام، يختبر ذاكرة رفاقه في أسماء الأفلام والأغاني القديمة، وفي اليوم الثالث من الحبس، أقنع أحد الحراس بمشاركته اللعب، ثم انتزع منه وعدًا بأن يسمح له بالاتصال بزوجته في أول فرصة، وفي المساء، قال لسواف:
ـ هل تظن أن الناس يتغيرون حين يُحبسون؟
ـ لا أعرف.
ظل نضال صامتًا لحظة.
ـ كنت أظن أنني سأخرج شخصًا مختلفًا، الآن أريد فقط أن أخرج كما دخلت.
ثم نظر إلى سواف.
ـ لا تجعل هذه الأيام تغيّرك كثيرًا.

في الخارج، كانت نور تتنقل بين أوراق نوال، تقارن الملفات بدلًا من الاكتفاء بقراءتها، عادت إلى ملف مازن راضي، ثم إلى سجل الحركة المرفق به، كان هناك دخول إلى الملف قبل التعديل بفترة، من حساب لا يتضح منه وحده من كان يستخدمه، فتحت دفتر نوال، كانت العبارة ما تزال أمامها:
“الفحص قبل التعديل” وتحتها ثلاثة تواريخ لا تتطابق مع النسخ النهائية للملفات، وبجوار أحدها اسم حازم الشاذلي، تحته خطين.

أعادت نور النظر إلى السجل، ثم اتصلت بشخص كانت نوال تستشيره أحيانًا في مثل هذه الأمور.
ـ أريد أن أسألك عن ملف.
ـ أي ملف؟
أعطته رقم مازن راضي.
ـ أريد أن أعرف من دخل إليه قبل التعديل.
ـ لماذا؟
ـ لأن نوال كانت تتابعه.
صمت قليلًا.
ـ أمهليني نصف ساعة.
ثم اغلق الخط.

في الحجز، تلقى نضال زيارة من زوجته، عاد إلى العنبر محاولًا أن يبدو هادئًا، لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامته. جلس إلى جوار سواف وأخرج كيسًا صغيرًا.
ـ جلبت زوجتي شيئًا.
كانت فيه قطع من الشوكولاتة ناول سواف قطعتين، أكل سواف إحدى القطعتين، ثم وضع الاخرى في جيبه.

ـ المحامي يقول إن وضعي تحسن، ربما أخرج قريبًا.
ـ أتمنى ذلك.
اقترب من سواف وهمس له
– يبدوا أن دعائك قد استجاب.
– تقصد…. ؟
هز الرجل رأسه وهو يكاد يبكي من الفرح.
ثم نظر إلى سواف.
ـ كما وعدتك.
ـ سواف؟
ـ سواف.
ضحكا.

واسترسل نضال في الحديث عن ابنه المنتظر، وعن شكل السرير الصغير الذي سوف يشتره، كان يتحدث بسرعة من ينتظر الإفراج بعد ساعات قليلة، ثم شعر سواف باحتقان في أنفه، مسحه بظاهر يده.

في الصباح، كان نضال يسعل، ظنها في البداية نزلة برد، شرب الماء وحاول مواصلة الحديث مع رفاقه، لكن أنفاسه أخذت تقصر، استُدعي الطبيب، ثم نُقل إلى المستشفى.
ظل سواف واقفًا قرب الباب بعد خروجه، نظر إلى قطعة الشوكولاتة الثانية التي بقيت في جيبه، أخرجها و ظل ينظر إليها لحظة، ثم أعادها، لم يكن يريد أن يفكر في الأمر.

في اليوم التالي، جلس سواف إلى جوار رجل لم يكن أحد يرغب في مجالسته، كان حازم الاسكندراني، قتل رجلًا في منزله، وأصاب زوجة القتيل وطفليه إصابات خطيرة، لم يكن يتحدث كثيرًا عن الجريمة، ولم يبدُ عليه ندم واضح حين يأتي ذكرها، أخرج سواف قطعة الشوكولاتة من جيبه،
نظر إليها وقرر تناولها مع سبق الإصرار، تردد قليلًا، لاحظها حازم، وانتزعها منه فجأة وأكلها.

شعر سواف بغضب وراحة ضمير معًا، لم يكترث حازم له لكنه سأله:
– جنايات؟ ولا جنحة؟
سكت سواف لحظة.
– على ذمة التحقيق في قضية مالية.
بادره سواف بسؤال:
ـ من أي مكان في الإسكندرية؟
-الوكالة
رفع سواف رأسه.
ـ تقصد الحضرة البحرية؟
ـ نعم.
ـ عشت هناك سنوات.
تغير وجه الرجل قليلًا، بدأ سواف يسأله عن الشوارع القديمة، ثم عن مدرسة قريبة ومقهى كان يجلس فيه بعض أصدقائه، لم يكن بينهما صديق مشترك مؤكد، لكن تفاصيل المكان أعادت إليه ذكريات لم يستحضرها منذ سنوات، ضحك، ثم ضحك حازم، شعر سواف بحرارة، كانت خفيفة هذه المرة، توقف لحظة، كان يستطيع أن ينهي الحديث و يبتعد، لكنه ظل مكانه، وبعد قليل سعل سواف، وشعر باحتقان في أنفه، ثم عاد إلى مكانه وامتنع عن الحديث مع أحد.

في صباح اليوم التالي، بدأ حازم يعاني ضيقًا شديدًا في التنفس، استُدعي الطبيب، ثم نُقل إلى المستشفى، ساءت حالته سريعًا، ووُضع على جهاز تنفس صناعي، جلس سواف وحده، لم ينظر إلى أحد، كان وجه نضال أول ما تذكره، ثم سليم، رفع عينيه ببطء، كان الشيء الوحيد الذي تكرر في كل مرة أنه شعر بشيء، وللمرة الأولى، خاف سواف من شعور كان ينتظره الناس عادةً.
السعادة!

لم تتوقف الإصابات عند حازم، خلال الأيام التالية، أُصيب محتجزون آخرون، ثم ثلاثة من الحراس، لم تظهر الأعراض في وقت واحد، ولم تكن الحالات متطابقة، لكن عددها كان كافيًا لإثارة القلق، رجح الطبيب انتقال عدوى تنفسية داخل مكان مغلق، وطلب عزل المخالطين، لم يجد ما يسمح له بإرجاع الإصابات إلى شخص بعينه، أما الضباط، فلم يكن لديهم سبب مهني لتبني حديث المحتجزين عن سواف، ومع ذلك، وصلهم ما يتناقله بعضهم: أن الذين جلسوا معه تدهورت حالاتهم بعد ذلك.

اتصل الضابط النبطشي بوحيد.
ـ لا يوجد دليل على شيء غير العدوى، لكننا عزلنا سواف مؤقتًا، احتياطًا.
ـ هل خضع للفحص؟
ـ نعم، والنتائج لم تحسم سبب الحالات.
ـ لا تجعلوا كلام المحتجزين جزءًا من التقرير.
ـ مفهوم.
أنهى وحيد المكالمة، لكنه لم يغلق الملف، كان التزامن يستحق المتابعة، لا الاتهام.

 

في اليوم التالي، عاودت نور الاتصال بالرجل الذي كلمته.
لم يجب، انتظرت قليلًا، ثم اتصلت مرة أخرى، أجاب أخيرًا:
ـ نعم؟
ـ كلمتك أمس كما اتفقنا، هل عرفت شيئًا عن الملف؟
صمت لحظة.
ـ راجعت الأمر، ولم أجد شيئًا.
سكتت نور، ثم قالت:
ـ كلامك مختلف، هل حدث شيء؟
طال صمته هذه المرة.
ثم قال:
ـ نور، اتركي الموضوع.
وأغلق الهاتف قبل أن تجيبه.

بقيت نور ممسكة بالهاتف، عادت إلى دفتر نوال، ثم إلى الملفات، كانت بعض المعلومات الصحية الواردة فيها أدق مما تحتاجه إجراءات المراجعة، وفي أكثر من حالة سبق تعديل الوثيقة تغيير المستفيد، وضعت الملفات إلى جوار بعضها، ثم قالت لنفسها:

– لم تكن نوال تلاحق التعديل نفسه، بل المعلومة التي تسبقه.

في الوقت نفسه، كان وحيد قد حصل على رسالة تركتها نوال لنور قبل اختفائها، عبر الأستاذ رأفت مدير الإدارة.
قرأها أكثر من مرة، لم تحمل إجابة، بل سؤالًا واحدًا عن استخدام شخص لحساب سواف الشخصي في إرسال معلومات عن العملاء إلى جهات أخرى، استدعى النقيب أمجد، ووضع أمامه عددًا من الملفات.
قال أمجد:
ـ يمكن أن تكون صدفة.
قلب وحيد صفحة.
ـ ثلاث مرات، وبالترتيب نفسه تقريبًا.
ـ لكن أصحاب الوثائق كانوا مرضى فعلًا.
ـ وهذا يفسر معرفة حالتهم، أو هكذا يبدو.
توقف عند ملف آخر.
ـ لكن مازن راضي لم يكن كذلك.
كان الرجل في الثانية والخمسين، لا تشير حالته إلى وفاة قريبة، ومع ذلك ارتفعت قيمة وثيقته قبل موته بأربعة أشهر، ثم تغير المستفيد.
ثبت وحيد عينيه على التاريخ.
ـ من عرف بحالته قبل التعديل؟
لم يجب أمجد.
قال وحيد:
ـ هذا هو السؤال.
قلب أمجد بقية الصفحات.
ـ الشركات مختلفة، والوثائق مختلفة، وحتى الوسطاء ليسوا أنفسهم.
ـ والتحويلات؟
ـ بعضها إلى وسطاء، وبعضها إلى شركات، لا يوجد حساب واحد يجمعهم.
ـ والاتصالات؟
فتح أمجد سجلًا آخر.
ـ مكالمات ورسائل في أوقات متقاربة من تعديلات الوثائق وصرف بعض المطالبات، عدد من الأرقام ببيانات غير صحيحة، وبعضها لا نعرف صاحبه أصلًا.
ظل وحيد يتابع السجل.
ـ وأمان كابيتال؟
ـ ظهرت في أكثر من حالة.
ـ هل هناك شخص يتكرر؟
ـ في سجلات المراجعة، نعم.
رفع وحيد عينيه.
ـ من؟
ـ حازم الشاذلي.
دوّن وحيد الاسم.
ـ هل هناك اتصال مباشر بينه وبين بقية الأسماء؟
ـ لا شيء يجمعهم كلهم.
ـ إذن لا نستعجل.
أغلق أمجد الملف.
ـ نستدعيه؟
ـ ليس الآن.

في تلك الليلة، جلس سواف في طرف العنبر، كان اسم كمال شوقي قد عاد إلى ذاكرته، ذكره أحد المحبوسين في نفس القضية قبل أيام، حاول أن يتذكر أين سمعه، لم يصل إلى شيء.

وصل قرار الإفراج عن سواف بعد مراجعة طلب الكفالة، لم يثبت التحقيق أنه استخدم حسابه بنفسه، ولم تكن هناك أدلة مباشرة تكفي لاستمرار حبسه على أساس الاشتباه وحده، أما إصابات الحجز، فلم تُربط به طبيًا.

كان وحيد يعرف أن الإفراج لا يعني البراءة، لكنه في الوقت نفسه حل له مشكلة لم يجد لها تفسيرًا، بينما كان سواف يفكر في تتبع من عكر عليه صفو حياته

غادر سواف، في طريقه إلى البيت، اتصل بنور.
لم تجب، ثم كرر المحاولة بعد أن وصل لكنه اغلق سريعًا وكأنه خشى عليه من سماع أنفاسه، أخذ حمام ساخن واستغل خلو السكن من شريكيه، تحرر من اغلب ملابسه وفتح دفترًا صغيرًا، كتب ورثة مازن راضي، ثم حازم الشاذلي، ثم كمال شوقي، ثم تواريخ الملفات التي استطاع تذكرها، لم يكن يملك خطة، لكنه كان يعرف من أين يبدأ.
من حسابه الشخصي، رن هاتفه، رقم غير مسجل، تردد قبل أن يجيب.
ـ أستاذ سواف؟
ـ من معي؟
ـ شخص يعرف أنك تبحث عن سبب ما حدث.
استقام في جلسته.
ـ من أنت؟
– رجل يريد أن يعرض عليك صفقه رابحه.
– احتفظ بالمال لنفسك.
سمع ضحكة سخرية ثم قال :
– ما اعرضه أكثر قيمة.
ثم أكمل
– ما رأيك في الإبقاء على حياتك وحياة من تحب.
يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى