أخبار

ترامب يشتري المعركة الانتخابية .. هل أصبح صوت الناخب له ثمن؟

 

✍️ الكاتب الصحفي : يوحنا عزمي

في مؤتمر الحزب الجمهوري الذي عُقد أمس في مدينة دالاس بولاية تكساس، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوعد انتخابي يثير كثيراً من علامات الاستفهام، بعدما تحدث عن منح مكافأة مالية قدرها خمسة آلاف دولار لكل ناخب أمريكي ، حال تمكن الجمهوريين من الحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.

وبحسب التقديرات المتداولة، فإن تنفيذ مثل هذا الوعد على نطاق واسع قد يعني فاتورة مالية هائلة تصل إلى نحو تريليون وثلاثمائة مليار دولار.

وبعيدًا عن الرقم نفسه، فإن القضية الأخطر هنا ليست فقط حجم الأموال التي يجري الحديث عنها، وإنما طبيعة الرسالة السياسية التي يحملها هذا النوع من الوعود. فعندما تتحول الانتخابات من منافسة على البرامج والسياسات والرؤى إلى وعد مباشر بمقابل مالي للناخب ، فإننا نكون أمام سؤال جوهري يتعلق بحدود العلاقة بين السلطة والناخب ، وبالمعنى الحقيقي للعملية الديمقراطية.

فالانتخابات ، في جوهرها ، يفترض أن تكون تعبيراً حراً عن إرادة المواطنين واختيارهم لمن يرونه أكثر قدرة على إدارة الدولة، لا عملية مقايضة سياسية بين صوت انتخابي ومكافأة مالية.

ومن هذه الزاوية تحديداً ، فإن مثل هذا الطرح، إذا كان قد صدر بالفعل بالصيغة المتداولة، يستحق قدراً كبيراً من التدقيق القانوني والسياسي ، وليس مجرد التعامل معه باعتباره وعداً انتخابياً عابراً. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بسلامة البيئة التي يتحرك فيها الناخب، وبمدى استقلال قراره عن الضغوط والإغراءات، وبقدرة المؤسسات على منع تحول المال والنفوذ إلى أدوات لإعادة تشكيل الإرادة الشعبية.

وأعتقد أن الأهم من الوعد ذاته هو ما يكشفه عن الحالة السياسية التي يعيشها ترامب والحزب الجمهوري. فالرئيس الأمريكي يدرك، أكثر من غيره ، أن انتخابات التجديد النصفي ليست مجرد استحقاق انتخابي دوري، وإنما يمكن أن تتحول إلى استفتاء سياسي واسع على أداء الإدارة، وعلى اتجاهات الناخب الأمريكي، وعلى قدرة الحزب الحاكم على الاحتفاظ بنفوذه داخل المؤسسة التشريعية.

ولهذا فإن القلق من نتائج الانتخابات لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال تصريحات ترامب العلنية، وإنما من خلال طبيعة التحركات السياسية التي تسبقها. فالرئيس الذي يشعر بأن شعبيته مضمونة، وأن حزبه يقف على أرض صلبة، لا يحتاج عادةً إلى رفع سقف الوعود إلى مستويات غير مسبوقة. أما عندما تصبح الانتخابات بالنسبة إلى الرئيس معركة على استمرار النفوذ السياسي، فإن كل وسيلة لجذب الناخبين تصبح محل اهتمام ، وكل خسارة محتملة تتحول إلى خطر سياسي ينبغي التعامل معه مبكرًا.

وهنا تظهر المشكلة الأكبر : ماذا لو تحولت انتخابات التجديد النصفي إلى لحظة حساب سياسي حقيقية لترامب؟

فالرئيس لا يخوض هذه المعركة في فراغ. هناك ملفات داخلية وخارجية كثيرة يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط انتخابية في يد خصومه. الاقتصاد، والتضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، والطاقة، والتجارة الدولية، والسياسة الخارجية، والحروب والصراعات التي انخرطت فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كلها ملفات يمكن للناخب الأمريكي أن يعيد تقييم الإدارة من خلالها.

والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحديداً أصبحت أكثر تعقيداً وحساسية. فالانحياز الشديد لإسرائيل ، والعلاقة الوثيقة  مع حكومة بنيامين نتنياهو، والتداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للحروب المتتالية في المنطقة، كلها ملفات لا يمكن فصلها عن الحسابات الانتخابية الأمريكية. كما أن أي توسع في الصراع مع إيران أو تهديد للممرات المائية وحركة التجارة العالمية لن يبقى مجرد ملف خارجي بعيد عن المواطن الأمريكي ؛ لأن تداعياته قد تصل في النهاية إلى أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتضخم، وكلفة المعيشة، وبالتالي إلى صندوق الاقتراع نفسه.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة. ترامب الذي يرفع شعار “أمريكا أولًا” يجد نفسه أمام عالم شديد الترابط، لا يمكن فيه فصل القرار العسكري عن الاقتصاد ، ولا السياسة الخارجية عن أسعار الوقود ، ولا الصراع الجيوسياسي عن حياة المواطن اليومية. وكلما اتسعت دائرة الأزمات الخارجية، زادت احتمالات انتقال آثارها إلى الداخل الأمريكي.

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل يظل متعلقاً بمصدر تمويل الوعد المالي الضخم. فإذا كان الرقم المتداول بالفعل يقترب من تريليون وثلاثمائة مليار دولار، فمن أين يمكن أن تأتي هذه الأموال؟ هل من الخزانة الأمريكية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تبرير ضخ هذا الحجم الهائل من الأموال في برنامج انتخابي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أصلًا مستويات مرتفعة للغاية من الدين والعجز؟ أم أن الأمر مجرد وعد سياسي غير قابل للتنفيذ، هدفه الأساسي التأثير في المزاج الانتخابي أكثر من كونه خطة مالية حقيقية؟

أما الحديث عن تمويل خارجي أو مساهمات من دول أخرى، فهو اتهام بالغ الخطورة لا يجوز التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة من دون أدلة موثقة. لكن مجرد طرح السؤال يكشف حجم الحساسية التي يمكن أن تثيرها مثل هذه الوعود ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس دولة كبرى تمتلك تأثيراً هائلًا على الاقتصاد والسياسة الدولية.

وفي النهاية ، فإن أخطر ما في القصة ليس خمسة آلاف دولار ، ولا حتى التريليون والثلاثمائة مليار دولار. الأخطر هو أن تتحول الديمقراطية نفسها إلى سوق مفتوحة ، يصبح فيها صوت المواطن ورقة مالية قابلة للتسعير.

فالانتخابات التي يُشترى فيها رضا الناخب بالمال تفقد شيئاً من معناها السياسي، والدولة التي تستخدم مواردها العامة لاستقطاب الأصوات تفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير من نتائج انتخابات واحدة : هل ما زالت الإرادة الشعبية هي التي تصنع السلطة ، أم أن السلطة أصبحت تبحث عن الطرق الأكثر فاعلية للتأثير في الإرادة الشعبية؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ليس فقط : من سيفوز؟ الجمهوريون أم الديمقراطيون؟ وإنما أيضاً : إلى أي مدى تستطيع المؤسسات الأمريكية أن تحافظ على استقلال العملية الانتخابية أمام المال والنفوذ والاستقطاب السياسي غير المسبوق؟

فالديمقراطية لا تسقط بالضرورة يوم تُغلق صناديق الاقتراع، وإنما قد تبدأ في التآكل عندما يصبح صوت المواطن له سعر، وعندما يصبح الفوز الانتخابي أهم من احترام القواعد التي تجعل من الانتخابات تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى